صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4387

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

السياسة الخارجية الأميركية ليست بيد ترامب وحده

بينما قد تبدو بعض سلطات رئيس الولايات المتحدة واسعة بصورة معقولة ومنطقية إلى حد كبير، فإن الرئيس نفسه يتعرض لقيود دستورية شديدة عندما يقوم بخطوات تعتبر "غير متماهية" مع وجهة نظر الكونغرس المعروفة على نطاق واسع.

بينما كافح الجمهوريون في مجلس النواب الأميركي طوال الأسبوع الماضي من أجل تطوير شرح مقنع لتصرف الرئيس دونالد ترامب في القضية الأوكرانية فإنهم تجاهلوا رسالة واحدة على الأقل كان يمكن أن تعزز قضيتهم؛ وتتمثل تلك الرسالة في أن «الشخص الذي يحدد السياسة الخارجية الأميركية هو الرئيس»، ويعطي الدستور الرئيس سلطة لرسم القضايا الخارجية، وتتمحور الفكرة هنا حول تقويض الرئيس للسياسة الخارجية الأميركية وهو عمل في حد ذاته غير منطقي.

وكان يمكن لهذه المجادلة أن تتمتع بتأثير أكبر لو أن الدستور حصر سلطة رسم كل جوانب السياسة الخارجية بالرئيس فقط، ومن السهل معرفة مصدر هذه الفكرة وهو ما اشتهر عن السوابق التاريخية التي كانت تعرف باسم «الرئاسة الامبريالية» التي كان الرئيس فيها يصدر الأوامر للقوات المسلحة الأميركية للتوجه الى مناطق انتشار معينة من دون اكتراث بتفضيلات الكونغرس ومواقفه، وقد صدرت تعليقات قضائية من جانب مجموعة المحامين في القسم التنفيذي في الحكومة حول دور الرئيس في الشؤون الخارجية.

وفي تلك الحالة ربما كان من الطبيعي تماماً أن يصبح في وسع ثلث عدد طلاب الجامعات في الولايات المتحدة تعريف الكونغرس على أنه فرع من الحكومة الأميركية مع تمتعه بسلطة اعلان الحرب عند الضرورة.

وعلى الرغم من ذلك فقد رفضت المحكمة العليا الأميركية قبل عدة سنوات فقط فكرة أن يمثل الرئيس الجهة الوحيدة التي تحدد دور الحكومة الفدرالية «في ميدان العلاقات الدولية».

وتجدر الاشارة الى أن الدستور الأميركي لا يعترف بمثل هذه «السلطة التي لا حدود لها» والعكس هو الصحيح لأن التشريع في الولايات المتحدة يطرح بصورة واسعة طائفة كبيرة من السلطة الخاصة بنفوذ وحتى مراقبة القرارات المتعلقة بالسياسة الخارجية وبما يكفي من أجل دعم تلك الفكرة. وعلى سبيل المثال كان دعم الولايات المتحدة لأوكرانيا دعامة مركزية ذات تأثير واضح في ميدان السياسة الخارجية الأميركية وقد قام الرئيس ترامب بتقويض تلك الدعامة والسياسة وحدد واحدة جديدة بصورة غير شرعية تماماً.

الأولوية لتطبيق المبادئ

ويشار في هذا الصدد الى أن الدستور الأميركي يخص بصورة جلية وراسخة الكونغرس بقائمة طويلة ومتفرعة من السلطات ذات الصلة بالشؤون الخارجية – ليس سلطة اعلان الحرب فقط – بل العمل على تنظيم العمليات التجارية والاقتصادية مع الدول الخارجية اضافة الى تحديد ومعاقبة الجهات التي قد تقدم على انتهاك قوانين الأمم ووضع قواعد للحكومة وتنظيم القوات المسلحة في البلاد مع تخصيص الأموال اللازمة من أجل توفير عمليات الدفاع بشكل عام، ومن ثم «وضع كل القوانين التي سوف تكون ضرورية ملائمة من أجل تنفيذ تلك السياسة ضمن طائفة من الخطوات الاخرى المهمة».

وتشمل القائمة التي تتعلق بسلطات الشؤون الخارجية والتي خصصها الدستور للرئيس – وعلى العكس مما سبق – طائفة مختصرة تماماً ولكنها أكثر أهمية الى حد كبير، وذلك بحسب ما أوضحته المحكمة العليا وكررته منذ زمن بعيد. وفيما قد تبدو آفاق البعض من سلطات الرئيس واسعة بصورة معقولة ومنطقية الى حد كبير فإن الرئيس نفسه يتعرض لقيود دستورية شديدة عندما يقوم بخطوات تعتبر «غير متماهية» مع وجهة نظر الكونغرس المعروفة على نطاق واسع. وكما أوضح القاضي روبرت اتش جاكسون في قضية الاستيلاء على الصلب خلال الحرب الكورية فإن التوازن الدستوري في الولايات المتحدة هو من النوع الذي يضمن تقيد الرئيس بالقوانين الأميركية.


سلطة الرئيس

وبعيداً عن فهم كون هذه السلطات مقيدة بقدر أكبر في ميدان الشؤون الخارجية أو الأمن القومي فإن حدود الدستور اعترفت بسلطة تخصيص أموال بشكل خاص على نحو يحقق قدرة الرئيس على ممارسة سلطة عسكرية واضحة، وفي ضوء التعلم من النموذج السلبي للجيش البريطاني قرر واضعو الدستور عدم ترك قرار السيطرة على الجيش في يد الرئيس وحده. وهكذا وإضافة الى اعطاء الكونغرس سلطة زيادة عدد أفراد الجيش ودعمه وتنظيمه يتطلب الدستور من أعضاء الكونغرس الموافقة على مخصصات القوات المسلحة المالية في كل عامين وهي خطوة تضمن بقاء أشد قوة حكومية في يد «ممثلي الشعب» بصورة جلية، كما أن قادة الجيش أيدوا ذلك التوجه في حينه أيضاً وذلك خشية أن يتحولوا الى كبش فداء سياسي لقرارات سياسة مدنية، وعندما كان الأمر يتعلق بالأمن القومي الأميركي كان على الكونغرس لعب دور مركزي واضح تماماً.

وفي ضوء هذه التطورات التاريخية يتعين أن يكون مفهوماً قيام الكونغرس بصورة متكررة بإصدار قوانين وتشريعات تحظر استخدام الأموال من أجل دعم الأنشطة العسكرية المتعددة في الخارج، أو وضع شروط على توزيع المساعدة الأمنية الى الحلفاء وهو ما يغير بصورة فعلية مسار السياسة الخارجية الأميركية وهي خطوة تقيد بها رؤساء الولايات المتحدة.

مساعدة أوكرانيا

ولهذا السبب وبشكل جزئي كان تأخير الرئيس لتقديم المساعدة الأمنية التي أقرها الكونغرس الى أوكرانيا موضع انتقاد حاد لأن الكونغرس – كما فعل في عدد لا يحصى من الحالات الاخرى أيضاً – أصر في قانون تقديم المساعدة الى أوكرانيا على قيام وزارة الدفاع الأميركية بتأكيد عملية ايصال تلك المساعدة بصورة ملائمة وهو ما حدث فعلاً.

وعلى الرغم من ذلك فقد أوقف مكتب الادارة والميزانية تسليم تلك الأموال من دون وجود أي مبرر لمثل ذلك التصرف على الاطلاق كما أنه لم يقدم أي بيان الى الكونغرس (كما يطلب القانون أيضاً) وذلك من أجل تفسير سبب عدم تسليم تلك الأموال الآن. وفي هذا الصدد أصبح واضحاً أن الادارة الأميركية انتهكت القانون وقد شهد أكثر من شخص على أن البيت الأبيض اتخذ خطوة تنتهك السياسة الخارجية الأميركية بكل ما في الكلمة من معنى.

دور الشهود

وكان دور الشهود لافتاً ليس في هذا المعنى الفني فقط، حيث إنهم كانوا على حق أيضاً في المعنى الأساسي الأوسع، والرئيس لم يكن على الاطلاق الجهة الوحيدة المسؤولة عن السياسة الخارجية في الولايات المتحدة، واستدامة هذا التوجه الخيالي سوف يفضي الى تفاقم الأخطار الدستورية في المستقبل، وذلك لأنه سوف يمكن الكونغرس من الادعاء بأنه يتحمل درجة أقل من المسؤولية عن سلوك الادارة، ويجعل من الأسهل أيضاً بالنسبة الى سيد البيت الأبيض القيام تحت اسم الولايات المتحدة بمغامرات خارجية لا علاقة لها على الاطلاق بالمصالح الأميركية أو سياستها الخارجية.

في فترة «الرئاسة الإمبريالية» في الولايات المتحدة كان الرئيس يصدر الأوامر للقوات المسلحة للتوجه إلى مناطق انتشار معينة من دون اكتراث بتفضيلات الكونغرس

المحكمة العليا الأميركية رفضت قبل عدة سنوات فكرة أن يكون الرئيس الجهة الوحيدة التي تحدد دور الحكومة الفدرالية في ميدان العلاقات الدولية