صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4294

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

فرنسا عادت إلى الواجهة... لكن أين ألمانيا؟

  • 03-12-2019

تشهد العلاقات الفرنسية الألمانية توتراً واضحاً، ويبدو أن هذه المرحلة لن تكون عابرة للأسف، والسبب بسيط: أدى اختلاف الرصيد السياسي بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل (أو خلفها) وحكومتَي البلدَين إلى قَلْب العلاقة الثنائية رأساً على عقب، فبرلين ضعيفة وباريس قوية!

بدأ معنى هذا الواقع بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي يتبلور تدريجياً، لكنّ أول ارتداداته أصبح واضحا، إذ يعترف كبار السياسيين الألمان بأنهم كانوا مسؤولين عن أول إخفاق في علاقة بلدهم مع باريس، فحين وصل ماكرون إلى السلطة، حاول تصحيح أخطاء سلفه فرانسوا هولاند، من خلال إطلاق الإصلاحات في فرنسا وتنفيذها قبل أن يسعى إلى كسب تعاون ألمانيا لفرض ميزانية مخصصة لتجاوز الصدمات الاقتصادية في منطقة اليورو.

عمد ماكرون إلى تبسيط قانون العمل الفرنسي وتشديد إعانات البطالة وتخفيف القيود البيروقراطية على التوظيف والتسريح من العمل، فضلاً عن إقرار إصلاحات أخرى، وبدل إيجاد تسوية مع الرئيس الفرنسي، اكتفى القادة الألمان بالموافقة على تعديلات ضئيلة وسطحية في منطقة اليورو، ولم تغفل الإليزيه عما حصل واستخلصت منه درساً قيّماً.

يظن مسؤولون مرموقون في برلين اليوم أن "ماكرون قرر المضي قدماً في الإصلاحات الأوروبية التي يعتبرها ضرورية، وحده ومن دون ألمانيا"، ولإثبات رأيهم ذكروا استعمال الرئيس الفرنسي حق النقض اعتراضاً على بدء محادثات تجارية مع الولايات المتحدة، وقراره منع انطلاق محادثات الانتساب إلى الاتحاد الأوروبي مع ألبانيا ومقدونيا الشمالية، ودعمه للتقارب مع روسيا.

لكنّ استعداد ماكرون للتصرف وحده لا يتعلق حصراً بطموحاته غير المُحققة، فهو يظن أن عجز هولاند عن التفكير "نظرياً" عاق تقدّمه في أوروبا، كما تتعارض نظرة ماكرون الاستراتيجية عن الاتحاد الأوروبي مع إخفاقات هولاند الواضحة في أنحاء القارة، وقد عبّر عنها الرئيس للمرة الأولى في خطابه التاريخي في السوربون، حيث دعا إلى نشوء "أوروبا التي تحمي نفسها".

بصريح العبارة، يؤمن ماكرون بضرورة أن يتخلى الاتحاد الأوروبي عن هوسه بالسوق الحرة ويتحوّل إلى لاعب سياسي واستراتيجي ذي صوت واحد وغاية واحدة، أولاً في محيطه ثم في العالم أجمع، حيث سيكون وضع سياسة دفاعية مناسبة للاتحاد الأوروبي ركيزة لجميع الخطوات الأخرى.

من المستبعد أن تتحسن العلاقة بين باريس وبرلين في أي وقت قريب، وبدل أن يتقارب البلدان من بعضهما، من المتوقع أن تؤدي الخطط المرتبطة بـ"المؤتمر حول مستقبل أوروبا" خلال سنتين إلى تسليط الضوء على الاختلافات بينهما. في مطلق الأحوال نجح ماكرون في كسب الحلفاء في جميع المناصب الرئيسة في بروكسل، مما يُسهّل عليه تحقيق أهدافه، وسبق أن أعلنت رئيسة اللجنة الأوروبية المرتقبة أورسولا فون دير لاين (ساعدها ماكرون على بلوغ منصبها المرموق) أن ولايتها ستُركّز على المسائل "الجيوسياسية"، مما يعكس أولويات الإليزيه.

في الوقت نفسه سيتابع ماكرون قيادة أغلبية مطلقة ضمن نظام سياسي مركزي بامتياز ومن المتوقع أن يدوم حتى العام 2027.

في المقابل، يبدو أن الائتلاف الحاكم في ألمانيا، بين "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" بقيادة ميركل و"الحزب الديمقراطي الاجتماعي"، سيتابع التخبّط حتى انتخابات عام 2021، مع أن تصويتاً مهماً آخر سيحصل في صفوف "الحزب الديمقراطي الاجتماعي" في شهر ديسمبر، وسيكون صمود الائتلاف حينها مسألة محورية. كلما طال تعثّر ميركل واستمرت عملية اختيار خلفها لفترة أطول من اللزوم، ازدادت صعوبة أن تصبح مرشّحتها أنغريت كرامب-كارنباور بديلة عنها، إذ لم يكن أداؤها الباهت كزعيمة للاتحاد الديمقراطي المسيحي ووزيرة الدفاع كافياً لاستمالة زملائها في الحزب، ومن المنتظر أن تكسب أعداءً إضافيين مع مرور الوقت باعتبارها المرشحة الأوفر حظاً لأعلى منصب في البلاد.

في حين يتابع ماكرون السيطرة على فرنسا تسود شكوك سياسية كبرى في ألمانيا، فلم يصبح التوتر بين فرنسا وألمانيا بنيوياً بعد، لكنه قد يترسّخ قريباً، وسيؤدي هذا الوضع إلى منع البلدَين، وحتى الاتحاد الأوروبي، من إحراز أي تقدم جدّي في مسار تنفيذ الأولويات السياسية.

«مجتبى رحمن*»