صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4386

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

كوربين شبيه ترامب في بريطانيا

يصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بالشخص الذي يشبهه عبر الأطلسي، ويبذل حزب العمال في المملكة المتحدة ما في وسعه لتأكيد هذه الرسالة قبل الانتخابات العامة التي ستجري الشهر المقبل زاعماً وجود تحالف بين ترامب وجونسون يجري على قدم وساق. وحتى هيلاري كلينتون انتقدت رئيس الوزراء البريطاني لرفضه نشر تقرير حول تورط روسيا في استفتاء البريكست.

وعلى الرغم من ذلك فإن التعمق الجدي في هذه القضية يظهر أن الذي يشبه ترامب في بريطانيا هو جيريمي كوربين وليس بوريس جونسون، والسؤال: ما العامل الذي يدفع جونسون وكوربين الى التصرف بشكل يحاكي الرئيس الأميركي؟ ونستعرض فيما يلي جوانب الشبه بين كوربين وترامب:

كوربين رجل شعبوي يريد اعادة وضع بلاده في العالم كما فعل ترامب في الولايات المتحدة، وهو يشكك في البنية الأمنية المؤسساتية التي وضعتها بريطانيا والولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، تماماً كما يظن الرئيس ترامب، وهو أيضاً يتصرف بعداء غريزي نحو أقرب حلفاء بريطانيا وبطريقة ودية نحو أقرب أعدائها.

وبالمقارنة يعتبر جونسون شخصية مملة وهو يدعم العمل المتعدد الجوانب من أجل حل مشكلة تغير المناخ وإحياء الاتفاق النووي مع ايران وحلف شمال الأطلسي، والعلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة، وحق اسرائيل في الدفاع عن نفسها والتدخل العسكري في الشرق الأوسط ومناطق العالم الاخرى حيث تدعو الحاجة، كما يؤيد سياسة بريطانيا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ما عدا عضوية الاتحاد الأوروبي.

الموقف من «بريكست»

ويعتقد جونسون أن خروج بلاده من الاتحاد الأوروبي ضروري من أجل عودتها الى مزيد من الديناميكية في الأسواق الحرة والاقتصاد الدولي. وعلى العكس من ذلك يشكك كوربين في مختلف جوانب التجارة الحرة سواء مع الولايات المتحدة أو أوروبا. ويعتقد الرئيس ترامب بأهمية التعرفات على شكل أداة فعالة في تكريس قوة بلاده وسعيها الى مزيد من المزايا في الاتفاقات التجارية، وفي هذا السياق يعتبر كوربين أكثر قرباً من سياسة ترامب الحمائية.

والتعمق في بيانات وتصريحات سياسة ترامب وكوربين يظهر السلوك الغزيزي لهما، ويزعم نقاد ترامب أنه ديكتاتوري التفكير ويكره الانشقاق والتسويات الفوضوية التي تشمل الحكم في نظام ديمقراطي ضمن بيروقراطيات تسعى دائماً الى السيطرة. ومثل كوربين فهو ينال سلطته من الجماهير وليس عن طريق المؤسسات مع موازين تحد من التغييرات التي يريد القيام بها، وهذه هي الحكومة العميقة التي تتلاعب بإرادة الشعب.

ويبرز أحد الأمثلة على الشبه بين كوربين وترامب عبر مقال نشرته صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤول في البيت الأبيض يشرح فيه «المقاومة» الداخلية التي تعمل على منع ترامب من اتخاذ قرارات خطيرة أو ضد المصلحة العامة. وبالنسبة الى جماعة كوربين أكد ذلك المقال السلطة المحافظة الموروثة للدولة والتحديات المحتملة في حال وصول كوربين الى الحكم.

وليست حاشية كوربين على خطأ أيضاً، ولنتخيل أول 100 يوم من وجود كوربين في السلطة مقارنة مع استمرار ادارة جونسون، وهذا التخيل يشمل تحديد الجوانب التي سوف تبرز المزيد من المقاومة للخطط المطروحة وتعطي مزيداً من الأسباب للشعور بالقلق في المؤسسات مثل وزارة الخارجية أو أجهزة الاستخبارات والشرطة أو اسكتلنديارد ودوائر ايرلندا الشمالية.

من جهة اخرى تخشى قلة من الدبلوماسيين البريطانيين أن يفضي خروج البلاد من الاتحاد الأوروبي الى اضعاف نفوذها العالمي وتقويض النموذج الاقتصادي لحكومتها المحافظة وقد أجرى جونسون في وقت سابق مفاوضات حول اتفاق بريكست يمكن أن تتم المصادقة عليه قبل أسابيع من موعد الانتخابات المقبلة. وسوف تكون هذه لعبة النهاية بالنسبة الى عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي.

إدارة كوربين

ولكن إدارة كوربين – مثل وجود ترامب في الولايات المتحدة – سوف تشكل مشكلة عميقة بالنسبة الى المؤسسة البريطانية وخاصة في مجال السياسة الخارجية. وتعاطف كوربين العلني مع حركة حماس وحزب الله والجيش الجمهوري الايرلندي وايران وفنزويلا وكوبا ومع عداء روسيا لحلف شمال الأطلسي يثير قلق شركاء بريطانيا الأمنيين تماماً، كما زعم البعض أن علاقة ترامب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد أثارت قلق وكالات الاستخبارات الغربية وخشيتها من تداعياتها.


وفي ضوء عدم دعم كوربين لأي عمل عسكري وكان على الدوام مشككاً حتى في الحاجة الى حلف شمال الأطلسي هل يمكن له أن يلتزم بالدفاع الجماعي للحلف بحسب ما سارت عليه السياسة البريطانية منذ تأسيس ذلك الحلف؟ وهل سيلتزم باستخدام قوة الردع النووية البريطانية اذا تعرضت بلاده لهجوم خارجي؟ المعروف أن كوربين كان طوال حياته ضد الأسلحة النووية وامتناعه عن استخدامها سوف يحرم بريطانيا من دعامة مركزية للدفاع وماذا سيحل بالعلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة؟ ومن المؤكد أن كوربين سوف يكون رئيس الوزراء البريطاني الأكثر عداء لأميركا منذ الحرب العالمية الثانية – والسؤال هنا هو كيف يمكن أن تعمل أجهزة الاستخبارات ووزارة الخارجية في بريطانيا لحماية هذا التحالف في ظل رئاسة كوربين للحكومة؟

شكوك كوربين

ومثل ترامب أعرب كوربين عن شكوكه في امكانية حدوث عدوان روسي على غرار محاولة اغتيال العميل الروسي المزدوج سيرجي سكريبال في سالزبري في العام الماضي أو غزو شرق أوكرانيا التي قال زعيم حزب العمال إنه تم «من دون استفزاز «.

وفي مقال بصحيفة مورنينغ ستار الشيوعية وصف كوربين الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي بـ»أدوات السياسة الأميركية في أوروبا». وهو مثل ترامب أيضاً يميل الى نظرية المؤامرة وقد وقع في عام 2004 طلباً برلمانياً يزعم أن تدخل حلف شمال الأطلسي في عام 1999 في كوسوفو لوقف المذبحة الصربية للسكان الألبان كان يعتمد على «مبررات زائفة من أجل التدخل في مجزرة لم تحدث مطلقاً في كوسوفو».

غرائز كوربين ثورية فيما تعتبر غرائز جونسون محافظة، ويريد كوربين تجفيف المستنقع واستبداله بمسبح عام تحدد دخوله حكومة من حزب العمال. ويشعر جونسون بارتياح لوجود المستنقع ويريد استمراره، ويعتبر كوربين وسائل الإعلام قوة معادية بينما كان جونسون رئيساً سابقاً لتحرير مجلة وأحد كتاب صحيفة الديلي تلغراف وهي أكثر الصحف محافظة في بريطانيا. ويريد كوربين حدوث ثورة اجتماعية واقتصادية في بلاده فيما يعرض جونسون صورة من وحي توني بلير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق مع مزيد من التشدد ازاء الجريمة.

التشبث بالمواقف الشخصية

يتصرف كوربين بشكل سيئ اذا تعرض لانتقاد وهو على قناعة دائمة بأنه مصيب ومحق ويرفض التراجع عن مواقفه وهو ما أكسبه درجة كبيرة من اعجاب مؤيديه، وعلى العكس من ذلك فإن جونسون يتأثر جداً بالانتقاد وهو غير متأكد من قناعاته.

ويوصلنا هذا الى أوجه الشبه بين ترامب وكوربين والتي تميزهما عن جونسون، وتشبه غرائز ترامب وكوربين قاعدتيهما الشعبية أما جونسون فليس كذلك.

ويتشاطر ترامب وكوربين دعماً واسعاً بين أنصارهما الذين يظهرون الاستعداد لتجاوز أخطائهما وفضائحهما، مهما كانت خطورتها ومدى تعارضها مع نظرتهما المعلنة ويرجع ذلك الى وحدة مشاعرهما.

وفي المملكة المتحدة، على أي حال، شهدت زعامة كوربين صحوة غير مسبوقة لمعاداة السامية من جانب اليسار شعر معها الأعضاء اليهود في البرلمان بضغوط سياسية واتهموه بالسماح للعنصرية بالانتعاش. ولكنه على الرغم من ذلك حافظ على دعم المجموعة المعادية للفاشية في جناح اليسار التي أفضت مواقفها الى دفع حزب العمال البريطاني الى تبني سياسة تسمح للمواطنين الأوروبيين بالعيش والعمل في بريطانيا حتى بعد البريكست. وبالنسبة الى أنصار كوربين لا يمكن له أن يكون الرجل السيئ كما يصفه خصومه لأنه يؤمن بالأشياء الجيدة التي يقومون بها في السلام العالمي والاشتراكية ومكافحة الارهاب.

في غضون ذلك يطلب أنصار جونسون صيغة مختلفة تدعو الى تماثل غرائزهم مع غرائزه حتى مع كونها ليست كذلك – ولهذا السبب يمكن تأكيد أن جونسون لا يشبه ترامب مطلقا.

● توم ماك توغ