صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4293

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

الرحماوي: اللونُ حاضرٌ في كتاباتي... وقصيدتي تتسع للكون

«الشعر الوسيلة الوحيدة لمواجهة العالم بِنُبل وجمال وصفاء»

يولد شعرها في حديقة، وتنثر قصائدها كوردٍ،وتنطلق بكلمات تشبه تلك الخطوط التي يبدعها رسامٌ ماهر يجيد لغة التشكيل ونسج الجمال... هكذا يمكن وصف تجربة الشاعرة المغربية المبدعة آمال الرحماوي التي أبدعت حتى الآن أربعة دواوين، أبرزها "يدي الملطخة بالورد"، ولا تقل عنه وفي الروعة دواوينها الثلاثة الأخرى "حدث في مثل هذا الغيم"، و"ظلها أركانه"، و"أصمتُ ليصل الغياب". وقالت الرحماوي، في حوار مع "الجريدة" بالقاهرة، إن قصيدتها لا تحتفي دائماً بجزئيات الأشياء بل تتسع للكون، لافتة إلى أن اللون رسم لغوي حاضر في كتاباتها، وأن الشعر هو الوسيلة الوحيدة لمواجهة العالم بِنُبل وجمال وصفاء، وفيما يلي نص الحوار:

● ما أبرز القضايا التي تناقشها قصائدك في ضوء قولك في أكثر من مناسبة إنك تفرغين حمولتك الأيديولوجية والفكرية والنفسية في النص؟

- قد يبدو أن الكتابة، كفعل اختياري وواع، تأتي عن طواعية وسلاسة وتعاقد بينها وبين الكاتب، فتوهمه بمسك زمام الكلمة، تشعره بزمن الولادة، لكن لا تشي له أبداً بفترة المخاض، وحين يمتلئ الكاتب بالتجربة، بالدهشة، بالقراءات واصطياد الفلتات فهو يُحشر في زاوية الكتابة غصباً ولا خلاص له هناك إلا بأن يفيض إبداعياً، فأنا أقرأ وأنسى، أندهش وأحاول الحفاظ على دهشتي طازجة حتى تبلغ النص، أرى وأسمع ثم أودع الصور علبة الكلمات، فالكاتب لا يكتب من العدم، هو يغترف من الحيوات والنصوص السابقة، مما قد مر به ومما قد يمر، ولإعادة تشكيل الحياة على القصيدة أن تحمل رؤى ذاتية ووجودية، أن تزاوج البعد الذاتي بالبعد الموضوعي، وأن تحمل كل ما تحمله الذات في ظل ما يعرفه الواقع المعاصر من مستجدات، فقصيدتي لا تحتفي دائماً بجزئية الأشياء، قصيدتي تتسع للكون.

● صدر ديوانك الأول "حدث في مثل هذا الغيم" عام 2007 محتفيا بالألوان... ماذا يمثل اللون بالنسبة إليكِ كشاعرة؟

- يقول الفنان الروسي فاسيلي كاندينسكي: "الألوان هي القوة الوحيدة التي يمكنها التأثير مباشرة على الروح"، وأنا أحتفي دائماً باللون في كتاباتي، لأنني ربما أريد أن أضيف تلك الجرعة الزائدة من التأثير على القارئ بالكلمة اللون، أن أقحمه في مزاج الكلمة وطقسها، في أناقتها اللغوية والتشكيلية فالكتابة عن اللون رسم لغوي يظل حاضراً في كتاباتي ولا أجد فاصلاً بين الكتابة والرسم.

● برأيك ما المهمة الرئيسة للشعر؟ وبعد أربعة دواوين هل نجحت في هذه المهمة؟

-أعتقد دائماً أن الشعر هو الوسيلة الوحيدة لمخاطبة ومواجهة ومجابهة العالم بِنُبل وجمال وصفاء،والشعر إعادة تشكيل لذواتنا واكتشاف للكون بعين أوسع ووعي أكبر وهنا لا يمكن أبداً أن أقول اكتفيت، فالكتابة الشعرية حفر مستمر لبلوغ صورة متجددة التشكيل، صورة للذات والواقع ولهذا العالم المتغير، ولا أحد يمكنه أن يبلغ نقطة متماهية في التجديد وإعادة التشكل.

● للشجر حضور طاغٍ في ديوانك الأخير "ظلها أركانة" الصادر عام 2016، وللصمت أيضاً حضور متواصل منذ ديوانك الثاني "أصمتُ ليصل الغياب" 2011، على أي أساس تختارين تيمات النص؟

- غالباً ما تغطي تيمة واحدة أو اثنتان مجمل نصوصي الشعرية للمجموعة الواحدة، وأحياناً يأتي الاختيار عن وعي وإدراك مقصود كأن يلهمك الصمت بالكلام، بالحكمة، بالصخب، بالسكون، بالغياب المؤقت أو الأبدي فتشتغل عليه على امتداد العديد من النصوص وأحياناً يكون الاختيار محض مصادفة، كأن تدهشك نملة جنب طاولتك، فتتعقب أثرها إلى أن تجدها نقطة بنهاية نص مجموعة شعرية ما، وأذكر أن طفلاً كان يخبئ شيئاً ما في الطاولة بين الكتب، وعندما تلصصت عليه، اكتشفت أنها وردة ناصعة البياض كانت تلك الوردة هي التي أشعلت حدائق شذراتي الشعرية في ديواني "يدي الملطخة بالورد".

● يلمح القارئ لديوانك "ظلها أركانة" اهتمامك بفلسفة الحياة والموت (كان عليّ أن أموت لأراني جيداً من فوق) إلى أي مدى تجدين متعة في مداعبة أفكار وجودية لدى المتلقي؟

- كثيراً ما أشتغل على جدلية الموت والحياة، كما هو شأن الإبداع منذ بدء الحياة وفي كل مرة أدرك أن الموت بمفهومه الحقيقي والرمزي جزء لا يتجزأ من الحياة، وأؤمن بقداسة الكتابة وقداسة الحياة والموت وأؤمن أن توريط المتلقي ما هو إلا توريط في الاستمرارية المشرقة والمشي نحو التجديد والبعث والبحث عن موازنة لضمان هذه السيرورة الحية، فالشعر والفلسفة شكلان للتعبير عن الوجود وبعث إنسان جديد يتقبل وينتج داخل القلق والحيرة والأمل واليأس والحضور والغياب بمساحة شاسعة للحرية في التفكير دون لجم.

● وفق نفس الرؤية الفلسفية، هل كل أنواع الورد التي تعرفت إليها في ديوانك "يدي الملطخة بالورد" تلخص مشاهد متكررة للحياة؟

-على امتداد شذرات المجموعة، كان هناك متسع كبير من الورد، فالورد الحامل للأسئلة الجمالية والأسئلة الوجودية والورد الخارج من الأسطورة والقصيدة والتشكيل والقص، والورد الذي جسد القلق، التوازن، الباتولوجيا والنوستالجيا، كل شذرة ووردة كانت تحمل حيوات وحكايات مختزلة ومكثفة، تشبه ما نعيشه في الواقع أو ما نعيشه في الخيال وما نطمح إليه وكل شذرة كانت تحمل ألواناً مختلفة اختزلت العالم في وردة في يد شاعر.

الدواوين الأربعة

● خلال السنوات الثلاث الأخيرة ما المشروع الشعري الذي تعكفين عليه وربما يخرج للنور قريبا؟

- بعد هذه الدواوين الأربعة، سيصدر لي قريباً ديوان شعري زجلي (شعر دارج باللهجة المغربية)، وهذه التجربة وليدة محبتي الكبيرة لهذا الجنس الأدبي ولإقامتي في مدينة تعتبر منبع وقِبلة الزجل في المغرب (مدينة تيفلت)، والديوان يُزاوج بين الشذرة الزجلية والنص الطويل، يحتفي بالحياة القصيدة، والقصيدة الحياة، بلغة شعرية ساخرة وصادمة تورط القارئ في تأسيس المعنى وتقحمه في النص، مؤكدة أنها ابنة الحياة التي يعيشها.

الكاتب لا يكتب من العدم هو يغترف من الحيوات والنصوص السابقة