صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4276

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

«الصبخة» تحرر الحب من قيود الانغلاق والتعنت

المسرحية طرحت جملة من القضايا الاجتماعية بجرأة وعمق في عرضها الأول بالكويت

قدّمت فرقة مسرح الخليج العربي مسرحية "الصبخة" للمخرج والمؤلف د. عبدالله العابر على مسرح عبدالحسين عبدالرضا.

قدّم المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب مسرحية "الصبخة" لفرقة مسرح الخليج العربي، مساء الخميس الماضي، على مسرح عبدالحسين عبدالرضا أمام حضور كبير توافد لمتابعة العمل الذي يُعرض للمرة الأولى في الكويت، بعد النجاح الكبير الذي حققته المسرحية في مهرجان الخليج المسرحي، الذي أقيم في الإمارات، حيث حصد العمل 6 جوائز مختلفة كأفضل إخراج لعبدالله العابر، وأفضل ممثل دور أول، ودور ثان، وممثلة دور ثان، وهم الفنانون عبدالعزيز بهبهاني وعلي الحسيني ويوسف البغلي وكفاح الرجيب، وأيضا محمد الربيعان، الذي حصد جائزة أفضل ديكور، وتم التنافس على جوائز أخرى.

الأعمال التراثية

و"الصبخة" من الأعمال التراثية التي كتب نصّها ويخرجها د. عبدالله العابر، المعروف عنه تميّزه في هذه المنطقة، حيث سبق أن قدّم تجارب مهمة، وتحمل المسرحية عبق الماضي والموروث الشعبي، وتدور أحداثها من خلال قضية اجتماعية مهمة، وهي الحب الذي واجه ومازال الرفض المجتمعي والانغلاق والتعنت، خصوصا إذا اصطدم بسلطة ذكورية تتمثل في الأب أو الزوج، مما ينتج عنه أمراض مجتمعة تؤثر في التكوين النفسي للأبناء، بل وتنتقل من جيل إلى آخر، فضلا عن مجموعة من القضايا التي طرحها المؤلف بعمق، ويشارك في تجسيد أدوار المسرحية سماح وعلي الحسيني وعبدالعزيز بهبهاني ويوسف البغلي وكفاح الرجيب ومنال الجارالله وغيرهم.

منطقة صعبة

ويعتبر العابر أحد أبرز أبناء جيله تميزا في تقديم الأعمال المسرحية التراثية، وهي منطقة صعبة قلّما يذهب إليها أحد إلا إذا كان مبدعا متمكّنا من أدواته واثقا بنفسه، واستطاع أن يعزز حضوره في الأعمال التراثية، ويقدّمها برؤية حديثة، وله تجارب سابقة تشهد على ذلك، وفي "الصبخة" يقدّم العابر نفسه وممثليه بصورة مغايرة عن جميع أعمالهم السابقة، لاسيما أنه تطرّق لقضية اجتماعية جريئة، ليتحدث بشكل مباشر عن إرث جاهلي مازالت بقاياه مستترة في قلوب البعض حتى الآن، ولو حاولوا إخفاءه.

مفتاح العمل

جملة واحدة كانت بمنزلة مفتاح لفهم العمل وتفسيره، وهي التي جاءت على لسان فهد بطل العمل عندما قال مواجها زوجته مريم "الود ولد أبوه والبنت بنت أمها"، تلك النظرة القاصرة لأب يعتزّ بأبنه ويقسو على ابنته وينظر إليها على أنها خطيئة، بل وينسبها إلى أمها.

ولتكشف فيما بعد أسباب هذا التحول الكبير في شخصية فهد الذي كان محبا لزوجته في شبابه، ومن ثم تحوّل إلى رجل قاس حتى على أقرب الناس إليه، وهي ابنته، فهد الذي يعتبر ابنه عكازه الذي سيستند عليه يعود إلى منزله بمعيّة زوجته يوما، ليجد أن ابنه منصور قد نال من شقيقته، وهنا تتجلى الحقيقة "دَيْن عليّ وسددته"، هكذا قال فهد الذي يسقط أرضا ويبكي جرمه الذي اقترفه قبل سنوات، عندما اعتدى أيضا على شقيقته، وقتلها خوفا من الفضيحة، وادعى عليها كذبا أنها كانت بمعية أحد الأشخاص، ليدفنها بالتواطؤ مع والده، وهنا تتضح خلفية هذا الرجل المضطرب نفسيا وما اقترفه في شبابه، وانعكس على أبنائه.

حبكة وحرفية

العابر كمؤلف ومخرج استطاع التعامل مع المسرحية بذكاء شديد، ولم يسمح لأي من الشخصيتين بالهيمنة على الأخرى، كمؤلف صاغ حبكته بحرفية وتعامل مع الانتقال من زمن إلى آخر بحذَر ومهارة، فكان يقفز بين الحاضر والماضي، ويعود مجددا محافظا على الحبكة الرئيسية، ودون أن يخلّ بتسلسل الأحداث، بينما كمخرج استخدم منذ المشهد الأول مجموعة من الأقفاص، وهي تحمل دلالة رمزية، لأن الإنسان قد يولد ويعيش ويموت وهو سجين أفكار ومعتقدات خاطئة، تنتقل من جيل إلى آخر، وتابعنا كيف وظّف هذه الأقفاص طوال العرض، وكان لافتا مشهد وقوف سماح التي جسدت شخصية مريم زوجة فهد خلف أحد هذه الأقفاص، وهي تحمل ابنتها، بينما يحدثها فهد وهو يحمل الابن منصور من أمام القفص، ليرمز إلى نظرة الأب للأم وابنته التي تنطوي على اتهام، وأخيرا مشهد اعتداء منصور على شقيقته، والذي قدّمه العابر بحرفية عالية، وأوصل إلى فكرته دون أن يخدش الحياء.

التمثيل

وعلى صعيد التمثيل، كان جميع أبطال المسرحية على مستوى الحدث، وتميز كل منهم في منطقته، وأدى دوره بتمكّن كبير، بدءا من الفنانة سماح التي تبهرنا من عمل إلى آخر، مرورا بالفنان عبدالعزيز بهبهاني الذي جسّد شخصية الأب فهد بتمكّن، وصولا إلى يوسف البغلي وعلي الحسيني، حيث جسّدا أصعب الأدوار على الإطلاق لما يتطلبه من جهد ذهني وبدني.

وجاءت عناصر السينوغرافيا متناغمة فيما بينها على مستوى الإضاءة والموسيقى والمؤثرات حتى قطع الديكور التي كانت بسيطة، لكن العابر وظّفها في موضعها الصحيح، واستغل عمق المسرح للاشتغال على فكرة الانتقال بين الأزمنة.

العابر تفوّق على نفسه مؤلفاً ومخرجاً... ونجوم العمل جسّدوا شخصياتهم بتمكّن