صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4244

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

«الحلم بكويت حديثة» 2-6

قصة نشأة بلدية الكويت قبل النفط (1930 - 1940م)
50 شخصية بارزة من أنحاء البلاد اختارت أول مجلس بلدي من 12 عضواً مدة عامين

لنشأة بلديّة الكويت في مرحلة ما قبْل النّفط ملابسات ودواع تطلبت وجودها، يرصدها هذا الكتاب الذي كتب مخطوطته الراحل محمد صقر المعوشرجي، المدير العام الأسبق لبلدية الكويت طوال فترة السبعينيات، ونائب رئيس المجلس البلدي في النصف الأول من الثمانينيات، ووزير الأوقاف من 1991 إلى 1992م، مسجلاً مشاهدات رغب في تدوينها بحكم معاصرته لحقبتي الكويت والبلدية، قبل النفط وبعده.

في مكتبة المعوشرجي، رحمه الله، عثرت أسرته على مخطوطة هذا الكتاب الذي أودع فيه صاحبه روايته لقصة نشأة البلدية، فسعت إلى جمع مادته ونشرها، إسهاماً منها في زيادة الوعي بما شهدته الكويت من تقدّم وازدهار كانت البلدية النواة الأولى لتنفيذهما.

في تمهيده لهذا الكتاب، الذي تنشره «الجريدة» على عدة حلقات بتصرف يسير، والذي حرره ووثقه بدر ناصر الحتيتية المطيري، يحدد المعوشرجي منهجه، فيذكر أنه يثبت الإعلانات الصادرة عن البلدية بتسلسلها الزمني بين عامي 1930 و1940م، مع التعقيب على أغلبها بآرائه الشخصية.

يبدأ الكتاب الصادر عن دار مطابع الخط - الكويت، سنة ٢٠١٩ بإلقاء نظرة على أوضاع الكويت قبل نشأة البلدية عام 1930، متطرقاً إلى الطابع العمراني، والأحوال المعيشية، والمشهد الثقافي حينئذ، ثم يخلص إلى صلب كتابه باستعراض المجالس البلدية الخمسة الأولى، وما صدر عنها من إعلانات، مؤرخة بالتاريخ الهجري، الذي كان هو التاريخ الرسمي في الكويت حتى عام 1960. وإلى الحلقة الثانية:

سبقت الإشارة إلى أنه تمّ في الاجتماع الذي عُقد في المدرسة المباركية -بمباركة من الأمير الراحل الشيخ أحمد الجابر الصباح- للدعوة لتأسيس بلدية الكويت بتاريخ 14 من ذي القعدة 1348هـ الموافق 9 أبريل 1930م انتخاب أول مجلس بلدي في تاريخ الكويت. وحضر هذا الاجتماع خمسون من الشخصيات البارزة في جميع المناطق مثّلوا هيئة الناخبين وانتخبوا مجلسا بلديا مكونا من 12 عضوا. وقد تمّ تشكيل المجلس البلدي في دورته الأولى -ومدتها عامان هجريان 1349-1350- بالانتخاب من السادة: يوسف بن عيسى القناعي، مشعان الخضير الخالد، سليمان خالد العدساني، سيد علي السيد سليمان، محمد أحمد الغانم، نصف بن يوسف النصف، أحمد الفهد الخالد، عبد الرحمن البحر، خليفة بن شاهين الغانم، مشاري الحسن البدر، أحمد محمد حسين معرفي، يوسف صالح الحميضي.

وتمّ بأمر من سمو الأمير الراحل الشيخ أحمد الجابر تعيين الشيخ عبدالله الجابر رئيساً للبلدية، وانتخب المجلس سليمان العدساني مديراً للبلدية، وعيّن السيد يوسف عبدالوهاب العدساني كاتباً.

ولم تمض ثلاثة أيام على انتخاب أول مجلس بلدي حتى أصدر إعلانه الأول بتاريخ 17 من ذي القعدة 1348هـ، وتتضمن إعلانات البلدية تعليمات عديدة، تكدّست في العديد منها أوامر تحتاج اليوم إلى عدد من القوانين. ورغم هذا الحشد من تعليمات البلدية الجديدة فإن الناس قد تقبّلوها وشرعوا في تنفيذها دون مجادلة إدراكا لمدى الحاجة إلى مثل هذا النظام.

وتتابع إصدار الإعلانات، وفيما يلى نثبت نصوصها مع شرح لبعض النقاط التي وردت بها والتي قد لا تكون واضحة في يومنا هذا.

إعلانات البلدية عام 1348 هـ

إعلان رقم (1) 17 ذو القعدة

يجب على جميع الساكنين في بلد الكويت اتباع ما في هذا الإعلان وكل من يخالفه فعليه الجزاء:-

أولا: الزبل والقمام وكناسة البيوت لا تُرمى في الشوارع ولا على السمائد بل تُرمى في الأبياب التى للبلدية أو تُرمى في البحر خارج البلد. ثانيا: كل من يموت في بيته حيوان فعليه أن يرميه خارج البلد أو داخل البحر لا على الساحل. ثالثا: لا يجوز لأحد أن يشغل الشوارع بالصخر والطين مدة طويلة ومن يشتغل في البناء فله ذلك مدة البناء. رابعا: لا يجوز لأحد دفق مياه أوساخ البيوت في الطرق ولا يتغوّط فيها أي في الطريق.

خامسا: كل من أراد أن يبني جداراً على الشارع فعليه مراجعة البلدية. سادسا: اللحم والسمك والخضر المتعفّنة ممنوع بيعها، أما الجت الذي به رائحة فلا يدخل السوق بل يباع على السِّيف. سابعا: السيارات لا تزيد في سيرها بالبلد أكثر من عشرة أميال وفي داخل السوق خمسة أميال.

ثامنا: الحيوانات التي تشيل الحمل لا تكلّف فوق طاقتها – فالحصان والحمار القويان لا يحملان أكثر من كيسي سكر و3 كونية عيش وثلاثة أمنان تمراً والضعيف على قدر طاقته.

التعليق: السّمائد: جمع مسمدة (أو سمادة من السّماد) وهي مواقع يضع الناس فيها مخلفات المنازل وغيرها.

الأبياب: براميل وضعتها البلدية... لتفريغ النفايات بها بدل السمائد. الجت: البرسيم.

إعلان (2) ـ 12 ذو الحجة

أولاً: يجب على نواخذة الغوص وقت تسليف البحرية أن يقطعوا من كل بحّار يسكن الكويت ولو بالإيجار روبية واحدة، وذلك رسم بيته عن أربعة شهور، أولها شهر ذي الحجة 1348هـ، باعتبار عن كل شهر أربع آنات فقط. ثانيا: يجب على كل نوخذا أن يقدم قائمة بأسماء بحريته المقبوض منهم الرّسم وأن يوضح في ذلك ذكر المحلّة التي يسكنها البحّار.

ثالثا: عند انتهاء النوخذا من السَّلَف يجب عليه أن يقدم لدائرة البلدية القائمة المذكورة مع الدراهم التي قطعها من بحريته طبق القائمة. رابعا: كل من لا يعمل بهذا الإعلان يعرّض نفسه للمسؤولية.

إعلانات عام 1349 هـ

إعلان (3) ـ 5 صفر

ليعلم كل من البزّازين وباعة الأقمشة من الآن فصاعدا أن الذّرع يجب أن يكون بالوار، وكذلك عملة البيع والشراء يجب أن تكون على حسب الوار، وليحذر الجميع من أن تكون الوارات التي يعدونها ناقصة وكل من يخالف ذلك يعرض نفسه للغرامة، كيلا يخفى.

إعلان (5) ـ 26 جمادى الأولى

1 - لا يجوز أن يوضع في الأبياب التي في الطرق والسوق غير الخمام.

2 - يمنع وضع الطين فيها بتاتاً.

3 - ويجب ألا يوضع فيها شيء من القاذورات (الوسوخة) ومن يضع فيها شيئاً من هذا يعرّض نفسه للعقوبة والجزاء.

إعلان (6) ـ 26 جمادى الأولى

1 - لا يجوز وضع الصخر في الطّرُق لأجل البناء قبل أخذ الأذن من إدارة البلدية.

2 - ولا يجوز وضعه في الطّرُق العادية أكثر من خمسة عشر يوماً.

3 - ويمنع وضعه بتاتاً في طُرُق السيارات أو الطّرُق التي تزدحم بالمارّة.

4 - لا يجوز تأخير الطّين في الطّرُق بعد خلاص البناء أكثر من 24 ساعة.

5 - ويمنع وضعه بتاتاً على السيسان المجاورة أو فرشه في الطّرُق.

6 - إذا تخلّف شيء من الطّين أو الصخر فالبلدية تؤجّر على شيله وتطلب الأجرة من صاحب البيت مضاعفة.

إعلان (7) ـ 30 جمادى الأولى

إلى من يراه من كافة أهالي الكويت، إن مسألة نزع البشت أو لبسه هي مسألة اختيارية وليست إجبارية كما يتوهّم البعض، فالكلّ له اختياره في الحالتين. وقد حرّرنا هذا إزالة للإشكال وتخفيفاً لمن يجدون في خلع البشت حرجاً عليهم.

إعلان (9) 27 شوال

ليعلم جميع الدلالين والدلالات أنه ممنوع بيع المصاغات من الذهب والفضة بالمدة بتاتاً، كما أنه يجب على الذين يتعاطون البيع والشراء بذلك ألا يشتروا ولا يبيعوا شيئاً من هذا إلا بدفع القيمة واستلامها كاملة نقداً. وكل من يخالف هذا يعرض نفسه للعقوبة والغرامة وأن البلدية ستقوم بملاحظة هذه المسألة بكل دِقّة.

التعليق: الإعلان موجّه إلى الدلالين ووسطاء بيع مصاغات الذهب والفضة رجالاً ونساء بمنع بيع هذه المصاغات بالمُدّة أي البيع الآجل.

إعلان (10) 17 ذو القعدة

على أهل الحمير (السقايين) الذين يبيعون الماء في سكّة المِسِيل أن ينزلوا القِرَب عن ظهور الحمير مُدّة وقوفهم الى أن يباع الماء، فيرجعوها إلى ظهور الحمير ويذهبوا بها مع المشتري، ومن يخالف ذلك يعاقب ويؤخذ حماره، كيلا يخفى.

التعليق: الإعلان حول الرفق بالحيوان، ويطلب من باعة الماء في منطقة المسيل، وهي تقع إلى الشرق من ساحة الصفاة، وكان باعة الماء (السقايين) ينتظرون الزبائن فيها.

إعلان (12) 19 ذو الحجة

يوجد لدى ادارة البلدية صيغة ذهب وجدها أحد عمال البلدية في أبياب الكناسة، فالذي له صيغة مفقودة يراجع البلدية.

إعلان (13) 26 ذو الحجة

تابع الاعلان رقم 12، زيادة ايضاح: إن الصِّيغة التي وجدها أحد عمال البلدية قبل ثمانية أيام هي فردة حرى مقمس وجدت في بيب (الخمام) الذي بسكّة العبدالرزاق ونخشى أن صاحبها إلى الآن لا يدري أنها مفقودة، فكل من عنده صيغة من هذا القبيل فليراجعها.

التعليق:

الإعلانان 12 و13 يعلنان عن وجود مصاغ ذهب وجده أحد عمّال البلدية في أحد براميل النفايات، ولما لم يتقدم أحد أصدرت البلدية إعلانا آخر يحدد المكان الذي وجد فيه المصاغ، فأي أمانة هذه؟!

إعلان (14) 29 ذو الحجة

على سائقي السيارات أن يحضروا إلى إدارة البلدية في 1 محرم 1350هـ ومعهم رخص السياقة التي يحملونها لتبديلها برخص جديدة، وكل من لا يحضر ويأخذ رخصة جديدة فليس له أن يسوق سيارة ما، وكل من يخالف ذلك يعرض نفسه للعقوبة والجزاء مع حبس السيارة التي يسوقها.

إعلانات عام 1350هـ

إعلان (20) 4 ربيع الآخر

يجب على أهل السيارات أن يسدّدوا رسم البلدية الشهري في النصف الأول من كل شهر، والذين يتخلّفون منهم عن ذلك توقف سياراتهم عن السير حالاً، ولا تُسمع أيّ دعوى أنّ السيارة معطّلة عن السير للتخلّص من الرسم الشهري إلا إذا أُعلمت البلدية بذلك في يوم تعطيلها وإلاّ فإنّ صاحبها مُطالَب بدفع الرسم كما يجب عندما يُراد إشغالها وإشعار البلدية بذلك مقدماً.

إعلان (21) 4 جمادى الآخرة

على كلّ سائق سيارة أن يُشعل سراج سيارته (الليت) بعد الغروب، وكلّ من يتهاون بهذا الأمر يعرّض نفسه لغرامة أقلها خمس روبيات وتزداد هذه الغرامة كلما تكرر منه ذلك.

التعليق: الإعلانان اللذان يحملان رقمي 20 و21 ينظّمان أعمال سائقي السيارات.

دور البلدية في مكافحة الفقر

كان الفقر منتشراً في الكويت ومحيطها منذ أواخر عقد العشرينيات وطوال عقد الثلاثينات من القرن العشرين، وقد سعت البلدية للتخفيف من حدّته ومساعدة الفقراء بوسائل شتى ومنها القيام بحملة جمع تبرعات لإعانة الفقراء، وقد وجّهت رسائل لبعض الأغنياء تدعوهم للمساهمة فيها، وفي هذا الصدد أرسلت البلدية في 21 شعبان 1350هـ رسالة إلى محمد الثنيان، كما أرسلت رسائل مشابهة إلى كل من يوسف بن صقر العبدالله - في كليكوت، وخالد بن خميس في بمبي، ومحمد المرزوق في كراچي، وحمد الخالد في البصرة، وعبدالله الحمد الصقر في البصرة، فضلاً عن شخصيات أخرى، كحامد بك النقيب في البصرة، والشيخ مصطفى آل إبراهيم.

إيرادات الميزانية

لم تكن للبلدية موارد مالية لتمويل أنشطتها سوى الرسوم الرمزية التي تجبيها، وقد بادر مجلس البلدية إلى اقتراح وضع رسم جمركي على البضائع ليكون أحد المصادر الثابتة للميزانية، ولإقرار ذلك الاقتراح وجّه أعضاء المجلس في 20 ذو القعدة 1349هـ رسالة إلى سمو الأمير، جاء في نصُّها:

«حضرة صاحب السمو الأمير الجليل الشيخ أحمد الجابر أدامه الله...

... لا نرى بدّاً من لفت نظر سموكم إلى أن البلدية لا يمكنها أن تعيش ما لم يتقرر لها رسوم على الأموال في الواردات، وأحسن طريقة أن يكون على حسب المئة نصف لأن في هذه الطريقة راحة على التاجر والمحصل، وأبعد عن المنازعات، أما إذا كان سموكم يرى أن يكون الرسم على النقلات حسب أصنافها، فالأمر على كل حال إليكم، وإننا في انتظار ما يقرره سموكم في هذا الخصوص، مع حصول الأمر بأن نختار رجلاً من قِبَل البلدية يتقاضى هذه الرسوم. والله يديم علاكم».

قانون بلدية الكويت عام ١٩٣٢م

تمّ الانتهاء من صياغة قانون البلدية في 9 شوال 1350هـ (١٩٣٢م)، وطبع في العام التالي، ويتألّف من مقدمة وعشرة فصول تحوي 34 مادة. وينصّ فصله الأول على تشكيل المجلس من 12 عضوا ورئيس، والرئيس يكون من آل الصباح ويختاره الحاكم، والأعضاء ينتخبهم وجهاء البلد من طلبة عِلْم وتُجّار وكل من له علم باختبار الرجال.

وخصّص الفصل الثاني لبيان نظام المجلس وصفة انتخابه، بينما تناول الثالث وظائف المجلس، في حين يشمل الرابع بياناً لواجبات المجلس، والخامس يتعلق بمدير البلدية وكاتبها الذي هو أمين الصندوق وواجباتهما، والسادس يتناول واردات (إيرادات) البلدية ومصادر تمويلها.

أما الفصل السابع فيحدّد واجبات البلدية ووظائفها، والثامن يحوي 23 نوعاً من التصرّفات التي تقوم البلدية بمنعها، والتاسع يتناول نظام توسعة الشوارع، والعاشر يتحدث عن عقوبات المخالفين، مع نصفه في مادته الأخيرة على نشر القانون على عموم أهالي الكويت بعد التصديق عليه من صاحب السمو الحاكم.

سنة البشوت

أصدرت البلدية إعلانها رقم 7 عام 1930م إثر الضجّة التي أحدثها أمر أمير البلاد وقتئذٍ الشيخ أحمد الجابر بجعل لبس البشت اختياريا، فجاء هذا الإعلان ليطمئن معارضي نزعه إلى أن الأمر ليس إجبارياً.

وقد كان لبس البشت إلزامياً للرجل عُرفاً، وكان سعر البشوت مرتفعاً يثقل كاهل من يشتريها، فجاء القرار الأميري التقشفي لتخفيف معاناة الناس بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي مرت بها الكويت في هذا العام، بعد فشل موسم الغوص وكساد سوقه، واستمرار منع التجارة (المسابلة) مع نجد، وقد سمّى الكويتيون سنة 1930م «سنة البشوت» جريا على عادتهم بتسمية السنوات بحسب ما يقع فيها من أحداث لها صداها.

أي أمانة تلك التي تجعل مؤسسة كالبلدية تصدر إعلانين للمواطنين بعد عثور أحد عمال النظافة على مصوغات ذهبية بحثاً عن صاحبها؟!

الفقر الذي كان منتشراً في الكويت منذ أواخر العشرينيات وطوال الثلاثينيات رأت البلدية أن عليها مكافحته فسعت إلى جمع التبرعات لمساعدة الفقراء

بعد ثلاثة أيام من انتخابه أصدر المجلس البلدي الأول إعلاناً يتضمن تعليمات عديدة تحتاج اليوم إلى عدد من القوانين

رغم كثرة التعليمات التي صدرت في البداية فإن الناس تقبّلوها وشرعوا ينفذونها دون جدال إدراكاً لمدى الحاجة إلى مثل هذا النظام