صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4289

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

النفط... رحلة سياحية (2)

  • 02-09-2019

كنا في المقال السابق قد بدأنا رحلة سياحية داخل حقل نفطي على عمق 3 كيلومترات تحت سطح الأرض، وشرحنا كيف يتم تطوير حقول النفط باستخدام المضخة الحمار، كما شرحنا تطوير الإنتاج بغمر الحقل بالماء لدفع النفط إلى سطح الأرض.

نواصل في هذه الرحلة التعرف إلى أساليب أخرى لتطوير استخراج النفط من داخل الحقل. لقد قطعنا نصف المسافة وتبقى النصف الآخر.

صاح أحد السياح قائلا: معنى ذلك أنه تبقى لنا 3 كيلومترات على نهاية الحقل والرحلة. قال أحدهم: الوقت يدهمنا. وصاح آخر: أشعر أني بحاجة إلى زيارة المرافق الصحية لقضاء الحاجة... فهي قريبة منا، لكنني سأصبر، لأن تلهفي لما سيأتي من متعة وفائدة أكبر.

أكمل المرشد السير، وهو يقول: كان للصناعة النفطية إبان الحربين العالميتين دور كبير في توفير الإمدادات اللوجستية، وعلى وجه الخصوص الوقود.

يمكن القول إن هذا الدور لم يتح فرصة لتطور الصناعة نفسها، فتعثّرت محاولات توفير تقنيات حديثة تطور الصناعة نفسها آنذاك. تم تدارك هذا التأخير بعد توقف الحرب، وبدأت الخطى تتسارع لتحقيق اكتشافات نفطية بطرق تقنية متقدمة وأساليب تطوير حقول جديدة، منها حقن الماء في الحقول التي يمكن رفع ضغط المكمن فيها، بما يؤدي الى رفع النفط والغاز الى سطح الأرض.

في الخمسينيات من القرن الماضي، أحدثت هذه التقنيات موجة تسونامية كبرى من النجاحات في مجال تطوير حقول نفطية كثيرة في العالم أجمع، مما ترتب عليه زيادة كبيرة في الإنتاج العالمي، وكذلك زيادة المخزون الاستراتيجي النفطي في العالم.

في أوائل الستينيات، تم تأسيس منظمة الدول المنتجة والمصدرة للنفط، التي يطلق عليها اسما مختصرا هو "أوبك"، وقد أحدث تأسيس هذه المنظمة انقلابا نوعيا في السوق النفطية التي تأثرت بشكل مباشر. فقد أحدثت هذه المنظمة موجة أخرى من زيادة الإنتاج، وساهمت بشكل آخر فاعل في دفع الدول النفطية للسيطرة على ثرواتها النفطية الوطنية، مما أدى الى تراجع المخزونات النفطية الاستراتيجية لدى الشركات النفطية العظمى العابرة للقارات، تلك المخزونات المسجلة في الحسابات السنوية التي تعرض في أسواق المال سنويا.

اضطرت هذه الشركات الى الانخراط في برامج تطوير الإنتاج في كافة حقولهم المملوكة والمنتشرة في العالم للمحافظة على مراكزهم في أسواق المال التي يعملون فيها. فتسابقوا لاستخراج المخزونات النفطية التي تقع على أبعاد يمكن الوصول إليها من خلال الحفر الأفقي وتوصيلها بالآبار المحفورة في الحقل.

نجحت هذه التقنية أيما نجاح ووصلت المسافات الأفقية التي أصبح من الممكن الإنتاج منها لاستخراج النفط ما يقارب مسافة 6 كيلومترات من البئر. نجح علماء ومهندسو النفط في استخدام هذه التقنية، وحققوا إنتاجا عظيما من تقنية الحفر الأفقي عوضهم جزءا مهما عما فقدوه.

ومن التقنيات الحديثة التي نجحت في تطوير الحقول النفطية، استخدام حقن الحقل بمواد البوليمر الذي يعد من اللدائن التي لها خاصية تسهيل مرور النفط من خلال الحجر، لينفذ ويخرج من الأنبوب الى أعلى سطح الأرض.

كما أن هناك تقنية يتم فيها استخدام حقن الغازات، وبالأخص غاز الكربون الذي يساعد على تطوير الحقول بشكل فاعل لا تزيد نسبة نجاحه على 20%. وآخر ما توصل إليه العقل البشري هو تقنيات التشقق الهيدرولوجي الذي ثبت نجاحه في تطبيقات النفط الصخري أخيرا، وقد استطاع المهندسون في أميركا تخفيض تكلفة برميل النفط الصخري الى نصف التكلفة منذ بدأ الإنتاج الأول حتى أصبحت تكلفته لا تجاوز الخمسين دولارا.

صاح أحد السياح قائلا: لم أتوقع أن تكون صناعة النفط بهذا التعقيد العلمي والتقني المتشعب، فقد كنت أعتقد أن كل ما علينا عمله لإنتاج النفط هو أن نفتح الصمام فقط، ليتدفق النفط ثم نجني العوائد المالية ونتسلم رواتبنا، وقال: لقد استمتعت جدا في هذه الرحلة وتعلمت عن النفط الكثير، وأكمل حديثه قائلا: لم أدرك طوال الرحلة أن معنا سائحا معاقا... تحدث الأخ المعاق وقال: أكثر ما أعجبني في هذه الرحلة أنه بالرغم من أنني إنسان معاق، فإني لم أشعر بالإعاقة أبدا، إن جلوسي بكل راحة وطمأنينة تامة على هذا البساط الجميل الإلكتروني دون تعب ولا عناء، أتنقل عليه في هذا الحقل أينما أشاء كبساط الريح لعلاء الدين... إنه بساط النفط يأخذني إلى كل مكان.

اقتربنا أيها السياح من النهاية، قال المرشد.

لا تنسوا أن تزوروا المضخة الحمار، فسوف تجدونها خارج المبنى على اليمين بمسافة 350 مترا داخل السور الحديدي. كما أنصحكم قبل مغادرة الحقل بأن تتذوقوا قهوتنا العربية ذات النكهة النفطية المخلوطة بحبة الهيل المسلفر والمعالج. لقد أعددنا لكم مجانا وجبة سريعة يمكن تناولها وأنتم في الطريق الى الفندق، وهي عبارة عن قطعة من لحم الحاشي البعير الطازج المخلوط بالمكسرات والمطبوخ بالبروتينات النفطية النقية.

معلومة: عندما كنت في أميركا عام 1973 كنت أتردد على أحد مطاعم الفاست فود المعروفة، وكانت الهامبورجر يتم إعدادها مخلوطة بالبروتينات النفطية... لذيذة جدا.

حياكم الله، وإلى لقاء آخر.