صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4221

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

إدارة الاندفاع القادم نحو الذهب

  • 26-08-2019

عندما بدأت الثورة الصناعية، لم يكن أحد يستطيع أن يتنبأ أن تغير المناخ سيكون أحد نتائجها النهائية، ولكن في العصر الرقمي، على العالم أن يكون أكثر وعياً بالبيئة عند استغلال الثروات المعدنية لأعماق المحيطات.

توجد السلطة الدولية لقاع البحار (ISA) فوق الممر الخرساني لميناء كينغستون في جامايكا، عبر الخليج غير بعيد من المكان الذي تم فيه قتل «كاليكو جاك» راكهام شنقا كتحذير للقراصنة الآخرين في القرن الثامن عشر، واليوم، تحكم هذه الوكالة الصغيرة التابعة للأمم المتحدة أعالي البحار- أو على وجه التحديد قاع البحر على بعد ثلاثة أميال أدناه- ومع ذلك فهي غير معروفة إلى حد كبير عند عامة الناس، لكن إذا قررت الصين الانتقام من تعريفة الاستيراد الأميركية بتقييد صادراتها من عناصر الأرض النادرة، فقد يتغير ذلك بسرعة.

هناك نحو 71% من سطح الأرض تحت الماء في الواقع، وقاع البحر غني بالعناصر الأرضية النادرة والمعادن الأخرى المرغوبة، خاصة في المياه الدولية العميقة، وتدير السلطة الدولية لقاع البحار الحقوق المعدنية لأكثر من 50% من قاع المحيطات العميقة في العالم، وتتمتع الدول الأعضاء البالغ عددها 168 دولة بالحق في التنافس للوصول إلى الموارد هناك، ولكن بالنظر إلى مخاطر العواقب البيئية الكارثية، يمكن أن تخسر جميع البلدان إذا استمرت هذه المسابقة دون عناية كافية.

تميل المعادن الموجودة تحت سطح البحر إلى تجميعها في قطع صخرية على شكل بطاطس تقع على سهول سحيقة، وتنفيسها في الماء الساخن المغلي من شقوق في قاع البحر، وقشورها على طول أجنحة البراكين المنقرضة تحت الماء وتسمى الجبال البحرية، وتكون تركيزات المعادن عموما في هذه التكوينات أعلى بكثير من الخامات الموجودة في الأراضي الجافة.

ومع ذلك، رغم كل هذه الثروة، فإن مشروع التعدين النشط الوحيد في قاع البحر في العالم الآن يقع قبالة ساحل بابوا غينيا الجديدة، وهو متوقف حاليا بسبب مشاكل مالية، ويعكس ذلك مدى صعوبة تشغيله في بيئة البحر العميق المظلمة والضغط العالي، حيث لا يزال أكثر من 80% منها غير مستغل وغير مستكشف.

ومع ذلك، تعتقد كل من المنظمات التجارية وعلماء المحيطات أن التكنولوجيات الجديدة ستجعل التعدين في أعماق المحيطات أمرا لا مفر منه خلال العقد القادم، وتعمل مجموعة من الابتكارات، مثل التصوير الأفضل للأقمار الصناعية لأرض المحيط والغواصات الآلية، على تحسين الوصول إلى قاع البحر، علاوة على ذلك، فإن تقنيات العصر الرقمي والانتقال العالمي للطاقة النظيفة تقود إلى زيادة حادة في الطلب على المواد الوفيرة في أعماق المحيطات، بالإضافة إلى العناصر الأرضية النادرة، تشمل هذه العناصر الكوبالت والمنغنيز والتيلوريوم، التي تستخدم في عدد متزايد من التطبيقات، بما في ذلك البطاريات ومعدات الرنين المغناطيسي والألواح الشمسية وأنظمة توجيه الذخائر.

كانت المنافسة على هذه المواد ذات الفائدة المتزايدة تتزايد حتى قبل التصاعد الأخير للتوترات التجارية بين الصين وأميركا، وتتمتع الصين بميزة نسبية في المعادن المهمة، نظرا لمواردها المحلية الكبيرة ومنشآت المعالجة الشاملة. كما أن لديها استثمارات طويلة الأمد في الدول المنتجة الرئيسة الأخرى مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، والتي تمثل نحو 65 في المئة من إنتاج الكوبالت العالمي ونصف إجمالي الاحتياطيات.

على النقيض من ذلك، يتعين على الولايات المتحدة استيراد العديد من المعادن العالية التقنية، ووفقا لذلك اعتبرت الحكومة الأميركية مؤخرا أن 35 من المعادن مهمة للأمن الاقتصادي والوطني للبلاد، وأعلنت استراتيجية جديدة تدعو إلى زيادة التعدين المحلي، من بين تدابير أخرى.

من حيث موارد قاع البحر، لا يوجد خلاف بين هذين الخصمين الجيوسياسيين، ومن المتوقع أن تحقق الصين نجاحا جيدا في العام المقبل عندما تصدر السلطة الدولية لقاع البحار قانونا جديدا للتعدين، وتبدأ أول عملية تصاريح لاستغلال المعادن في المياه الدولية، لكن أميركا لن تكون حتى على الطاولة، لأنها ليست طرفا في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (وبالتالي فهي غير ممثلة رسميا في السلطة الدولية لقاع البحار). منعت عصبة صغيرة من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي منذ فترة طويلة الانضمام إلى المعاهدة لأسباب أيديولوجية غامضة، وهي خصوصية قد تقرر أميركا قريبا أنها غير قادرة على تحمل تكاليفها.

مع وجود أو عدم وجود شركات أميركية في هذا المزيج، فإن التقدم الاقتصادي ليس مطية مجانية، فاستعادة وصقل المواد الخام اللازمة للتكنولوجيات الرقمية والطاقة النظيفة لها حتماً عواقب بيئية، وكل أشكال التعدين- بما في ذلك العملية الضارة لاستخراج المعادن من الصخور- مدمرة، ومن السابق لأوانه معرفة ما إذا كان التعدين في أعماق المحيط أكثر أو أقل تدميراً من التعدين على سطح الأرض.

إن ما يبدو في البداية وكأنه أرض قاحلة ومحظورة هو في الواقع أكبر منطقة حيوية على هذا الكوكب، تسكنها مخلوقات غريبة مثل أسماك القنديل الصغيرة والحبار مصاص الدماء والشعاب المرجانية القديمة التي كانت موجودة منذ العصر البرونزي. قام استكشاف حديث أجرته جامعة هاواي في منطقة كلاريون- كليبرتون، وهي منطقة دولية شاسعة تحت الماء تمتد من هاواي إلى المكسيك، بتوثيق عدد كبير من النباتات والحيوانات في قاع البحار العميق، وكان أكثر من نصفها جديدا تماما في العلوم.

واكتشف الباحثون مؤخرا أن الكائنات الحية المجهرية في أعماق المحيطات قد تؤدي دورا مهما في تنظيم مناخ الأرض. استغرقت بعض هذه التكوينات والكائنات الحية ملايين السنين لتتراكم، وإن إزعاجها، أو حتى تغطيتها بالرواسب التي قد يتركها التعدين، يمكن أن يدمرها بشكل دائم، ولا يُعرف الكثير عن الدور الذي تؤديه هذه الأنواع والميكروبات في أعماق المحيطات في مصايد الأسماك والمناخ العالمي وعمليات النظم الإيكولوجية الأخرى التي تدعم الحياة البحرية والبرية.

يجب على المجتمع الدولي أن يهدف إلى تأمين أفضل وأقل ضررا بالمعادن التي يحتاجها، سواء من جمهورية الكونغو الديمقراطية أو في أعماق المحيطات أو منهما معا.

يجب علينا على الأقل تحديد وفهم المفاضلات قبل اتخاذ القرارات الحاسمة، وذلك لوزن العواقب المحتملة قبل فوات الأوان، ومن الواضح أن الصين والولايات المتحدة «إذا أمكن إقناعها بالتخلي عن موقفها السلبي» يجب أن تؤدي دوراً رائداً في هذا الجهد.

عندما بدأت الثورة الصناعية، لم يكن أحد يستطيع أن يتنبأ أن تغير المناخ سيكون أحد نتائجها النهائية، ولكن في العصر الرقمي، على العالم أن يكون أكثر وعياً بالبيئة عند استغلال الثروات المعدنية لأعماق المحيطات.

* شارون بيرك*

* مساعدة وزير الدفاع الأميركي السابق للطاقة التشغيلية، تدير برنامج أمن الموارد لأميركا الجديدة.

«بروجيكت سنديكيت، 2019» بالاتفاق مع «الجريدة»