صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4272

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

الحقيقة والحق!

  • 22-08-2019

الحقيقة ليست ما قد نظن أننا نراها، إنها مرآتنا المشروخة، والتي نعتقد أنها تظهر لنا الصورة كاملة غير منقوصة، هي الجزء الذي نستطيع أن نلوِّنه كما نشاء بريشتنا، ونضفي عليها ما يمكن أن يمنحنا شعورا ما؛ إما بالأمان، أو الشعور بالطمأنينة. أما الصورة الكاملة، فهي دائما شبه غائبة عن أنظارنا، ولا تتبدى لبصائرنا، ولا يمكننا أن نتخيل أكثر مما نستطيع أن نتخيله. تلك هي طاقاتنا وقدراتنا البشرية التي لا مفر منها، ولا مهرب ولا نجاة لنا من فخها المنصوب لنا مهما حاولنا. إنها أشبه بالشرك الذي أُعد لنا بعناية فائقة، حتى لا نتمكن من تجاوزه، لنتمكن من رؤية جزء من الصورة التي كنا نظنها مكملة، أو جزء آخر على النقيض منها. يتغير وعينا ويتشكل تبعاً لمتغيرات كثيرة تطرأ على وعينا وفهمنا للواقع الذي نعيشه، لكن تبقى حقيقة ما جاء على لسان فرعون: "لا أريكم إلا ما أرى"، هي الكلمة العالقة بألسنتنا، وفي الصورة الذهنية التي نرى فيها الحقيقة، لكن لماذا الحقيقة غائبة عنا، فيما نظن أنها مكتملة ولا يشوبها أي خلل؟! لماذا لا يملك أحد منا الحقيقة المطلقة؟! لماذا نظن أن الكافيين، مثلا، مضر في فنجان القهوة، في حين تذهب بعض الدراسات إلى أنه مصدر عافية؟! لماذا تنكر بعض الحقائق مضار السكر بالعصائر الطبيعية فيما يحذر منه الاختصاصيون؟! لماذا تظل عجوز قضت أكثر من ثلاثة أرباع عمرها تتعاطى سجائر "اللف"، في حين يشدد الأطباء والاختصاصيون على عواقبه الوخيمة والأليمة على صحة الإنسان؟! لماذا تبدو لنا الحقائق العلمية وغير العلمية متناقضة إلى هذا الحد؟! لا يكفي أن نقول، مثلاً، إن طبيعة كل فرد تختلف من شخص لآخر، ولا أعتقد أن جوابا شافيا مثل كل وفق مناعته مريح لنا!

إن الحقيقة هي غير الحق، فالحق لا يتبدل ولا يتغير ولا يتشكل وفق تعاطي الناس له أو معه، إن الحق يجعلنا عراة، ويخلع عنا أرديتنا التي نضفيها على أعيننا وبصائرنا، وينزع عن الحقيقة أستارها التي نزيحها متى ما أردنا ونسدلها متى ما أردنا. الحق كلمة الفصل والفيصل دائما في كل ما نختلف فيه أو عليه. لا مجال للحق في التنصل من شيء ما، ولا يمكن أن نفر من الالتزام به. إذا قلنا إن الشمس تشرق من جهة وتغرب من الجهة الأخرى، فذلك حق، وإذا قلنا إن السماء ممطرة، فالأرجح أننا سنحتاج إلى مظلة. إذا قلنا إن الحياة حق والموت حق، فذلك حق لا يمكن جحده أو نكرانه. إذن لماذا نحتاج إلى الحقيقة طالما أن الحق ثابت لا يتغير؟! نحتاج إلى الحقيقة لكي نلوِّن حياتنا بما يليق بأنفسنا من الداخل، فنستطيع أن نزينها بما تشتهي من بهجة الحياة، ونستطيع أن نسقيها كأس مرارة لا تنتهي. نستطيع أن نرى الصباح إذا انبلج نوره، ونستطيع في ذات الوقت أن نسدل على بصائرنا ستاراً من السواد لا يمكن نزعه. إن الحياة جميلة بالمتغير فيها، وما نختلف عليه، وما نتفق حوله، أما الثابت، فنحن على يقين به، فلا حاجة لنا بمعرفته!