صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4360

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

محمود المليجي... شرير الشاشة (9-10)

صاحب أطول قصة زواج عرفها الوسط الفني

لحق الفنان محمود المليجي بقطار الدراما التلفزيونية، وطاردته أصداء نجاح «القط الأسود» مع زوجته الفنانة علوية جميل. في الحلقة السابقة، ودع أفلام المخرج يوسف شاهين في «حدوتة مصرية»، والتقى العملاق محمود مرسي في مباراة تمثيلية من أجل «زينب والعرش»، واحتجز النجم عادل إمام في عنبر المجانين، وواجه «العنكبوت» في أول مسلسل من نوعية الخيال العلمي، وتعرض لمفارقات كوميدية مع «صيام صيام». وفي هذه الحلقة نستعرض محطات أخرى من حياته أبرزها زواجه من علوية جميل.

ارتدى المليجي قناع الأب على الشاشة، وهو دون الأربعين من عمره، وودع أدوار الشاب الصغير بعد فيلم «غزل البنات» 1949، واقترنت به أدوار العم والأخ الكبير لنجوم يقاربونه في العمر، مثل عماد حمدي، وشكري سرحان، وعمر الشريف، وأحمد رمزي. وصار أباً أو عماً طيباً وشريراً لأجيال من النجمات، من بينهن فاتن حمامة، وماجدة، وزبيدة ثروت، وسعاد حسني، وميرفت أمين، ونجلاء فتحي، وإلهام شاهين.

ورغم ذلك، ترسخ في أذهان الجمهور أن زوجته الفنانة علوية جميل تكبره بأعوام عدة. والحقيقة أنها ولدت في الشهر والعام نفسيهما اللذين ولد فيهما، وتكبره بأسبوع فقط. ولكنها انضمت إلى قافلة الممثلات اللواتي طاردهن دور الأم على الشاشة، وهن ما زلن في عمر الشباب، مثل أمينة رزق، وفردوس محمد، وعزيزة حلمي، وناهد سمير، ولم يفارقهن قناع الأمومة طوال مشوارهن الفني، ورشحتها ملامحها وقوة شخصيتها لدور «الأم القاسية والمتسلطة».

ولدت علوية جميل واسمها الحقيقي «الياصابات خليل المجدلاني» يوم 15 ديسمبر 1910 في قرية «طماي الزهايرة» بمحافظة الدقهلية في دلتا مصر، وانتقلت مع أسرتها ذات الأصول اللبنانية إلى مدينة الإسكندرية الساحلية، ونالت قسطاً من التعليم باللغة الفرنسية. بدأ شغفها بالتمثيل في مدرسة الراهبات، وأطلقت عليها زميلاتها «جان دارك» وهو أول أدوارها في المسرح المدرسي. وذات يوم عادت إلى المنزل تحمل حقيبتها وترتدي «المريلة» وفاجأتها أمها بقرار عدم العودة إلى المدرسة ثانية، وبعد أيام تزوجت وعمرها 13 عاماً من موظف يكبرها في العمر، وأنجبت ثلاثة أبناء (جمال الدين وإيزيس ومرسي) ولم تستمر هذه الزيجة سوى ثماني سنوات.

عاشت الزوجة الصغيرة تجربة قاسية، ووجدت نفسها مسؤولة عن بيت وزوج وأطفال، ومرت بكثير من المواقف المحرجة. وفي الأيام الأولى لزواجها تعرضت لموقف طريف، عندما أرسل زوجها ساعي مكتبه، ومعه «بطة» لتجهيزها على الغداء، ودخلت إلى المطبخ، ووضعتها في إناء مملوء بالماء فوق النار، وعندما جاء الزوج ومعه ضيوفه، وضعت البطة على المائدة، وكانت نسيت أن تنزع ريشها، وتلبدت ملامح الضيوف، وفروا هاربين من الشقة، وصاحب الدعوة يلاحقهم بالاعتذار، بينما ركضت الطاهية الفاشلة إلى غرفتها خوفاً من العقاب، ودفعها هذا الموقف إلى تعلم فنون الطهو.

وفي ذلك الوقت توفي والدها، وانتقلت والدتها للعيش في القاهرة، وتفاقمت الخلافات بين الياصابات وزوجها، وأسفرت عن طلاقها، فعادت إلى منزل أسرتها، وهناك شغلت وقت فراغها بالقراءة والتطريز. وفي العام 1927 أدت المصادفة دورها، عندما قرأت إعلاناً في جريدة «الأهرام»، بتوقيع الفنان يوسف وهبي، يطلب فيه انضمام فتيات مثقفات ولديهن الموهبة إلى فرقة رمسيس المسرحية، وأخفت الياصابات الجريدة كي لا يقرأ أحد أفكارها.

في اليوم التالي، استأذنت الياصابات والدتها للذهاب إلى إحدى صديقاتها، وفي الشارع استقلت «الحنطور» وطلبت إلى السائق التوجه إلى مسرح رمسيس. هناك، قابلت الفنان يوسف وهبي الذي وافق على انضمامها إلى الفرقة، واختار لها اسماً فنياً «علوية جميل» بينما أطلقت عليها زميلاتها «البرنسيسة» لأنها تتميز بشخصية جادة، وتتعامل معهن بأرستقراطية. وتتلمذت على يد المخرج عزيز عيد، الذي لقنها فنون التمثيل وإجادة اللغة العربية الفصحى.

واجهت علوية جميل عاصفة من الغضب، عندما علمت أسرتها باشتغالها بالتمثيل، ووصل الأمر إلى المحاكم، ما دفع يوسف وهبي إلى زيارة والدتها، ومعه شقيقه المحامي إسماعيل وهبي، وأقنعها الأخير أن كثيراً من أبناء العائلات الراقية، يعملون في الفن، ومنهم يوسف وهبي، ومختار عثمان، وبهيجة حافظ، وسليمان نجيب، وغيرهم، واشترطت الأم أن تمثل ابنتها باسم مستعار، وهو ما كان قد فعله يوسف وهبي فعلاً.

عادت جميل إلى مسرح رمسيس، وعملت في مسرحيات «كرسي الاعتراف»، و{أحدب نوتردام»، و{راسبوتين»، و{النائب المحترم» و{الكونت دي مونت كريستو» وغيرها. وبعد نحو 10 سنوات، لحق بها من فرقة فاطمة رشدي، الممثل محمود المليجي، وتوطدت بينهما صداقة وزمالة فنية، وتنبأ لهما عميد المسرح بمستقبل كبير في عالم التمثيل، ومنحهما فرصة الظهور في أفلامه السينمائية.

ترسخ في أذهان الجمهور أن علوية جميل ذات سطوة وبأس، وأطلقوا عليها «المرأة الحديد» بعد زواجها من المليجي عام 1939. كانا آنذاك يعملان في فرقة رمسيس، وجمعتهما خشبة المسرح في خيوط درامية متشابكة. وذات يوم تحول الثنائي إلى بطلين في قصة إنسانية مؤثرة على مسرح الحياة، عندما سافرا مع الفرقة إلى الإسكندرية، لتقديم عرض مسرحي، وهناك تلقى المليجي خبر رحيل والدته، وتسبب له في صدمة كبيرة، وبدا شارداً بين الكواليس، ولا يعرف ماذا يفعل.

وتباينت مشاعر المليجي بين الحزن والضياع، لا سيما أنه كان لا يملك تكاليف السفر وإجراء مراسم الجنازة، فأظهرت «المرأة الحديد» شخصيتها الأصيلة، وربتت على كتف زميلها قائلة: «لا تحمل هماً... انتظرني وسأعود حالاً». وتركته مع زملائه الذين أسرعوا لمواساته، وذهبت لبيع بعض مصاغها الذهبي، وأعطته 20 جنيهاً ليسافر في أسرع وقت. لم يدر ماذا يقول لها، لكنه شكرها وانصرف.

لم ينس المليجي هذا الموقف الإنساني لزميلته، وتعلقت مشاعره بها، لا سيما بعد فقده أمه، لكنه لم يقو على البوح بأسرار قلبه. وبعد مرور أسابيع، طلب إليها الزواج فوافقت فوراً، وحضر زفافهما عدد محدود من الأهل والأصدقاء، لتمتد رحلة أشهر زيجة في الوسط الفني، وتقارب 44 عاماً حتى رحيل المليجي عام 1983، وتعيش رفيقة عمره على ذكراه حتى وفاتها عام 1994.

الزواج السري

وصف النقاد علوية جميل بأنها ممثلة راسخة القدم على المسرح، وفي السينما قدمت أدواراً مهمة، وكشفت عن موهبة متوهجة، رغم حصرها في أدوار الأم، وشكلت مع المليجي ثنائياً فريداً في الفن والحياة، ومثلما ضحت من أجله، ووقفت إلى جانبه بعدما فقد أمه، لم يتردد في الاعتذار عن بطولة فيلم «العزيمة» عام 1939، ويسافر مع فرقة رمسيس إلى السودان ليكون بجوار زميلته، وبعد عودتهما تزوجا في العام نفسه.

تعرضت علوية جميل إلى اختبارات صعبة، وأظهرت سطوتها وغيرتها الزائدة على شريك عمرها، وكان مضى 25 عاماً على زواجهما عندما علمت أن المليجي تزوج من فتاة دون الثلاثين، وهي ممثلة مصرية من أصول لبنانية، فوزية الأنصاري التي كانت تعمل في مسرح إسماعيل ياسين. ولكن «المرأة الحديد» تصدت للموقف بحسم، وأجبرت زوجها على أن يطلق الأنصاري في اليوم الثالث لزواجهما، وقيل إنها طلبت إلى مدير الفرقة أبوالسعود الإبياري أن يطردها، حتى تفرق بينهما في الحياة والتمثيل.

وتكررت محاولات المليجي للزواج سراً، وعقد قرانه على الفنانة درية أحمد، ولكن «المرأة الحديد» أجبرته أيضاً على تطليقها، وبعدها أصيب «الشرير» بخوف غريزي من فكرة الزوجة الثانية، وفي السبعينيات نجح في إخفاء زواجه من الفنانة سناء يونس، ولم تكتشف علوية هذه الزيجة إلا بعد رحيله، وإن كانت سناء يونس رفضت إعلان هذا السر بعد رحيل المليجي احتراماً لمشاعر علوية جميل.

ولاحقت المجلات الفنية أخبار المليجي مع رفيقة عمره علوية جميل، وكيف يلغي ارتباطاته ويبقى إلى جانبها عندما تصاب بوعكة صحية. وبدورها، فرضت نظاماً صارماً لحياتهما، ومنعته من استقبال أصدقائه في المنزل، وكان «الشرير» يمتثل لأوامرها، ولم يجرؤ أي «ريجيسير» على الاتصال بها لإبلاغها بموعد التصوير بعد التاسعة مساء.


رحلة العمر

تعاملت «المرأة الحديد» مع المليجي بروح الزوجة والأم معاً، وأثمر هذا النظام الصارم قدراً كبيراً من التألق له كممثل، واكتشاف موهبته في التأليف. كذلك لم يتدخل أحدهما في عمل الآخر، فكانت لكلّ منهما مواعيد مختلفة للعمل، فيما يلتقيان في المنزل ولا مجال لسهر «الشرير» حتى ساعة متأخرة من الليل، باستثناء أيام عمله في المسرح، أو التصوير في «بلاتوه» السينما أو التلفزيون. ومن هنا وفرت له الزوجة المناخ المناسب ليصبح أحد أبرز نجوم التمثيل في العالم العربي.

كشفت «المرأة الحديد» عن سر نجاح حياتها الزوجية مع المليجي، بقولها في إحدى المقابلات الصحافية معهما، إن الاحترام المتبادل جمعهما خلال رحلة دامت 44 عاماً، وإن الزوجة لا تستطيع أن توفر الاستقرار الأسري، من دون أن يكون لديها قدر من التسامح، واستعداد شريك العمر لعدم تكرار أخطائه. وبدوره، قال المليجي إنه يقدر زوجته، وثمة سبب جوهري للسعادة بينهما، وهو عدم النقاش حول العمل، والاستقلال المادي، فكلاهما يعمل في مجال واحد، ولكنه يصر على أن يتحمل نفقات البيت وحده، ويؤدي واجبه كزوج، وإن كان يضطر أحياناً إلى الاقتراض منها.

في العام 1972، أصيبت علوية جميل بجلطة في الشريان التاجي، واعتزلت الفن، ولزمت الفراش لفترة طويلة، لتسدل الستار على حياة حافلة بالأضواء والشهرة، وظلت داعمة لتألق شريك العمر حتى رحيله عام 1983، واعتبرته أفضل ممثل أنجبته مصر، وعاشت على ذكراه حتى رحيلها عام 1994.

أولاد الفقراء

التقى الشرير والمرأة الحديد في أفلام سينمائية عدة، وكان أولها «أولاد الفقراء» 1942، بطولة يوسف وهبي وإخراجه. دارت أحداثه في إطار ميلودرامي، وأدى المليجي دور «إبراهيم عبدالباقي» زوج حسنية (أمينة رزق) بينما جسدت علوية جميل شخصية عزيزة هانم والدة زكي (فاخر فاخر)، لتبدأ مسيرتها في أدوار الأم وهي في الثانية والثلاثين من عمرها، والمفارقة أنها ظهرت كأم لممثلين يكبرونها سناً، ولكنها استطاعت أن تقنع الجمهور بأدائها المتميز.

وتقابل الثنائي في فيلم آخر بعنوان «برلنتي» 1949 مع المخرج والبطل يوسف وهبي. تدور أحداثه حول قصة فتاة (نور الهدى) تضطر إلى العمل مطربة للإنفاق على والدتها المريضة. أدّت المليجي دور «الصحافي عباس تهامي»، بينما جسدت علوية جميل شخصية «منيرة هانم»، وشاركت في التمثيل كوكبة من النجوم، من بينهم أمينة رزق، وعبدالسلام النابلسي، وفؤاد شفيق، وزينات صدقي.

ويعد فيلم «الله معنا» 1955 إحدى أهم محطاتهما الفنية. أسند فيه المخرج أحمد بدرخان إلى المليجي دور عبدالعزيز باشا والد نادية (فاتن حمامة)، بينما أدّت علوية جميل دور والدة الضابط (عماد حمدي)، وتكررت المفارقة بظهورها كأم لممثل يكبرها بنحو عام.

عندما كتب المليجي قصة «المبروك» 1959، وأنتجها للسينما، جلس مع المخرج حسن رضا، واستقرت الترشيحات على أن يجسد «الشرير» شخصية المبروك الدجال، ومعه زوجته (سميجة أيوب)، بينما أدّت علوية جميل دور «الأرملة بهيجة هانم» وشاركهما البطولة عمر الحريري ومريم فخر الدين ومحمد توفيق وسامية محسن.

وكان «سجين الليل» آخر لقاء سينمائي بينهما في عام 1963، تأليف يوسف إدريس وإخراج محمود فريد، ودارت أحداثه حول مجرم خطير (محمود المليجي) يدعى «الغريب» تطارده الشرطة، لكنه يتمكن من الاختباء، ولا يظهر سوى ليلاً، ويلتقي بطالب جامعي من أسرة ثرية (شكري سرحان)، يعاني من والدته المتسلطة (علوية جميل)، فتتوطّد صداقتهما، وينتهي الفيلم بموت المجرم، وشفاء الشاب من عقدته النفسية.

أحمد زكي يقلِّده قبل لقائهما في «الأيام»

في العام 1969، أسند المخرج سعد أردش دوراً صغيراً إلى الفنان الشاب أحمد زكي، في مسرحية «هالو شلبي» وكانت أول تجاربه على المسرح، وفي كل ليلة عرض، كان يدخل من الكواليس من دون أن يحييه الجمهور، لكن بعد أن كان يقلد الفنان محمود المليجي كان التصفيق يدوي في الصالة، ويخطف الأضواء في هذا المشهد من النجوم سعيد صالح وعبدالمنعم مدبولي ومديحة كامل.

كان تقليد المليجي بطاقة تعارف بين أحمد زكي وجمهور «هالو شلبي». وفي العام 1979، قام النجم الأسمر ببطولة مسلسل «الأيام» عن سيرة ذاتية لعميد الأدب العربي طه حسين، وسيناريو أمينة الصاوي وإخراج يحيى العلمي، وجسد زكي شخصية طه حسين ليلتقي لأول مرة بالفنان محمود المليجي، الذي تولى شخصية «محمد علوي باشا» أحد مؤسسي جامعة فؤاد «جامعة القاهرة»، والذي ساعد طه في السفر إلى فرنسا، والتحاقه بجامعة السوربون، ونيل دكتوراه عن «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري.

وفي العام ذاته، جمعهما المخرج يوسف شاهين في فيلم «اسكندريه ليه» وجسد أحمد زكي دور ثائر وطني في الأربعينيات، يتعرض للسجن، ويدافع عنه المحامي شكري مراد (محمود المليجي)، ويحكم عليه بالسجن 15 عاماً، ويردد المليجي جملته الشهيرة «وعايزني أكسبها». ويعد هذا العمل آخر لقاء بين النجم الأسمر وبين عملاق التمثيل على شاشة السينما.

الطريف أن النجم أحمد زكي ظلّ يقلد المليجي في المناسبات الفنية، ويظهر موهبته في تقليد نجوم آخرين مثل عمر الشريف، وتوفيق الدقن، وإسماعيل ياسين. ولعل المليجي صاحب أول فضل في ترسيخ هذه الموهبة لدى زكي، وبلغ الأخير بها ذروة التألق في تقمص شخصية الرئيس جمال عبدالناصر في فيلم «ناصر 56» عام 1996، للكاتب محفوظ عبدالرحمن والمخرج محمد فاضل، ودور الرئيس أنور السادات في «أيام السادات» 2001، سيناريو أحمد بهجت وإخراج محمد خان.

«جان دارك» تبيع مصوغاتها من أجل زميلها في المسرح

المليجي رفض بطولة فيلم «العزيمة» ليتزوج من علوية جميل

«المرأة الحديد» تجهض زواجه السري مرتين وتفشل في الثالثة