صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4297

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

صالح الحريبي صوت جميل أجاد الصعود والنزول على السلّم الموسيقي (1 - 2)

سجّل أول أغنية له خلال عام 1963 باستديو الموسيقى في الإذاعة

امتلك المطرب صالح الحريبي صوتاً مميزاً ساعده على أداء أصعب الأغنيات العربية، لذلك لم يسجن صوته في قالب غنائي معيّن أو نمط موسيقي وحيد، أو لهجة بحد ذاتها، فشدا الحريبي بأغنيات كويتية تراثية وأخرى معاصرة، كما غنى بمعظم اللهجات العربية، ومنها المصرية واللبنانية والعراقية وألوان غنائية متباينة. الحريبي يملك رصيداً كبيراً في ذاكرة الجمهور، فالأغاني التي أداها على مدى 50 عاماً ضمنت له مكانة مرموقة لدى العشاق والمحبين، كما أنه يصنف ضمن قائمة «المجددين والمطورين» في مجال الأغنية العاطفية، فقد ساهم في تطوير هذا اللون الغنائي مع مجموعة من زملائه. وتميّز الحريبي بإمكانات كبيرة في أداء الغناء الشرقي الأصيل، وحصل على تذكرة المرور إلى عالم الغناء من بوابة أغنيات الفنان محمد عبدالوهاب «يا وابور قول لي رايح على فين»، ثم «عندما يأتي المساء»، وبعد ذلك وافقت اللجنة المكلفة بانتقاء الأصوات على دخوله إلى التلفزيون.

يعد الحريبي من أشهر الأصوات الغنائية وأعذبها في فترة الستينيات، واستمر عطاؤه أكثر من 50 عاما، إلى أن اقتصرت مشاركاته خلال المرحلة الأخيرة من حياته على الأمسيات التي ينظمها المجلس الوطني أو السهرات التلفزيونية.

لم يتورع عن أداء أصعب الألحان لأنه كان واثقاً من إمكاناته الصوتية فهو من الذين يجيدون الصعود والنزول على السلم الموسيقي.

ولد الحريبي في عام 1945، برزت موهبته الغنائية منذ أن كان طالبا في مدرسة الخليل بن أحمد الابتدائية في منطقة كيفان 1962، حيث كان عضوا فاعلا في النشاط الموسيقي الذي تقيمه المدرسة.

وكان الراحل يقول عن هذه الفترة: «جئت من الزبير وعمري 11 عاماً، ووضعوني في الصف الرابع المتوسط بمدرسة الخليل بن أحمد في كيفان، وهناك التقيت أستاذي الكبير عبدالرؤوف إسماعيل، وفي حفل نهاية العام الدراسي غنيت «بلدي وخفة» و«هولو» للمطرب شادي الخليج، وكان الحفل منقولاً عبر شاشة التلفزيون.

لكن أذكر في تلك الفترة، أن المخرج محمد السنعوسي لم يتقبلني، متحججاً بأنني لم ألبس العقال، فأعارني مدير التلفزيون آنذاك خالد المسعود عقاله، ثم تحجج بأنني لا أمتلك صوتاً جميلاً قبل أن أغني، فأدار ظهره لي ليسمعني، فغنيت «عمّال تجري قبلي وبحري تنزل وادي تطلع كوبري»، فانبهر بغنائي، وبدأت المشوار.

«ليش بس يعني»

سجل عام 1963 أول أغنية له في استديو الموسيقى بالإذاعة الكويتية مع الفرقة الموسيقية، بعنوان «ليش بس يعني»، من ألحان الفنان يوسف المهنا. وتقول كلمات الأغنية:

ليش بس يعني

أنا أشتريك وانت تبيعني

كنت في الأول حبيبي

من غيرّك يا ترى؟

وأنت من الدنيا نصيبي

أحلفك شنو جرى؟

قولي السبب

أمرك عجب وشغلني

وكان لتسجيل هذه الأغنية ظروف معينة حدثت قبل التسجيل كان يرويها الراحل، حيث زار الملحن يوسف المهنا بمنزله في منطقة حولي، بالتزامن مع نشر خبر في إحدى الصحف المحلية عن الحريبي مفاده: ظهور صوت جديد يغني للمرة الأولى في مدرسته بمنطقة كيفان، ولأن الحريبي يعرف أن المهنا يعزف على العود، فقد طلب منه أن يعزف له، فأسمعه لحناً جميلاً حديثاً وكلمات جديدة أعجب بها، فسأله: هل هذا لحنك؟ فرد عليه المهنا: إنه لحني وكلماتي، فقال الحريبي له إنه يريد هذه الأغنية، وحفظها، وأخبر المهنا بأنه سيسجلها في الإذاعة.

وكانت تلك اللحظات بالنسبة ليوسف المهنا بمنزلة حلم، وفي اليوم التالي اصطحبه الحريبي إلى الإذاعة، وحولهما المسؤول عن قسم الموسيقى في الإذاعة الكويتية القديمة آنذاك، إلى الفنان نجيب رزق الله، الذي طلب الاستماع إلى اللحن، فأعجب به، ووافق على تسجيل الأغنية في استديو الموسيقى بالإذاعة الكويتية، وصاحبتهما أثناء التسجيل الفرقة الموسيقية، ومثلما كانت الأغنية فاتحة خير على الحريبي الذي انطلق بعدها إلى آفاق أرحب، لكنها امتدت إلى كل ربوع الوطن العربي، كانت بوابة دخول المهنا رحلة الإبداع.

«أعز كتاب وصلني»

بعد ذلك استمر في المجال، ومن الأغنيات التي شدا بها الحريبي في بداياته أغنية بعنوان «أعز كتاب وصلني»، من كلمات سلطان عبدالله السلطان، وألحان يوسف المهنا. من أكثر أغنيات الحريبي التي نالت شهرة كبيرة عند الجمهور، «برق تلالا»، من كلمات عبدالمحسن الهزاني وألحان المهنا، و«يا صاحبي»، من كلمات الشاعر صقر النصافي واللحن تراثي، و«هب الهوى وناداني»، من ألحان عبدالرحمن البعيجان وكلمات الشاعر منصور الخرقاوي.

ومن كلمات أغنية «برق تلالا»:

برقٍ تــلالا قـلـت عـــز الجــلالا

واثـره جبيـن صويحبـي واحسبـه بـرق

قـالـوا كـذا مـبـسـم هـيـا قـلـت لالا

بيـن البـروق وبيـن مبـسـم هـيـا فــرق

تطوير الأغنية

جنح الحريبي إلى الأغنية العاطفية منذ بداياته الغنائية، كانت بدايته متزامنة مع بداية تطوير الأغنية الكويتية، مع مجموعة من المطربين منهم شادي الخليج، عوض دوخي وغريد الشاطئ.

من الأغنيات العاطفية التي شدا فيها في بداياته: «هب الهوى وناداني» و«اسمك حبيبي» و«تحريتك» التي كتبها يوسف المهنا ولحنها، من كلماتها:

تحريتك سنين طويلة

وأنا خايف قلبك نساني

على شوفتك كل يوم وليله

أعد الدقايق والثواني

عيون الملا ليلها نياما

وأنا عيني تجزي ما تناما

عسى الله يردك بالسلامة

وتسلملي يا حلو المعاني

لا وا حسرتي وش عاد أسوي

في وسط الحشا نار تشوي

حبيبي متى نورك يضوي

ظلامٍ من الفرقا غشاني

أرض الكنانة

استثمر الحريبي وجوده في القاهرة لقضاء إجازته السنوية، فسجل أغنية «أيامي راحت»، من كلمات عبدالوهاب محمد وألحان الموسيقار محمد الموجي. في الفترة نفسها سجل أغنية من كلمات الشاعر علي الربعي.

«بلد المحبوب»

حقق ظهور الفنان الراحل صالح الحريبي في مسلسل «درب الزلق» الكثير من المكاسب، ولاسيما أن هذه المشاركة الأهم، لأن المسلسل يعد الأشهر خليجيا والأكثر مشاهدة إلى الآن، بالرغم من إنتاجه في منتصف السبعينيات، إذ غنى الحريبي أغنية «على بلد المحبوب وديني» ضمن مشهد العرس الذي أقامه قحطة على نبوية شبشب في مصر.

ومن أجواء الأغنية:

على بلد المحبوب وديني

زاد وجدي والبعد كاويني

يا حبيبى ده أنا قلبى معاك

طول ليلي سهران وياك

تتمنى عيني رؤياك

أشــكي لك وأنت تواسيني

يا هنايا لما افرح بيك

واتــهني بقربك وأناجيك

وعيني تبقى في عينيك

احكي لك وانت تراعيني

يا مسافر على بحر النيل

أنا ليّ في مصر خليل

من حبه ما بنام الليل...

على بــلد المحبوب وديني

اللهجة المصرية

وهذا الظهور تكفل بمضاعفة شهرة الحريبي، ولاسيما أنه يؤدي أغنية مصرية، وكان أن بهر المشاهدين بقدرته على أداء اللهجة المصرية بإتقان.

ويكفي الحريبي هذا الحضور الدرامي الغنائي من خلال المسلسل، إذ لم يكن محتاجا إلى خوض تجربة درامية جديدة تمنحه المزيد من الشهرة والانتشار.

من أقواله

اتسم حديث الراحل بالصراحة والشفافية، فلم يسلك طريق المجاملة، لأنه على يقين بأن الفن والمجاملة لا يستقيمان، ومن أبرز ما قاله نستعرض هذه الأقوال:

• أغنياتي قدمتها عن اقتناع تام، لذا لا أجد هناك مفاضلة بينها.

• أحسست بعطش الناس إلى التراث والماضي. وجدت لديهم قبولا لتراثنا العريق حينما أقدمه بشكل محبب جميل.

• كانت الأغنية الكويتية قديما تقدم كلمات وألحانا ذات قيمة فنية عالية وتستند إلى إرث مدروس.

• ثمة أصوات ممتازة، قد لا تنجح جماهيريا، لكنها أصوات مميزة قوية، فلابد أن تتكفل بها وزارة الإعلام.

• الفن ليس له وطن، ولا يوجد له تصنيف في بلدان العالم كله، أحب الفن للفن من دون النظر إلى المردود المادي.

• الفولكلور هو المرآة الصادقة لكل وطن عربي، وهو الهوية التي تحدد ملامح هذا البلد، ثقافته وحضارته، ولابد لكل مطرب أن يتأثر به كي يكون مختلفا ومتميزا عن زملائه في أرجاء الوطن العربي.

• السبب في تدهور الأغنية الكويتية غياب لجان سماع الصوت واللحن، وإجازة النصوص التي كانت موجودة سابقا، ومن يتحكم الآن هو شركات الإنتاج.

• نحن من بدأنا المهرجانات، أقمنا مهرجان التلفزيون عام 1982.

قدرة على التلوين وسهولة الانتقال بين القرار والجواب

يقول الكاتب عبدالله مدني عن الراحل صالح الحريبي، إنه صاحب حنجرة ذهبية لطالما أسعدتنا بألوان من الغناء الراقي، فكان صداحا بالصوت الخليجي، والأغنية الشعبية والتراثية والفصحى والمقامات الشرقية، ومعها أيضا نماذج منتقاة بعناية من المخزون الطربي المصري والعراقي واللبناني الأصيل.

ويضيف : «وإذا كان زميله الفنان عوض الدوخي قد تميّز بصوته الرومانسي الهادئ الرخيم، فإن صالح الحريبي، تميز بخامة صوتية قوية جميلة وقدرة فذة على التلوين وسهولة الانتقال بين القرار والجواب، مصحوبة بحسّ شجن وأداء تعبيري رفيع. يعتبر الحريبي، الذي بدأ مسيرته الغنائية في سن السابعة عشرة وصعد سلّم النجاح والتألق خطوة خطوة، قبل أن يحقق الشهرة والبروز على الساحة الفنية خلال ستينيات القرن العشرين، حجر الأساس في تاريخ الفن الطربي الكويتي، وأحد أعمدة الحركة الغنائية في الكويت ومنطقة الخليج العربي عموما.

وكيف لا، وهو الذي كان حارسا للتراث الغنائي الكويتي منذ تقديمه لأغنية «برق تلألأ» التي شكلت انعطافا في مسيرته الفنية؟، وهو الذي قام بتطوير وتجديد الأغنية العاطفية الكويتية على قدم المساواة مع فنانين من أمثال شادي الخليج وغريد الشاطئ وعوض الدوخي؟، وهو الذي تمكّن من الجمع بين فنون الحضر كالصوت اللعبوني وفنون الساحل كالفجري والخماري وفنون القرى كالسامري وفنون البدو كجرة الربابة والعرضة.

وعن موهبته في الغناء، يذكر مدني: «برزت موهبة الحريبي الغنائية منذ أن كان طالبا في مدرسة الخليل بن أحمد الابتدائية في منطقة كيفان سنة 1962، حيث كان عضوا فاعلا في النشاط الموسيقي الذي دأبت المدرسة على تقديمه آنذاك. وكان يعشق الغناء ويقلد كبار المطربين آنذاك، مثل عبدالحليم حافظ ومحمد عبدالوهاب وغيرهما.

كان يدندن بأغنية للفنان عبدالحليم حافظ عندما لمحه عبدالرؤوف إسماعيل أحد أهم الموسيقيين العرب الذين أسهموا في التلحين للأغنية الكويتية، وكان وراء اكتشاف أسماء غنائية مهمة، فمنحه فرصة بتقديم الأغنية في الحفل الختامي للمدرسة، وغنى صالح «في يوم، في شهر، في سنة» أمام كبار المسؤولين وبعض الفنانين، فأجاد وأبدع.

الحريبي ولد عام 1945 وبرزت موهبته الغنائية منذ أن كان طالباً بمدرسة الخليل بن أحمد

سجل أغنية «أيامي راحت» من كلمات عبدالوهاب محمد وألحان الموسيقار محمد الموجي في القاهرة

حقق ظهوره في مسلسل «درب الزلق» الكثير من المكاسب

جنح الحريبي إلى الأغنية العاطفية منذ بداياته

ساهم في تطوير الأغنية الكويتية مع مجموعة من المطربين الشبان