صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4222

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

مؤثِّرون زائفون

  • 17-05-2019

نحن مهووسون بمتابعة مشاهير الـ«سوشيال ميديا»، والكثير منا أدمن متابعا أدق تفاصيل حياتهم– التي يعرضونها دون تردد- على الرغم من إدراكنا مدى تفاهة هؤلاء. فما السبب؟

هنالك العديد من الأسباب الدفينة في عقلنا الباطن والمتعلقة بطبيعتنا البشرية تجعلنا غير قادرين على التوقف، ففكرة الحصول على الشهرة والثروة ومحبة الناس دون أي موهبة أو مجهود يذكر فكرة قد تروق للعديد منا، وللأسف، ففي المجتمعات الرأسمالية والاستهلاكية أصبحت الثروة مقياساً لنجاح الفرد، كذلك فإن قيام هؤلاء المشاهير بالكثير من «التابوهات- Taboos» أي المحظورات الاجتماعية يجعلهم يحصلون على الكثير من المشاهدات عن طريق اتباع أسلوب الصدمة «shock value»، وهي الطريقة الأسهل– والأكثر ابتذالاً- للحصول على الانتباه.

بالإضافة إلى ذلك، فإن هؤلاء «المشاهير» يعرضون صورة لحياة مثالية زائفة قد تجعل الكثير يضع نفسه في إطار المقارنة مع ما يشاهده من محتوى، فتغدو حياته غير كافية في نظره على الرغم من توافر جميع أساسيات الحياة الكريمة– وصولاً إلى الرفاهية- لديه، حتى مع إدراك العقل الواعي أن ما يراه قد يكون وهماً، إلا أن العقل الباطن لا يميز ذلك، فكل ما يراه يُحفظ دون مساءلة، وهنا تكمن الخطورة في ما نُعرّض حواسنا له كل يوم من صور ومقاطع فيديو.

يتابع البعض هؤلاء المشاهير بنهمْ والعيش من خلالهم «vicariously» تلك الحياة المثالية خصوصاً في حال عدم رضا المتابع عن حياته الحالية ووجود الكثير من العوائق المادية والاجتماعية التي تحول دون تلك الحياة غير الواقعية بطبيعة الحال، وتقع في هذا الفخ خصوصاً النساء في البيئات الأكثر تحفظاً، حيث تكون خياراتها الحياتية محدودة جدا، كأين تذهب وماذا ترتدي وكيف تعبر عن ذاتها، فتصبح متابعة «الفاشنستات» تنفيساً وهروباً من قيود الواقع.

في السابق كانت الشهرة مستحقة، فكان يجب على المرء أن يمتلك موهبة حقيقية أو يقوم بإنجاز ما كي يحصل على التميز والتقدير، وكان دور الإعلام أكثر فعالية في انتقاء المحتوى وذلك قبل وسائل التواصل الاجتماعي، والتي على الرغم من فائدتها فإنها أصبحت منصة للحمقى والمرضى النفسيين!

وألحق هؤلاء «المؤثرون» الضرر الكبير بمعايير الخير والشر في المجتمع، لاسيما لدى الأجيال الجديدة، فهم أبناء الثقافة الاستهلاكية دون منازع، ففي حين كان يحلم الأطفال بأن يكونوا أطباء وعلماء وفنانين، أصبح جل طموحهم أن يكونوا «فاشنستات» أو مهرجي «إنستغرام»! وهو الأمر غير المستغرب، حيث أصبح الكبار أنفسهم يلهثون وراء الشهرة والأموال السريعة.

وعلى الرغم من أن الحرية حق أصيل لكل فرد، فإن تعمد أسلوب الصدمة بشكل متكرر يزيد من مناعة المتلقي، فيصبح المبتذل مقبولاً ويهبط الذوق العام. لهم الحق في أن يستمروا، ولنا الحق في إلغاء المتابعة، وهنا تقع المسؤولية على عاتقنا، فلابد من التحكم باندفاعاتنا ومتابعة ما هو مفيد وممتع وتقليل الوقت الذي نقضيه أمام الشاشات.

يجني هؤلاء الأموال الطائلة من متابعتنا، لذا يجب أن نقاوم تلك الدوافع كي لا نعطي السخفاء أكبر مما يستحقون وحرصاً على سلامتنا الذهنية!

أتوقع ندم هؤلاء المشاهير بعد مرور بضع سنوات، فالكثير منهم في مقتبل العمر وقد يندمون على الكثير مما قالوه أو فعلوه على الملأ فيما بعد. الكثير منهم لم يدركوا هشاشة وضعهم بعد، وأن الخصوصية شيء ثمين لا يمكن استرجاعه أو مقايضته بالمال.

«لاتجعلوا من الحمقى مشاهير!» (مجهول)