صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4199

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

طلال مداح يعانق النجاح بأغنيات خالدة تطرب لها الأسماع (7 - 10)

شدا بـ «مقادير» و«زمان الصمت» و«أغراب» و«قصّت ضفايرها» على مراحل مختلفة

استمر الفنان طلال مداح في البحث عن الجديد والمميز في مشواره رافضاً الاكتفاء بما حققه من إنجازات، فمرة يشّد الرحال إلى بيروت متأبطاً فكرة جديدة يود تقديمها، وتارة يزور القاهرة للتفاوض مع الموسيقيين هناك باحثاً عن المختلف والمبتكر، لأنه لا يريد أن يكرر نفسه أو يستمر في الدوران ضمن الفلك ذاته.

وفي الحلقة السابقة، رصدنا أجواء المنافسة بين قطبي الأغنية السعودية، فقد كان طلال في البداية متربعاً على الساحة الفنية، لكن عقب أعوام بدأ يعيش أجواء المنافسة مع الفنان محمد عبده، التي تبدو للجمهور أنها أجواء محتدمة مشحونة، مع أنها في حقيقة الأمر لم تكن كذلك، فواقع تصريحات الفنانين طلال مداح ومحمد عبده تسير في اتجاه الندية والوئام، لا عدم التجانس والصدام، وكان مداح يرى أن وجود عبده دافع له لتقديم الأفضل، وأن علاقتهما يسودها الاحترام والود، والأمر نفسه يؤكده عبده في تصريحاته في بداية مشوارهما، لكن ثمة أمورا أخرى تطفو على الساحة الفنية من خلال بعض التقارير الإعلامية التي كانت تشير إلى خلافات وتنافس محتدم بين الطرفين، وجولات ملتهبة بينهما.

وصرح مداح ذات مرة بأن وجود عبده ضروري بالنسبة له، فهو الذي يدفعه إلى الغناء والتميز، وغيابه لا يعطي للمنافسة طعما، وبذلك سيكون لغيابه أثر سلبي على الأغنية السعودية، كما ذكر طلال أنه يحب سماع صوت عبده، فله طريقة جميلة في الأداء،

وضمن هذا الإطار، قال طلال: "إن الصراع مع عبده لا وجود له في الواقع، والصراع المزعوم هو صراع أقلام، فأنا تجمعني بمحمد عبده مودة ومحبة، وكل منا يسأل عن الآخر ويحرص على مصلحته، في الحلقة السابعة نرصد تفاصيل جديدة من مشوار الراحل طلال مداح:

استطاع الفنان طلال مداح تعزيز مكانته في الساحة الغنائية بالسعودية من خلال تقديم مجموعة أغنيات ناجحة بالتوالي على مدى بضة أعوام، فكانت هذه المجموعة الذهبية ومنها "مقادير" و"زمان الصمت" و"أغراب" و"صعب السؤال" و"قصت ضفايرها" وغيرها.

وتعتبر أغنية "مقادير" علامة فارقة في مشوار الفنان الراحل، لاسيما أنها ساهمت في مضاعفة شهرته عربياً، وكثير من المطربين العرب شدوا بها وغنتها الفنانة وردة الجزائرية، وصورتها في أحد البرامج التلفزيونية، و"مقادير" من ألحان سراج عمر وكلمات محمد العبدالله الفيصل.

من أبرز الألحان التي غناها طلال مداح للملحن سراج عمر: "مقادير"، و"ما تقول لنا صاحب"، و"كلمني عن الهوى"، و"أغراب"، و"العشق"، و"وعدتيني"، و"ما أطولك ليل"، و"الموعد الثاني" وغيرها.

وعن ذكريات الموسيقار سراج عمر عن هذه الأغنية التي لحنها في ظروف قاسية، وانعكس ذلك على أجواء اللحن، كان يقول: "لحنتها في الرياض في أسوأ الظروف، وقد كنت أسكن في فندق أحب دائماً أن أسكن فيه اسمه "البطحاء"، وفي الواقع ولسوء الحظ لحّنت الجزء الأول في الفندق، وواكب ذلك معاناة رهيبة جداً، ثم أكملت بقية اللحن في منطقة أخرى تسمى "خريص"، والذي تقول كلماته: يا أهل الهوى كيف المحبة تهون؟ كيف النوى يقدر ينسى العيون؟ نظرة حنين وأحلى سنين، عشناها يا قلبي الحزين، وهي كانت معاناة حقيقية، والعنا هنا أخذ دوراً مهماً جداً، والحمد لله أنني استطعت أن أبرز الأغنية هذه بشكل جيد، وكما رسمه الأمير الشاعر محمد العبدالله الفيصل، واستطعت أن أصل إلى إحساسه كشاعر".

وفيما يتعلق بالأقاويل التي تنسب هذا اللحن إلى آخرين، وقال: "العمل الناجح لابد أن يظهر البعض من الذين يحاولون أن يشوهوا صورته الجميلة، وأنا حريص جداً على ألا أصطدم بهؤلاء، وإذا كان النقد في صحافتنا المحلية فهذا أمر عادي، ولكن عندما أنتقد في أي صفحة عربية أرد على ذلك الناقد مهما كان".

كما دافع عن اتهامه باقتباس اللحن من بعض الأغاني القديمة، وقال: "أنا مستعد للمساءلة القانونية وعلى مستوى العالم كله، لأن أعمالنا مرصودة في جمعية المؤلفين والملحنين في باريس، وهذه جمعية قانونية، ومن لديه الاستعداد للمناقشة في أي لحن من ألحان سراج عمر فأنا تحت أمره".

أغنية سعودية

وعن غناء الفنانة وردة الجزائرية لـ "مقادير"، قال: "وردة غنتها في برنامج فقط كان من إنتاج الفنان طلال مداح، وقد تم في ذلك البرنامج استضافة الشاعر إبراهيم خفاجي والفنانة وردة والفنانة صباح وأنا، وكانت الحلقة من إخراج المخرج التلفزيوني بشير مارديني، وكان من المفترض أن تغني إحدى المطربات أغنية سعودية، وقد وقع الاختيار بين "أغراب" و"مقادير"، وقد غنت وردة "مقادير" وقالت لي: لولا حبي لهذه الأغنية لما غنيتها، ولكن أتمنى أيضاً أن تلحّن لي شخصياً". وأوضح أن وردة أجادت بشكل كبير في أداء "مقادير"، وكانت في قمة توهجها حتى أنها ساهمت في نشر الأغنية على مستوى العالم العربي.

وتقول كلمات أغنية "مقادير"

مقادير يا قلب العنا

مقادير ويش ذنبي أنا

مقادير وتمضي حياتي

مشاوير واتمنى الهنا

على ميعاد حنا والفرح كنا

وكنا بعاد وعشنا على الأمل حنا

وكان الفرح غايب

وأثر الأمل كاذب

ألا يا أهل الهوى....

كيف المحبة تهون؟

كيف النوى يقدر

ينسي العيون؟

نظرة حنين.....

وأحلى سنين

عشناها... يا قلبي الحزين

مقادير... مقادير

وضمن هذا السياق، يستذكر الكاتب ضياء خوجة بعض المواقف التي يعرفها عن الفنان الراحل طلال مداح، قائلا: "جمعني كثير من المناسبات والمواقف مع الفنان الراحل طلال مداح والفنان محمد عبده، ومنها أذكر أن مداح قال لي إنه رغم الصداقة والأخوة التي تجمع بينه وبين الفنان محمد عبده، فإن التنافس بينهما يشوبه في بعض الأحيان بعض الدهاء والمقالب، لكنني أرى أن هذا التنافس هو تنافس "القمة"، ففي أحد مقالاتي ذكرت أنه إن لم يكن طلال مدّاح فلن يكون محمد عبده، وان لم يكن محمد عبده فلن يكون طلال مداح. ذلك لأن التنافس بينهما أوصلهما إلى خارج حدود السعودية.

فعندما كان يرتبط عبده كنا بحفل في بلد عربي نجد أن الراحل مداح يذهب إلى البلد نفسه لإحياء حفلة له أيضاً.

ويسترجع خوجة تفاصيل موقف حدث قبل وفاة طلال: "وأكاد أجزم بأن محمد عبده لا يعرف عن هذا الموقف، فقد ذكر لي الفنان الراحل أثناء تسجيل أوبريت مشترك وطني أنه عندما دخل الاستديو لتسجيل صوته استمع إلى مقاطع غناء الفنان محمد عبده وأمامه نص الأوبريت، وكان قد سبقه محمد عبده في تركيب صوته، فسمعه الراحل طلال مداح، ورفع السمّاعتين عن أذنيه، وأشار إلى مهندس الصوت بأنه يريد أن يستمع ويستمتع بسماع المقاطع الخاصة بالفنان محمد عبده في غرفة الكنترول لا الاستديو. وقد أخبرني قائلا: محمد عبده ما شاء الله عليه، كل ما بيكبر صوته يحلوّ أكثر. ولعل أيضاً ما لا يُعرفونه عن شخصية الفنان الراحل طلال مداح أنه إنسان معطاء وكريم جداً، رحمه الله، ولعل هذا الأمر إجابة واضحة لكل من يسأل عن إرث مداح لأخبره بأنه لم يترك وراءه سوى منزله. وكنت قد سمعت قصة حدثت مع الراحل رواها الأمير بدر بن عبدالمحسن. حكى أنه في يوم من الأيام جاء شخص معسر يحمل مجوهرات إلى الأمير ليرهن هذه المجوهرات ويقترض منه.

فسأله الأمير لمن هذه المجوهرات؟ فأخبره بأنها مجوهرات تخص زوجة الفنان الراحل طلال مدّاح. فعاود سؤاله مرة أخرى: هل تعرف الفنان طلال مداح، وهل هو صديق لك؟ فأجابه بأنه ليس صديقاً وأنه لجأ إليه يشكو حاجته، إلا أن مداح أخبره بأنه لا يملك نقوداً في الوقت الحالي، وطلب منه الانتظار عند الباب ليعود إليه حاملاً هذه المجوهرات، وطلب منه رهنها عند أي شخص، والحصول على المال لفك أزمته وأن يعيدها إليه عند تحسّن ظروفه. واعتقد بعد ذلك أن الأمير قد ساعد ذلك الشخص، وأعاد المجوهرات إلى مداح.

ومن أبرز الأعمال التي حققت شهرة كبيرة لمداح كانت أغنية "زمان الصمت"، وهي من كلمات الشاعر بدر بن عبدالمحسن وألحان مداح، وتقول كلماتها:

وترحل.. صرختي.. وتذبل

في وادي لا صدى يوصل.. ولا باقي أنين

زمان الصمت يا عمر الحزن والشكوى

يا خطوة ماغدت تقوى.. على الخطوة

على هم السنين.. وترحل صرختي وتذبل

حبيبي يا حبيبي..

كتبت اسمك على صوتي..

كتبته في جدار الوقت

على لون السما الهادي.. على الوادي

على موتي وميلادي..

حبيبي لو أيادي الصمت.. خذتني لو ملتني ليل

حبيبي يا حبيبي

أنا عمري انتظاري لك

لا تحرمني حياتي لك..

وترحل.. صرختي.. وتذبل

الأغنية الكويتية

كان الراحل طلال مداح معجباً بالأغنية الكويتية، ويصفها في حواراته الصحافية ومقابلاته التلفزيونية بأنها أغنية أصيلة وقديمة، ولها طابعها المميز، وأنا أحد أشدّ المعجبين بها.

أما عن المطربين الكويتيين فكان يقول: «مطربو الكويت يكفي أنهم واضحون كل الوضوح على الساحة وجادون في أعمالهم، وأعمالهم لائقة جداً ولائقة بتاريخ الأغنية الكويتية. ونحن من جمهور الأغاني الكويتية، ويكفي أن بعضها نتعلّم منه ما كان يُخفى علينا في زوايا الفن... ولا ننسى أنهم كانوا واضحين في مجال الفن قبل الفن السعودي».

الثنائية الناجحة بين طلال وسراج عمر أثمرت أغنيات منقطعة النظير

يرى الكاتب أحمد الواصل أن الثنائية بين طلال مداح وسراج عمر أثمرت أغنيات خالدة يصعب تكرارها، ويقول ضمن هذا السياق: «ارتبط سراج عمر بوصفه ملحناً مكرساً عندما قادته الظروف لوضع ألحان تعد المسيرة الخصبة لتطور الأغنية السعودية بصوت طلال مداح، منذ عام 1970، التي توازي الأغنية الشاعرية المكرسة بصوت كل من عبدالكريم عبدالقادر بألحان عبدالرب إدريس، وعبدالحليم حافظ بألحان محمد الموجي، وألحان بليغ حمدي مع وردة، وألحان محمد سلطان مع فايزة أحمد، وألحان الأخوين رحباني مع فيروز. شهد عقد السبعينيات من القرن العشرين فترة من أخصب فترات الإنتاج الثقافي في حقل الأدب والفن، وشمل معظم العواصم العربية كالكويت وبيروت والقاهرة والرياض. فقد تقدّم عمر إلى مداح بأغنية «ما تقول لنا صاحب» (1970) من كلمات علي هباشي في لقاء قادته الظروف في مدينة الرياض حين عرض عليه اللحن، فأداه مداح ثم كرّت السلسلة الجميلة لأغنيات كتبها كل من بدر بن عبدالمحسن مثل: «عز الكلام، وغربة وليل، ومري علي قبل الرحيل، ويا ويلاه، والموعد الثاني، والله يعلم، والعشق، ويا كريم، وشعاع»، ومحمد العبدالله الفيصل مثل: «مقادير، وأغراب، ولا تقول لا تقول، وأنادي، ولا وعد».

ويتابع:» إذ شكلت التجربة اللحنية العمرية من مسيرة صوت مداح ما بين 1970 و1999 أكثر من ثلثيها، فقد طبع مداح بطابعه اللحني، كما أنه استلهم خصائص ومزاج صوت وذوق مداح نفسه لدرجة نزعت الفروق ما بين ألحانهما، كما أنه تقبل المزاج العربي لتلك الأغنيات في توظيف الإيقاعات العربية المختلفة «الملفوف والبوسا نوفا والصوت والقادري والسامري وصياغة الألحان المبتكرة عليها، مما جعل طرائق عمر التلحينية تنتقل وتنعكس على أعمال بليغ حمدي وكمال الطويل وحلمي بكر.

وفي العام الموالي، وضع البدر نص أغنية «الله يرد خطاك» (1971) وكان ضمن الأعمال التي تحاكي اللهجة الحجازية مثلما حقق مثيلها كل من الشاعرين المنتظر ومحمد الفهد العيسى، غير أن البدر مع سراج عمر خاضا تحدياً عندما وضعا معاً مجموعة من الأغنيات لمسلسل الأصيل (1973) الذي شارك في تلحين أغنياته كل من طارق عبدالحكيم ومداح نفسه وسامي إحسان، ومن المغرب عبدالغني آمنا، غير أن التي وضع عمر ألحانها تشكل إحدى ركائز الأغنية الطلالية لاحقاً، وهي «أنا بودي، ويا ويلاه، ومري علي قبل الرحيل، وعز الكلام، ووادعيني، وغربة وليل».

وفي مرحلة لاحقة، وفي الرياض أيضاً، وضع عمر لحناً، تمخض عن رحلة طيران كادت تودي بركابها، لنص محمد العبدالله الفيصل «مقادير» (1976)، حيث أداها مداح في حفلة توهجت بعدها مع أعمال أخرى، سواء وضع لحنها من قبل وأعاد غناءها مثل «عطني المحبة»، أو رائعته «زمان الصمت»، ليتقدم عمر بمجموعة ألحان رائعة أعقبتها «خذاك الموعد، ولا وعد، ولا تقول لا تقول، وهلي الجدايل».

وفي مرحلة لاحقة أنجز عمر ألحاناً لأصوات أخرى لا تضاهي جمال صوت مداح، غير أنه يعود إليه بمجموعة من الأغنيات «يا كريم» (1988) التي احتوت على واحدة من تحديات تلحين الأغنية السعودية، وهي «ليلكم شمس» إضافة إلى اللحن الرائع «يا كريم» – الاثنتان من شعر البدر - ثم ختم مسيرته التلحينية بمجموعة حملت عنوان «العطر» (1999) برزت من بينها أغنية وصفية – وضعها البدر بالطبع - بعنوان «شعاع».

«مقادير» تعتبر علامة فارقة في مشواره لاسيما أنها ساهمت في مضاعفة شهرته عربياً

سراج عمر لحن «مقادير» في ظروف قاسية وانعكس ذلك على أجواء اللحن

وردة الجزائرية أُعجبت بالأغنية فأدتها وصورتها في الأردن

ضياء خوجة يرى أن التنافس بين مداح وعبده أوصلهما إلى خارج حدود السعودية