صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4388

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

موسكو تنادي بخطر نشوب مواجهة مباشرة بين الشرق والغرب

  • 28-04-2019

لا تشكل دولة روسية تكتسب طابعاً ستالينياً متزايداً خصماً وفق مصطلحات الواقعية السياسية فحسب، بل يبدو أن أوجه الاختلاف بينها وبين الغرب تتخذ منحى وجودياً وعقائدياً متنامياً، وبغية تفادي حرب أوروبية مفتوحة، ينبغي على القادة الغربيين أن ينجحوا في التحاور مع موسكو بميلها الستاليني الجديد.

اختبر مركز استطلاعات الرأي المستقل "ليفادا تسنتر" بانتظام مواقف الروس من الحاكم السوفياتي المستبد السابق جوزيف ستالين، ونشر هذا المركز أخيراً تقريراً يُظهر أن حب ستالين، والإعجاب به، واحترامه تبلغ راهناً أعلى مستوياتها منذ عام 2000، فينظر نحو 70% من الروس اليوم إلى ستالين نظرة إيجابية، معربين عن حبهم له وإعجابهم به، في حين أن 19% فقط يعبّرون عن مشاعر سلبية، وقبل نحو 20 عاماً كان الشعب الروسي منقسماً بالتساوي تقريباً بين مَن يحبون ستالين ومَن يكرهونه.

بدأ هذا التبدل الجذري في الآراء يتجلى عقب ضم القرم في عام 2014 وتسارع المواجهة مع الغرب، ففي تلك المرحلة أخذ عدد المتقلبين ومَن يكرهون ستالين بالانخفاض بحدة، في حين ارتفع عدد محبي ستالين ضمن كل فئات الشعب الروسي، بما في ذلك الشبان الذين وُلدوا خلال حقبة انهيار الاتحاد السوفياتي وبعيده.

علاوة على ذلك يبدو الروس اليوم منقسمين إلى نصفين حيال عمليات القمع الجماعي الستالينية: يعتقد 45% أن قتل الملايين مريع، في حين يظن 46% أن عمليات القتل الجماعي ومعسكرات الاعتقال أو "الغولاغ" كانت ضرورية لتعزيز قوة روسيا.

عمل جهاز دعاية الدولة الروسية المعاصر طوال سنوات على الترويج لستالين بصفته المنظّم الرئيس للنصر على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، ورغم ذلك يبدّل بروز الستالينية الشعبية الرواية الرسمية، وفي خطاب أدلى به الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) ينس ستولتنبرغ في جلسة مشتركة في الكونغرس الأميركي، شدد على ضرورة تعزيز الإنفاق الدفاعي الغربي، وتحسين قدرات الردع التي يتمتع بها الناتو، والاستعداد للقتال في حال أخفق هذا الردع. وأضاف موضحاً: "ما كان بالإمكان وقف هتلر بالاحتجاج السلمي، وما كان باستطاعتنا ردع ستالين بالكلام، وما كان بمقدورنا إنزال الهزيمة بداعش بالحوار". لكن خطاب ستولتنبرغ جوبه بتنديد غاضب في موسكو من وزير الخارجية الروسي، الذي اعتبر أنه ينم عن رهاب روسيا. كذلك أشار نائب وزير الخارجية الروسي ألكسندر غروشكو إلى أن ستولتنبرغ "أهان" ستالين بمقارنته بهتلر وداعش. تابع غروشكو: "يشعر نرويجيون كثر اليوم بالخجل من ستولتنبرغ (رئيس وزراء النرويج السابق) لأن الجيش الأحمر حرر النرويج جزئياً من النازيين".

كان غروشكو ممثل روسيا الدائم في الناتو بين عامَي 2012 و2018، لكنه استُدعي إلى موسكو في شهر يناير عام 2018 ولم يُعيَّن أحد مكانه منذ ذلك الحين، وأكّد غروشكو في مقابلة أخيرة مع وكالة أنباء RIA Novosti، التي تديرها الدولة، أن كل خطوط التواصل بين موسكو والناتو، العسكرية منها والدبلوماسية، قُطعت بالكامل. صحيح أن مهمات الاتصال ما زالت قائمة رسمياً، إلا أنها متعطلة فعلياً، فتملك موسكو، وفق غروشكو، اتصالات دبلوماسية وعسكرية-عسكرية مع "بعض دول الناتو"، إلا أنه ما من اتصالات بينها وبين الحلف بحد ذاته. يحمّل غروشكو الناتو مسؤولية هذه القطيعة، مشدداً على أن السنوات التي أمضاها في بروكسل وهو يواجه جداراً دبلوماسياً صلباً ويسعى إلى تحصين نفسه أثارت غضب ممثلين دائمين سابقين واستياءهم، ويتابع هذا الدبلوماسي موضحاً أنه بعد خيبة أمل العمل المشترك مع الولايات المتحدة في أفغانستان، قرر مسؤولو الناتو و"أسيادهم الأميركيون" إعادة إنعاش خطر روسي لا وجود له بغية منح هذا الحلف عدواً مشتركاً يمكنه التوحد في مواجهته. كرر نائب وزير الخارجية هذا الشعار الستاليني القديم عن أن روسيا أمة محبة للسلام لا تهاجم أحداً، إنما عليها أن تدافع عن نفسها باستمرار في وجه الاعتداءات الخارجية، وكدليل على ذلك، أشار إلى نشر الناتو بدأب قوات على مقربة من الحدود الروسية في بحرَي البلطيق والأسود.

منذ غزو روسيا المسلّح لأوكرانيا، عززت دول الناتو ميزانياتها الدفاعية المشتركة بنحو مئة مليار دولار سنوياً، مما يفوق بالتأكيد ما تستطيع روسيا تأمينه، لكن غروشكو يدّعي أن أعضاء الناتو الأوروبيين يتعرضون للضغط من ترامب كي ينفقوا المزيد على الدفاع وشراء أسلحة أميركية الصنع، مهملين في الوقت عينه الإنفاق الاجتماعي. في المقابل ستستخدم روسيا مواردها المحدودة بحكمة، متفاديةً سباق تسلّح مكلفاً، حسبما شدد.

تحسّر أخيراً القائد الأعلى لقوات الناتو في أوروبا الجنرال كورتيس سكاباروتي على انقطاع التواصل مع نظرائه الروسيين، وأكّد أن فترة الحرب الباردة بحد ذاتها شهدت مقداراً أكبر من التفاهم والقدرة على توقع خطوات الطرف الآخر. أما غروشكو فشدد بدوره على أن المواجهة المباشرة بين الناتو وروسيا تشكّل "كارثة للبشرية جمعاء، ونأمل أن تدرك واشنطن وبروكسل هذا الواقع، لكن الحوادث غير المتوقعة، والتصعيد غير المتعمد، والنوايا التي تُفهم بشكل خاطئ تمثّل خطراً متفاقماً لا بد من معالجته".

لا تشكل دولة روسية تكتسب طابعاً ستالينياً متزايداً خصماً وفق مصطلحات الواقعية السياسية فحسب، بل يبدو أيضاً أن أوجه الاختلاف بينها وبين الغرب تتخذ منحى وجودياً وعقائدياً متنامياً، وبغية تفادي إمكان تفاقم التوتر القائم وتحوّله إلى "حوادث" مستقبلية محتملة أو حرب أوروبية مفتوحة، ينبغي على القادة الغربيين أن ينجحوا في التحاور مع موسكو بميلها الستاليني الجديد، ولكن خلال الحقبة الستالينية من الحرب الباردة، ما كان هذا الحوار يوماً متوقعاً أو فاعلاً.

* بافيل فيلجنهاور

*«مؤسسة جيمستاون»