صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4289

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

الأغنية الوطنية

  • 19-02-2019

كانت العرب تحرص على أن يكون شاعرها قديرا عبقريا يُحسن تقديم صورتها الشجاعة والفتاكة أمام بقية القبائل. وكان شعراء هذه القبائل يتبارزون فيما بينهم في حروب موازية، فيقدم كل شاعر قبيلته، وسطوتها ونفوذها، ويمتدح فرسانها، سواء كان ذلك مبالغا فيه أو حقيقة.

الشاعر هو لسان القبيلة وجهازها الإعلامي الذي تعتمد عليه لإظهار صورتها القتالية، وتبث من خلاله الرعب في صدور أعدائها. لم تكن حياة القبائل في تلك الفترة كما هي اليوم، ولم تكن الدولة مؤطرة بحدودها وعلاقاتها مع الدول المجاورة التي تكوَّنت بذات الظروف، وإن بأعمار مختلفة. وعلى هذه الدول أيضا أن ترسم بنفسها صورة توحي بهيبتها وقدرتها على الدفاع عن نفسها. وفي حالة الحرب، كما هو في حالة السلم، تبث وسائل إعلام هذه الدول الحماس في نفوس شبابها عبر أغانيها الوطنية التي تختارها بعناية فائقة.

الأغنية الوطنية، كأي أغنية، أساسها الكلمة، وعلى هذه الكلمة يتم بناء عناصرها الأخرى، كاللحن والصوت وبقية أدواتها. لا يمكن لأغنية، مهما أجدنا في عناصرها، أن تنجح طالما أهملنا كلماتها التي بنيت عليها.

في الأيام الأخيرة قدمت إحدى الشركات أغنية وطنية، أو هكذا توسّمتْ، لكنها أساءت حيث ظنت أنها أجادت. فلم يكن في الأغنية سوى رقصات لا تدل على إحساس بما هو وطني، ولا تثير حماسة وطنية قدر ما تثير سخرية غير مبررة. رغم تشجيعنا للمبدأ وحسن النية، ومطالبتنا للشركات الخاصة بأن تقوم بدورها في تقديم أغانٍ وطنية تليق بالوطن وأعياده، لكن ما يقدم يجب أن يكون على مستوى من القيمة يليق بمن نقدم له هذا العمل.

لا ينقص هذا الوطن شعراء، ولا ينقصه مطربون ولا فنانون يجيدون إنتاج أغانٍ وطنية نفتخر بها، لكن ما ينقص هذا الوطن هو حماسة المؤسسة الرسمية لإنتاج عمل جدير بالاحترام.

في عام التحرير قدم شاعر مهم، هو بدر بورسلي، أغنية بعنوان "وطن النهار" اجتمعت لها مكونات النجاح الذي نقصده. لقد كان صوت عبدالكريم عبدالقادر شجيا ومؤثرا، ولحن الأستاذ سليمان الملا شامخا، منح هذه الأغنية حياة امتدت منذ التحرير حتى يومنا هذا. في هذا الوقت اختفت أغانٍ كثيرة لم تمتلك عناصر النجاح لكي تبقى حية.

الأغنية الوطنية لا تقارن ببقية الأغاني العاطفية أو الاجتماعية، فهي أغنية للوطن. الوطن هو التاريخ الذي يعيشه الإنسان، يدافع عنه ويموت دونه. وإن تكتب أغنية للوطن، فعليك أن تكون بقدر هذا التحدي الخاص، فكلمات الوطن ليست كبقية الكلام، وأغنية الوطن لا تكتب لكي نجيد الرقص عليها، قدر ما تكتب لتثير حماستنا وإحساسنا بأن هذا الوطن يحتاج دائما إلى أن نكون مستعدين للدفاع عنه في أي لحظة، وأن نكون جديرين بالانتماء إليه.

الأغنية الوطنية، على العكس من الأغاني الأخرى، تقدمك للآخر، وتظهر صورة وطنك من خلالها، ولا أعتقد أن هناك من يقبل أن تكون صورة وطنه مشوَّهة مثيرة للاستهزاء والسخرية، فإذا لم يكن لديك كلام يليق بوطنك، فسكوتك أفضل.