صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4220

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

كيت بلانشيت: عيوبي كثيرة وأسعى إلى الكمال

• تكشف أنها رأت أولادها في عيني كل طفل لاجئ

  • 30-12-2018

حملت كيت بلانشيت المفاجآت معها منذ لحظة وصولها. كانت ترتدي سروال جينز وقميصاً قطنياً ولا تضع أي ماكياج وقد وصلت وحدها. كانت الميزة الوحيدة التي تُعرّف عنها كممثلة فائزة بجوائز كثيرة تتعلق بصوتها الأجش المألوف على الشاشة الفضية. قالت بلانشيت: «مرحباً، أنا كيت. أعتذر لأنني أصبتُ بالزكام على ما يبدو خلال الرحلة». صحيح أن هذه الممثلة الأسترالية والسفيرة العالمية لماركة «جورجيو أرماني» معروفة بسلوكها المتّزن ولكنها بادلتنا بابتسامة ودّية. حتى الأشخاص الذين لا يحبون السينما سيتعرفون إلى بلانشيت حتماً، لكن نادراً ما تظهر هذه المرأة التي تنتمي إلى نجوم الصف الأول في هوليوود في عناوين الصحف الترفيهية. يمكن أن يؤكد محرك البحث على الإنترنت أنها استقرت حديثاً في الريف الإنكليزي حيث تربّي أربعة أولاد من زوجها الكاتب والمخرج أندرو أبتون.

لا تملك كيت بلانشيت أي حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي. يبدو رأيها في هذا الموضوع واضحاً: «قراري مبني على سببَين: أولاً، يستنزف هذا العالم الوقت بدرجة فائقة. ثانياً، قد يصبح التواصل عبر الإنترنت ضيقاً وسلبياً، وقد يؤجج مشاعر الغيرة أو الغضب من دون التمكن من محاسبة الطرف الآخر وجهاً لوجه. أخشى أن يكون تعلّقنا بمواقع التواصل الاجتماعي مرتبطاً في معظمه بغرورنا الكامن، وأنا أفضّل فصل الغرور عن الأفكار».

تنصح بلانشيت الممثلين الشباب بوضع غرورهم جانباً: «باعتباري جزءاً من الجمهور، لن أهتم مطلقاً بحياة الممثلين الشخصية. أريد أن أنسى تلك التفاصيل كلها وأغوص في شخصياتهم وفي القصص التي يسردونها. لكن من الواضح أن الإشاعات التي تطلقها صحف الفضائح عن الممثلين تمنعنا من التركيز على العمل».

فيما يخص التمثيل، تحب بلانشيت الحوار الصادق والمبتكر وتستمتع بالعمل مع خبراء في الفنون البصرية وموسيقيين وكتّاب ومخرجين يستعملون أساليب لها طابع تقليدي. تعاونت كيت مع المخرج تود هاينز في فيلمَي Carol و I'm Not There (لستُ هناك): كان الفيلم الأول كفيلاً بمنحها رابع ترشيح لها لجائزة الأوسكار عن فئة أفضل ممثلة، بينما أكسبها الفيلم الثاني جائزة «غولدن غلوب» عن فئة أفضل ممثلة مساعِدة. تحب بلانشيت حس الإبداع الذي يتمتع به الفنان الألماني جوليان روزفيلد: اعتبر النقاد فيلمه القصير Manifesto (بيان رسمي) «عملاً فنياً بامتياز»، علماً بأن بلانشيت أدّت فيه 13 دوراً. في شهر مايو الماضي في «كان»، حضرت المهرجان بصفتها رئيسة لجنة التحكيم للمرة الأولى، وسمحت لها تلك التجربة بتكوين رؤية جديدة عن قطاع السينما.

على صعيد آخر، تشعر بلانشيت بقلق شديد بسبب التغير المناخي وطريقة توزيع الثروات في العالم، وتفكر بالفوضى التي أحدثتها الأجيال القديمة وبالمشاكل البيئية والاجتماعية والسياسية التي سترثها الأجيال الشابة. تقول بلانشيت: «أقلق أحياناً بشأن المستقبل لأنني أم لأربعة أولاد وأتساءل غالباً: كيف سيكون العالم حين يصبحون في عمر العشرين أو الثلاثين أو الأربعين؟».

في الفترة الأخيرة، تأثرت تحديداً بمشاكل اللاجئين. بصفتها سفيرة النوايا الحسنة لوكالة الأمم المتحدة للاجئين، شهدت على المصاعب الأساسية التي يواجهها لاجئون من جماعة «روهينغيا». تأثرت بعمق بفتاة عمرها 18 سنة وتسمّيها ليلى: احترق منزل تلك الفتاة وقُتِلت عائلتها وتهجّرت مع طفلها المولود حديثاً. ألقت بلانشيت منذ فترة قصيرة خطاباً خلال اجتماع لمجلس الأمن في الأمم المتحدة وقالت فيه: «أنا أم وقد رأيتُ أولادي في عيني كل طفل لاجئ قابلتُه، كما رأيتُ نفسي في كل أب وأم. كيف تتحمل أي أم رؤية أبنائها في أوضاع مأساوية مماثلة؟ لا يمكن أن تفارقني تجاربهم مطلقاً».

مسؤوليات عائلية

في الجهة الخلفية من غلاف هاتفها الشفاف، ثمة صور لأولادها الأربعة: ابنها الأكبر داش الذي أنهى للتو امتحانات الدخول إلى المدرسة الثانوية، ورومان البالغ من العمر 14 عاماً، وإيغناتيوس البالغ من العمر 10 سنوات، وابنتها الصغرى إيديث. يبدأ يومها الاعتيادي في بلدها بإرسال الفتيان الثلاثة إلى المدرسة وينتهي بجلبهم منها. تتقاسم بلانشيت مع زوجها الأعمال المنزلية بالتساوي، ومع ذلك من الشائع أن تواجه الموقف التالي في منزلها: تحمل بلانشيت سلة الغسيل بيديها وتضع الهاتف على أحد أذنيها فيما تناقش مسائل العمل وتحاول في الوقت نفسه تحرير إحدى ذراعَيها لتوقيع بعض الأوراق: «يقول لي الأولاد دوماً إنني لست مضطرة إلى القيام بثلاث مهام دفعةً واحدة، ثم يأتون لمساعدتي على إنهاء ما أفعله».

تبذل بلانشيت قصارى جهدها للعمل بطريقة فاعلة ومكثفة ومدروسة: «التنظيم هو السبيل الوحيد للتأقلم مع أربعة أولاد وأفضل طريقة لإرضاء جميع الأطراف في العمل». قبل بدء جلسة التصوير، سألت بنفسها عن مسار الجلسة كلها وجرّبت جميع الملابس. تحمل كيت رؤية واضحة جداً عما تريده لكنها تحترم للغاية منسّقي الملابس والمصورين. لذا تحرص على سماع آرائهم قبل الانتقال إلى اللباس التالي: «لما كنت امرأة، فإنني أشعر بأنني مضطرة إلى القيام بالأمور كافة على أكمل وجه. إنه المعيار الذي ألتزم به، لكن قد يصبح هذا الوضع مرهِقاً».

حقوق المرأة

في زمنٍ أصبحت فيه حقوق المرأة إحدى أبرز المسائل المطروحة، تُعبّر بلانشيت عن سرورها بتغيّر وضع الممثلات في هوليوود، فقد زادت أعداد النساء القويات والموهوبات اللواتي يتولَّيْن الإخراج والإنتاج وبدأن يقلِبْنَ الوضع القائم: «لا أعرف متى بدأ هذا المفهوم المغلوط. لطالما افترض هذا القطاع أن معظم الأشخاص الذين يقصدون السينما هم رجال فوق عمر الثلاثين، لذا يسعى المسؤولون المعنيون دوماً إلى زيادة الميزانيات وقنوات التوزيع الخاصة بأفلام يطغى عليها الرجال. لكن عملياً، لطالما شكّلت النساء أكثر من نصف رواد السينما».

تابعت قائلة: «يكتفي كثيرون بالتكلم عن حقوق المرأة، لكن يتعلق النقاش حول المساواة بين الجنسين فعلياً بإطلاق حملات فاعلة تستهدف الجميع. أظن أن الرجال والنساء معاً أصبحوا أسرى توقعات اجتماعية معينة منذ فترة طويلة وهذا ما يشوّش رؤيتهم وأفكارهم. أعتقد أن المساواة في الأجور ستكون بداية جيدة».

عند التكلم عن كيت بلانشيت، لا يمكن أن نتجاهل سجلها المدهش، فقد ترشّحت على مر مسيرتها لجائزة الأوسكار سبع مرات وفازت بها مرتين. سبق وحققت هذه الممثلة نجاحاً باهراً وفق معايير المجتمع، ولكنها لا تهتم بإنجازاتها على ما يبدو. تضحك بلانشيت وتتخذ وضعية التفكير وتقول: «لا أجلس هكذا وأفكر طوال الوقت إن كنت ممثلة ناجحة!».

«قد يكون النجاح عشوائياً جداً. يقع بعض الأحداث بطريقة خارجة عن إرادتنا، كما يحصل مثلاً حين نقابل شخصاً ونشعر بأننا نعرفه منذ وقت طويل... أعرف أشخاصاً موهوبين جداً ولكنهم لا يحصلون على التقدير الذي يستحقونه. لنفكر مثلاً بفان غوغ وبجميع الكتّاب الذين لم تُنشَر أعمالهم إلا بعد وفاتهم. لذا أعتبر نفسي محظوظة جداً».

هوليوود لم تأخذها من المسرح

في عام 1992، تخرّجت بلانشيت حين كانت في عمر الثالثة والعشرين في «المعهد الوطني للفنون المسرحية» في أستراليا، ثم شاركت في إنتاجات مسرحية كثيرة، كان معظمها مقتبساً من أعمال شكسبير. بفضل تدريباتها المسرحية على مر سنوات، اعتادت على التفكير بأخطائها وتحليلها: لماذا ساء الوضع هذه المرة؟ ما سبب وقوع هذه الأخطاء؟ تقول بلانشيت: «لا أهتم إلا بالفشل كي أتعلم منه وأحرص دوماً على عدم تكرار الأخطاء نفسها».

لم توقف كيت التمثيل على المسرح بعدما تركت بصمتها في هوليوود. في السنة الماضية، جلبت مسرحية زوجها The Present (الحاضر)، المقتبسة من مسرحية Platonov لأنطون تشيخوف، إلى مسرح «برودواي». لم يكن مفاجئاً أن تفوز بلانشيت بأول ترشيح لها لجائزة «توني» عن هذا العمل، كذلك تتدرب على دورها في مسرحية When We Have Sufficiently Tortured Each Other (بعدما عذّبنا بعضنا البعض بما يكفي) للكاتب مارتن كريمب على المسرح الوطني في لندن.

كانت بلانشيت وزوجها يديران شركة «سيدني ثياتر» وقد عادا من أجلها للإقامة في سيدني طوال 10 سنوات. توضح النجمة: «لو خيّرتموني بين السينما والمسرح، سأختار المسرح طبعاً. ينتابنا شعور من الألفة الحقيقية على المسرح حيث يمكننا أن نتواصل مباشرةً مع الجمهور. ثمة اختلاف كبير بين تقييمات أفلام السينما وردود فعل الناس المباشرة».

عند التفاعل مع الآخرين، تبدو بلانشيت صريحة ومرحة وواضحة، فضلاً عن أنها تعترف بكل جرأة بعيوبها: «من أين أبدأ؟ أنا لستُ صبورة وأسعى دوماً إلى الكمال وأخشى المرتفعات... عيوبي كثيرة». لا مفر من الوقوع تحت سحر تواضعها وصراحتها: «تستطيع أكثر امرأة مثيرة للاهتمام أن تتعايش مع جميع عِقَدها من دون أن تشعر للحظة بالشفقة على نفسها. إنها امرأة متصالحة مع ذاتها ولا تريد أن تصبح شخصاً آخر، بل تسعى إلى تحسين نفسها قدر الإمكان».

العالم من وجهة نظر كيت

أنتِ وجه إعلاني لعطر Si أيضاً. هذه الكلمة تعني «نعم» باللغة الإيطالية. ما تعريفك للموقف الذي تُعبّر عنه هذه الكلمة؟

أظن أن القبول كان دوماً موقفي التلقائي. يخبرني الناس من حولي غالباً بضرورة أن أرفض بعض المسائل على اعتبار أنني أعجز عن الاهتمام بالأمور كافة. لكني مستعدة دوماً لخوض التجربة: أن أقوم بأي أمر يبقى أفضل من عدم تحريك أي ساكن.

ما الذي شجّعك على متابعة العمل مع أرماني؟

كانت هذه العلاقة مبتكرة جداً. بدأت علاقتي مع أرماني خلال سنوات الدراسة، قبل أعوام من مقابلتي أرماني شخصياً. أهتم بملابس الرجال كثيراً. اشتريتُ أول بدلة رجالية لي من هذه العلامة التجارية حين كنت أدرس في كلية التمثيل. أرماني ليس مجرّد رمز للموضة والجمال، بل يمتد تأثيره أيضاً إلى مجالَي الهندسة والطعام. إنه رمز لأسلوب الحياة عموماً.

أي سيناريو يجعلك تشعرين بأقصى درجات السعادة؟

حين أستيقظ في عطلة نهاية الأسبوع، أول ما أفكر به هو الآتي: «ما هو جدولي اليوم؟ ما الذي يجب أن أفعله»؟ في تلك اللحظة، أريد أن يقول لي أحدهم: «لا داعي لفعل أي أمر. لا خطط لهذا اليوم!»، ثم يقترح عليّ أحد الذهاب للتنزه في الغابة، أو البقاء بملابس النوم طوال اليوم، أو الجلوس بكل بساطة وتقبّل أحداث اليوم المرتقب بكل هدوء!

ما الذي تخشينه في الوقت الراهن؟

القفز بالمظلات! يا للهول! لا يمكن أن أخوض هذه التجربة!

ما هو تعريفك للنجاح؟

بالنسبة إلي، يعني النجاح أن نمتلك القدرة والوقت للتفكير. أركّز على الفشل بشكل خاص. أظن أن الناس يستطيعون تعلّم دروس إضافية من الفشل.

أي صفات نسائية تفضّلين؟

الحكمة، والعطاء...

بلانشيت صريحة ومرحة وواضحة فضلاً عن أنها تعترف بكل جرأة بعيوبها