صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4246

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

لماذا الإفراج عن القس برونسون بادرة خير في العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا؟

  • 29-10-2018

قد يكون الطريق أمام ترامب وإردوغان شاقا، وربما لن تخلو العلاقة بين الولايات المتحدة وتركيا من الخلافات، ولكن هذين الرجلين المعجب أحدهما بأسلوب حكم الآخر عادا ليتخاطبا من جديد، وهذا هو الأمر المهم!

يُعد قيام تركيا بإطلاق سراح القس الأميركي أندرو برونسون من السجن خطوة كبيرة إلى الأمام بالنسبة إلى العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا، فالطريق إلى هذه المرحلة كان وعرا، لا سيما أن الاتفاق الذي توصل إليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أغسطس للإفراج عن القس مُني بالفشل، مما أثار غضب ترامب شخصياً، وفي ذلك الوقت فرض ترامب عقوبات على تركيا، ساهمت في تراجع الليرة التركية بشكل حاد، كما جمّد العلاقات الثنائية بين البلدين.

وتم اعتقال برونسون في أكتوبر 2016 بتهمة التجسس والتواصل مع جماعات إرهابية تعمل ضد الدولة التركية، كما زُعم، ورأى بعض الصحافيين في ذلك دليلاً على ضغوط أردوغان المتزايدة على الولايات المتحدة في المفاوضات حول بعض القضايا، مثل طلب تركيا تسليم رجل الدين التركي فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة، حيث يعتقد العديد من الأتراك أن شبكة من أتباعه أدت دوراً رئيساً في محاولة الانقلاب الفاشلة ضد أردوغان في يوليو 2016.

وكان رد فعل ترامب إيجابياً على إطلاق سراح برونسون فقال "سيؤدي هذا الأمر إلى علاقات جيدة وربما ممتازة بين الولايات المتحدة وتركيا!". يبدو أن ترامب وأردوغان يستطيعان إعادة ضبط علاقتهما. فخلال الأزمة التي وقعت في أغسطس، لم يستهدف أحدهما الآخر شخصياً، تاركين الباب مفتوحاً أمام مصافحة أخرى حين يتصالحان، وليس ذلك اليوم بعيداً.

من الواضح أنّ الحفاظ على العلاقات الجيدة مع تركيا يصبّ في مصلحة واشنطن، لذلك لا يجدر بالسياسة الأميركية المتعلقة بتركيا أن تضعف العلاقات، أضف إلى ذلك أن تركيا تجاور كلاًّ من إيران والعراق وسورية والأراضي التي كانت خاضعة سابقاً لسيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية" وروسيا عبر البحر الأسود أيضاً، ومن الأسهل بكثير وأقل جهداً وتكلفةً على الولايات المتحدة أن تطبق سياساتها المتعلقة بتلك البلدان والكيانات، بوجود تركيا إلى جانبها.

ومع كسر ترامب للجمود الحاصل في العلاقات الأميركية -التركية، يمكن الآن للمسؤولين في الحكومة الأميركية ونظرائهم الأتراك معالجة مختلف القضايا التي تُفرّق بين البلدين. ومع ذلك، ففي حين يشكل إطلاق سراح برونسون خطوة جيدة نحو التوصل إلى علاقات طبيعية بين البلدين، إلّا أنه لا يزال هناك الكثير الذي يجب القيام به.

وآخر المستجدات هو تهديد الكونغرس الأميركي بفرض عقوبات إذا ما مضت أنقرة قدماً بخططها لشراء أنظمة الدفاع الصاروخي الروسية من نوع "أس-400" في عام 2019، لأن هذه الخطوة تتعارض مع مكانة تركيا كحليف لـ "الناتو"، يبدو أن موقف الكونغرس من أردوغان قد تحسّن بعد الإفراج عن برونسون، الأمر الذي يمهّد الطريق أمام الكونغرس للسماح لترامب ببيع أنظمة الدفاع الصاروخي الأميركية من نوع "باتريوت" إلى تركيا. وإذا أراد أردوغان توطيد علاقته المتجددة مع ترامب، عليه أن يعيد النظر في قراره بشأنه نظام "أس-400".

وفي المقابل على ترامب الإصغاء إلى مخاوف أردوغان، فالتغريدة التي نشرها الرئيس التركي على موقع "تويتر" داعياً فيها إلى تعزيز التعاون ضد شبكة فتح الله غولن وتنظيم "الدولة الإسلامية" و"حزب العمال الكردستاني" معبّرة بهذا الشأن.

وغولن هو رجل دين مسلم تركي يقيم في الولايات المتحدة بعدما كان يترأس شبكة سياسية دينية قوية توغلت عميقاً داخل مؤسسات الشرطة والجيش والقضاء في تركيا، وخلال العقد الماضي، ساعد غولن أردوغان على توطيد نفوذه، عبر القضاء على المبدأ الديمقراطي القائم على الضوابط والتوازنات الرقابية بفصل السلطات في تركيا، والاستحواذ على المحاكم، وسجن الصحافيين، وإسكات المعارضة.

ولكن ما إن أحكم الثنائي أردوغان وغولن نفوذهما على المؤسسات الديمقراطية في تركيا حتى ظهرت المشاكل: فكلٌّ منهما أراد تركيا لنفسه، ونشب صراع مُستعر على السلطة بين الاثنين.

واليوم غالبية الأتراك لا مناصرو أردوغان مقتنعون بأن ضباط الجيش الموالين لغولن هم من تزعموا الانقلاب الفاشل الذي كاد أن يطيح بأردوغان عام 2016، ونصف سكان تركيا المؤيدين لأردوغان يحتقرون غولن لأنه حاول قتل أردوغان، أما النصف الآخر الذي يعارض أردوغان فيحتقر غولن لأنه مكّن أردوغان وجعله قادراً على القيام بأفعاله.

ويتخطى التعاون بين ترامب وأردوغان حدود الشرق الأوسط، وقد علمتُ خلال الأشهر الأخيرة أن واشنطن كثّفت تعاونها مع أنقرة لاستهداف قياديي "حزب العمال الكردستاني" في العراق، ويجب أن تستمر هذه الجهود، ويتعيّن على أردوغان الإقرار بها.

إن الهدف الرئيس لترامب في الشرق الأوسط هو التصدي لإيران، فهو يريد خروجها من سورية وعزلها في المنطقة.

يجب أن يستمر أردوغان في دعم مبعوث ترامب الجديد إلى سورية من أجل التصدي لإيران وروسيا ونظام الأسد في تلك المنطقة، وإذا تم تقديم الأسد للعدالة، فسيجد ملايين السوريين الذين تعرضوا لوحشيته خلال الحرب، خاتمةً لمعاناتهم وسيُغلَق الباب أمام عودة تنظيم "الدولة الإسلامية".

بإمكان أردوغان أن يساعد ترامب في عزل إيران خارج الإطار السوري، على سبيل المثال بإمكان تركيا الانضمام إلى الولايات المتحدة في عقوباتها الاقتصادية على إيران، والتي تترك وقعاً ملحوظاً على النظام في طهران.

إن إطلاق سراح برونسون يجعل جميع هذه الأمور ممكنة، لكن الوضع لا يخلو من العوائق الشائكة: إذ على أردوغان أيضاً أن يطلق سراح غيره من المواطنين الأميركيين والموظفين المحليين العاملين في بعثات دبلوماسية أميركية والموجودين في السجون التركية، وفي الواقع إن قيام أردوغان بالإفراج عن القس الإنجيلي برونسون قبل الانتخابات النصفية الأميركية، ساعد ترامب في صناديق الاقتراع. فتغريدات الرئيس الأميركي تنال عادةً إعجاب ما بين 30 ألف و50 ألف شخص، وتحظى تغريداته الأكثر شعبيةً بنحو 80 ألف مُعجب، وقد نالت تغريدته المتعلقة بإطلاق سراح برونسون إعجاب أكثر من 125 ألف شخص.

وأنا أعتقد أن الرئيسين ترامب وأردوغان، بصفتهما رئيسين قويين، سيفهمان بعضهما جيداً، وقد يكون الطريق أمامهما شاقا وربما لن تخلو العلاقة بين الولايات المتحدة وتركيا من الخلافات، ولكن هذين الرجلين المعجب أحدهما بأسلوب حكم الآخر عادا ليتخاطبا من جديد، وهذا هو الأمر المهم!

* سونر چاغاپتاي

* «تايم»