صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4356

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

إلا الدستور يا نواب الأمة

  • 28-10-2018

بداية حتى لا تذهب الظنون بالقارئ كل مذهب، نؤيد احترامنا الكامل لممثلي الأمة من النواب وحقهم في التمسك بعضويتهم في المجلس، وحق زملائهم في الدفاع عنهم أمام كل ما يرونه مساساً بحقهم أو إجحافاً بمكتسباتهم، بل نزيد على ذلك بأن نعرب عن بالغ تعاطفنا مع النائبين د. جمعان الحربش ود. وليد الطبطبائي وكل المحكومين في قضية «دخول المجلس»، ليس هذا فقط بل نصرح بما تكنه صدورنا كذلك وما نعتقده بأن الحكم في تلك القضية على هذين النائبين وغيرهما جاء قاسياً يفوق الفعل المعاقَب عليه، لاسيما في ضوء الملابسات والأجواء المشحونة التي كانت تشهدها البلاد وقتئذ، ولذا أقدم بعض النواب ومعهم عدد من الشباب على «دخول المجلس» مدفوعين بنية طيبة، وباعث من ضمير، خوفاً على المال العام، وسعياً إلى إجهاض التعطيل المتعمد لجلسات المجلس في تلك الأثناء، فكان ما كان من أحداث وقضية وإدانة وحكم بالسجن على هذين النائبين وغيرهما.

غير أن احترامنا وتعاطفنا وتفهُّمنا لملابسات «دخول المجلس» والنية الطيبة التي رافقت معظم المتهمين، ومنهم النائبان الحربش والطبطبائي، شيء... ويقيننا بضرورة تطبيق الدستور والقانون على الجميع ليقف الناس جميعاً أمامه سواسية شيء آخر تماماً، فالكويت دولة مؤسسات، أو على الأقل هكذا نريدها، وأول لبنة في صرحها هي احترام الدستور والقانون اللذين وُجِدا للحفاظ على النظام العام وأركان الدولة الأساسية، فإذا قال القانون كلمته الباتّة وأصدر حكمه النهائي بسجن النائبين المحترمين، مهما كنا مستائين أو غير متفهمين لهذا الحكم، فليس لأحد أن يعترض، وليس أمامنا إلا السمع والطاعة، وليس لزملائهما من النواب إلا أن يطبقوا الدستور بإسقاط عضويتهما، غير مُعلَّقين بوثاق «فزعة» قبلية أو غضبة نيابية تستلهم فكرها من باب «أُكِلت يوم أُكِل الثور الأبيض».

إذا كان النائب يفكر في الفزعة لزميل أو الوقوف معه انتظاراً لرد الجميل يوماً ما، أو تنفيذاً لصفقة مبرمة أو لمجرد الحفاظ على سمعة المجلس، أو غير ذلك من العلل والأوبئة، دون أن يفكر في صيانة الدستور الذي أقسم على احترامه وتطبيقه على الجميع دون تفرقة، فقد تحول عندئذ إلى إحدى النوائب التي تهدد مستقبل مجلس الأمة والكويت برمتها، إذ كيف لنائب هذه عقليته أن يشرع للمصلحة العامة، مدعياً أن الناس متساوون أمام القانون، وهو الذي يحاول التحايل عليه، مبقياً عضوية نائبين محكوم عليهما حكماً نهائياً بالسجن، ومساعداً إياهما على الهروب من دائرة الدستور التي يدّعي الذود عن حياضها؟


بعد يومين من المزمع أن يصوت المجلس على إسقاط عضوية النائبين أو إبقائها، وقيل الكثير في هذه المسألة في ظل ترجيحات بل تأكيدات وتصريحات نيابية تصب في خانة اتجاه المجلس إلى إبقاء تلك العضوية، وهنا لنا أن نسأل قطاعاً عريضاً من النواب الأفاضل، حماة الدستور وسدنة القانون: مَن تعاندون؟ وضد مَن تتوحدون؟ وكيف ترون مهمتكم في قاعة عبدالله السالم؟ ماذا تقولون إذا سألناكم عن قوم لا يحترمون أحكام القضاء ولا يلتزمون بقسمهم، ولا يحترمون الدستور أو قوانين الدولة، ولا يؤدون أعمالهم بتجرد وأمانة وصدق؟ ماذا تقولون عنهم؟ بكل أسف نقولها لكم: هؤلاء هم أنتم، وهاكم جملة من الشواهد على ما تعتزمون القيام به متجاهلين مواد الدستور الواضحة.

ألا ترون أن اصطفافكم لإبقاء عضوية النائبين، يتعارض مع المادة الثانية من قانون الانتخاب التي تقضي بحرمان المحكوم عليه بعقوبة جناية أكثر من 3 سنوات سجناً من الانتخاب، فما بالكم بالنائب؟ ألا ترون أنكم تدوسون بأقدامكم المادة 50 من نفس القانون التي تنص على سقوط عضوية النائب إذا فقد أحد شروط العضوية، ومن بينها صدور حكم قضائي باتٍّ بسجنه أكثر من 3 سنوات، مع إعلان سقوط العضوية بقرار من المجلس؟ ماذا ستفعلون حيال المادة 16 من اللائحة الداخلية للمجلس التي نظمت سير الأمور إذا فقد العضو أحد شروط عضويته المنصوص عليها في المادة 82 من الدستور، والتي من بينها عدم صدور حكم قضائي باتّ عليه بالسجن مدة تجاوز 3 سنوات؟ مواد صريحة غير قابلة لوضع مساحيق التمويه عليها، توجب على أعضاء المجلس إذا تأكدوا أن أحدهم فقد شرطاً لعضويته أن يسعوا إلى إسقاطها فوراً دون تردد، مراعاةً للمصلحة العليا للبلاد.

نعلم جيداً أن أكثر النواب - إن لم يكونوا جميعاً - على دراية كافية بما نثرناه في هذه السطور من مواد الدستور واللائحة الداخلية للمجلس، لكننا أوردناه لنضعهم أمام أنفسهم وضميرهم الدستوري والنيابي الذي يريدون أن يطفئوه بأفواههم وتصويتهم المزمع، إذ لا يجوز لهم بل لا يليق بهم التعسف في استعمال حقهم في غير محله، كأن يرى العضو الحقيقة ظاهرة وجلية أمامه ثم يصوت بعكس ما يراه ونقيض ما يقتضيه الصدق وتمليه أمانة الموقف، ولا حجة لأي نائب أو وزير في التغافل عن الحقيقة... وفي النهاية فإن ذاكرة التاريخ لن تنسى.