صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4761

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

مرق

  • 07-05-2018

كيف يا ترى كمعلمة يمكنني أن أحيي بهجة القراءة في نفوس طلبتي، كيف أقنعهم أن التمتع بالقراءة عن طريق تدبر المعاني وتكوين رأي موافق أو رافض هو حق لهم لا غبار عليه ولا إساءة فيه؟

نحن لا نقرأ لأن القراءة مملة، لأنها فعل لا يعني الكثير لعقول توصلت إلى حقائق وثوابت ونهايات، لأنها فعل لا طائل منه لفَهمٍ صوّر التاريخ نسخة واحدة وألبسه لباس الهيبة، نحن لا نقرأ لأن القراءة لا فائدة حقيقية منها، فماضينا وحاضرنا ومستقبلنا كلها من نسخة واحدة، حقائقنا ثابتة يحرم علينا مراجعتها أو تغييرها، تاريخنا، علومنا، حتى أخلاقياتنا كلها غير قابلة للنقاش دع عنك الاختلاف، فلماذا نقرأ؟

القراءة فعل ممل جداً إذا ما كان عليك أن تقرأ دون أن تفكر. تطالع الأوراق بمنمنماتها السوداء مصفوفة في خطوط مستقيمة، مطلوب منك أن ترصدها كلمات دون أن ترصد معانيها، دون أن تتفكر وتناقش وتخالف وتعترض، دون أن يكون لك الحق أن تقرأ فتتغير، فتغير المسار، فتسلك طريقا مختلفا، وكيف تسلكه وهو غير موجود أصلاً، وإن وجد فهو وعر موحش مليء بعصابات الظلام؟

كأستاذة للمرحلة الجامعية، تحديداً كأستاذة لمادة أدب وفلسفة وتواريخ فنون، كيف أقدم خدماتي لجمهور لا يحب أن يقرأ، لا يرى في القراءة فائدة حقيقية أو عائدا مباشرا، كيف أقنعهم بغير ذلك وأنا أرى نقطتهم واضحة جلية في الواقع؟ يأتي الصغار من مرحلة الثانوية حيث الكتب منقحة رقابياً، أجزاء مطموسة، صور مغطاة بالسواد، فصل البيولوجيا الكامل عن داروين مدبس بدبابيس لا تمنعهم فقط من قراءة الفصل بل حتى من النظر في صفحاته، مادة التربية الإسلامية تقدم لهم حقا شاملا كاملا لا مجال لمناقشته أو تدبر معانيه، وأساتذة هذه المادة، كما أتذكر على مر سنوات تعليم أبنائي الثلاثة، يستنكرون التساؤلات والاعتراضات، ويؤكدون أن هناك أسئلة لا تسأل، وأفكارا لا تناقش، وحقائق لا يزحزحها علم أو دليل، فكيف أطالب الخارج من هذا النفق الطويل أن يكاسر الشمس بعينيه؟

حين يتلبسني الغضب أذكر نفسي أننا جميعاً جزء من هذا النظام، وأنني كما غيري قد ساهمت في إثرائه، سنوات وأنا أحفّظ ابنتي دروساً لا أستطيع تفسيرها أو منطقتها، أطلب منها أن تصمها صماً وأن تسمعها تسميعاً وأن تنساها بعد ذلك، لابد أن ابنتي كونت فكرة سلبية قاتمة عن القراءة، خصوصاً تلك بالعربية، حيث ارتبطت اللغة في ذهنها بالمنع والتحريم، فالتعليمات التي وصلتها هي أنه يجب عليها أن تحفظ دون أن تتدبر أو تناقش أو تعترض لتقتنع أو لا تقتنع، وبلا كل ذلك، أي بهجة في القراءة وأي محفز أو جاذب لها؟ كيف يا ترى كمعلمة يمكنني أن أحيي بهجة القراءة في نفوس طلبتي، كيف أقنعهم أن التمتع بالقراءة عن طريق تدبر المعاني وتكوين رأي موافق أو رافض هو حق لهم لا غبار عليه ولا إساءة فيه؟ كيف أعيد إحياء مهارة خنقها الحرام والعيب ودفنها الخوف والشعور بالإثم حتى أفقدها كل متعة، وحتى أصبح الصغار يتفادونها بكل صورها حتى تلك الهينة التي لا تحدي فيها؟ كيف آكل لقمة عيشي، ولقمة عيشي مغموسة في مرقة القراءة، ومعجونة في عجين التفكير النقدي، إذا لم يكن لزبائني أي رغبة لا في مرق ولا عجين؟