صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4248

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

عبد الفتاح القصري... حزين أضحك الملايين ماحدش واخد منها حاجة (الأخيرة)

لم تستغرق إعادة عبد الفتاح القصري إلى حالته وقتا طويلا، غير أنه كان لا بد أن يبقى في المستشفى بعض الوقت بناء على نصيحة الأطباء، حتى يسترد كامل عافيته، فوافق القصري على مضض، إذ لم يكن يحب المستشفيات، أو حتى مجرد الحديث عن المرض، غير أنه لم تمر ثلاثة أيام على وجوده بالمستشفى، إلا وأصبح حديث المرضى والأطباء وأطقم التمريض، الذين توافدوا على حجرته على مدار الساعة، وتسابق الجميع على خدمته، أو الحديث معه، غير أنه من بين كل هؤلاء، لم يلفت نظره سوى ممرضة شابة، فائقة الجمال، راحت تتفانى في خدمته كمريض، من دون أن تشعره بنجوميته، وتنفذ ما يريد قبل أن يطلبه، ولا تعطيه الأدوية في مواعيدها المضبوطة فحسب، بل تصر على إطعامه بيدها كطفل مدلل، حتى شعر عبد الفتاح بارتياح شديد نحوها، في وقت قاوم في داخله رغبة تلح عليه في حبها، غير أن فارق السن بينهما كان حاجزاً كبيراً يحول دون ذلك، لكنه لم يكن يدرك أن هذه رغبتها أيضا، بل وكل ما تقوم به معه للوصول إلى هذا الهدف، حتى عندما فشلت في أن تنتزع منه اعترافاً بحبها في المستشفى، راحت تطارده في كل مكان، بعد خروجه من المستشفى، بحجة الاطمئنان على صحته، سواء في المسرح، أو البيت، أو بلاتوهات السينما، وعندما يئست من ذلك، لم تجد بدا من مفاتحته في الأمر:

* لو ماكنتيش قولتيها كنت هأقولها أنا

= بجد يا عبده.. طب وأيه اللي مانعك؟

* ياهوووه على كلمة عبده وهي طالعة من شفايفك قوليها تاني

= ياعبده

* ياروح عبده

= أيه اللي مانعك تتكلم وتقول اللي في قلبك

* اللي مانعني كتير.. تعالي كده اقفي جنبي وبصي في المرايا معايا وإنتي تعرفي

= الراجل مش بشكله يا عبده

* الله الله.. إحنا هانغلط ولا أيه؟ أنا مش قصدي الشكل.. أنا قصدي على فارق السن

= أنا مايهمنيش فارق السن.. وبعدين أنت لسه شباب.. أي واحدة تتمناك.

لم يستغرق عبد الفتاح وقتا طويلا في يد الممرضة الحسناء، ابنة الأسرة المعدمة، والتي أوقعته بسهولة في شباكها التي نصبتها له، منذ عرفت كل شيء عنه أثناء وجوده بالمستشفى، وأنه عاش حياته محروماً من الحب والعطف، كما لم يعش حياة زوجية هانئة، رغم أنه تزوج ثلاث مرات من قبل، وهو ما جعله يأمل أن يكون الزواج الرابع تعويضاً عن كل ما فات، وإن لم يكن فارق السن بينهما خافياً، لرجل تخطى الستين من عمره، وفتاة لم تكمل عامها الحادي والعشرين، ربما تصغر «مسعود» ابنه بالتبني بثلاث سنوات فقط.

وهم السعادة

لم يخب ظن عبد الفتاح في الزواج الرابع، بدأ يشعر بسعادة لم يشعر بها من قبل، حيث أصبحت «سهام» زوجة وممرضة ومدير أعمال، وفوق ذلك ربة منزل، تعد له ما لذ وطاب من مأكولات عرفت أنه يحبها، رغم تحذيرات الأطباء له من تناولها، فعاد عبد الفتاح إلى كامل حيويته، وعاود عمله بنشاط، قدم عام 1960 أربعة أفلام دفعة واحدة هي «بنات بحري، وسكر هانم، وشجرة العائلة، وبين إيديك»، فضلا عن مسرحيتين مع «فرقة إسماعيل ياسين» في موسمين متتاليين هما «حماتي في التليفزيون، ومنافق للإيجار»، غير أنه في العام التالي 1961، لم يقدم سوى مسرحية «يا الدفع يا الحبس»، وفيلم واحد في مطلع العام 1962 هو «انسى الدنيا» مع إسماعيل ياسين أيضاً.

رغم مرور أربعة أعوام على زواج القصري من سهام، إلا أنه لم ينجب أيضاً، وهو ما أدركته زوجته، فانتهزت الفرصة لتكون نقطة الضعف هذه، ورقة ضغط عليه، لتحقيق ما كانت تخطط له من البداية، فراحت تلمح له بإمكانية الانفصال بينهما:

* أنت بتقولي أيه؟ نسيب بعض إزاي؟

= أوعى تفتكر أن دي حاجة سهلة عليا.. أنا بقولك كدا وأنا بتقطع

* وأيه اللي يقطعك.. مابلاش التفكير ده من أساسه

= أكيد أنت نفسك في ولد يشيل اسمك.. صحيح أنت معتبر مسعود زي ابنك.. بش مش من صلبك ولا هايشيل اسمك

* أنا مش عايز حد في الدنيا دي غيرك

= وأنا كمان.. بس أنا بأقول لو اتطلقنا كل واحد يشوف نصيبه مع حد تاني.. يمكن ربنا يرزقنا بعيال

* أنا مش عايز عيال.. أنت كفاية عليا

= صدقني يا عبده يا حبيبي أنا كمان مش عايزة حاجة من الدنيا غيرك.. بس بأقول يعني...

* قولي اللي جواكي

= يعني بعد الشر بعد الشر أنت لو تعبت ولا لو لا قدر الله حصلك حاجة.. أنا هاتبهدل من غيرك.. وعيلتك مش هاتسيبني.. خصوصا أنهم كلهم مش راضيين عن جوازنا

* علشان كده أنا هأعمل اللي يضمنلك حياتك من بعدي

خشي عبد الفتاح أن تنفذ زوجته ما تفكر فيه، بالتخلي عنه بسبب عدم إحساسها بالأمان، فقرر أن يكتب لها كل ثروته، بما فيها البيت الذي عاش فيه حياته، حتى يرضيها ويضمن حبها وولاءها له.

لم يمر شهر على كتابة القصري كل أملاكه لزوجته، حتى بدأت معاملتها له تتبدل، عن الصورة التي شاهدها في المستشفى، وظلت على حالها طوال أربع سنوات، قبل أن يكتب لها كل أملاكه، لتتحول بعدها من «ملاك الرحمة» إلى «شيطان رجيم»، فبدأت تسيء معاملته بشكل مستفز، وتتأفف من كل طلب يطلبه منها، حتى لو كان كوب ماء، بل وراحت تطالبه بضرورة إحضار خادمة، لتقوم على خدمته، ولم تعد قادرة على خدمته، بل وليس لديها وقت لذلك، حيث دأبت على الخروج كل يوم، وشراء ملابس جديدة بلا عدد، ووصلت الأمور ذروتها، عندما لاحظ كثرة الأحاديث الجانبية بينها وبين ابنه بالتبني «مسعود» فدخل الشك قلبه، غير أنه لم يكن قادرا على مواجهتهما بذلك، لعدم توافر دليل على خيانتهما له، لكن الشك بلغ مداه، عندما لاحظ تغيب مسعود عن البيت، في الوقت الذي تتغيب فيه زوجته أيضاً، ما جعل السكر والضغط يرتفعان، وهو يقف على خشبة المسرح أمام إسماعيل ياسين وتحية كاريوكا في مسرحية «الحبيب المضروب» تمثيل وإخراج ستيفان روستي، وصرخ عبد الفتاح فجأة لضياع نظره، وانعدام الرؤية، فنقله إسماعيل ياسين وتحية كاريوكا وستيفان روستي، على الفور إلى المستشفى، وخضع للتحاليل والأشعة اللازمة.

أمضى القصري ثلاثة أيام في المستشفى رافقته خلالها شقيقته بهية، وأكد له الأطباء أن فقدان بصره لن يكون دائماً، هو نتيجة الارتفاع المفاجئ في الضغط والسكر، وأن بصره سيعود تدريجا بضبط الضغط والسكر، والابتعاد عن أي انفعالات، مع الالتزام بنظام غذائي خاص ، ومراعاة دائمة على مدار الساعة.

طيلة الأيام الثلاثة التي أمضاها القصري بالمستشفى، لم تزره زوجته، أو حتى مسعود، ابنه بالتبني، كما استقبلاه استقبالا فاترا، كأن شيئا لم يحدث له، وما زاد الموقف تعقيداً، أن سهام رفضت أن تدخل بهية شقيقة عبد الفتاح البيت، ما جعله يغضب ويثور بشكل كبير:

* أنت ازاي تطردي أختي وتمنعيها تدخل بيتي؟

= مش أختك دي اللي كانت رافضة جوازي منك.. وكانت بتحرضك عليا طول الوقت وتقولك طلقها

* أنت شايلة من وقتها.. ده أنت قلبك أسود وجاحدة

= أسود أبيض.. دي حاجة تخصني أنا.. وأنا بس اللي أقول مين يدخل بيتي

* أنت بتعملي كده علشان متأكدة من حبي ليكي.. وأني مش هأقدر أستغني عنك.. خصوصا في الظروف الجديدة دي

= حب أيه؟ أنت مش مكسوف وأنت في سنك ده تتكلم عن الحب.. ما تخليني ساكتة أحسن ما تقلبش عليا المواجع وتفكرني بخيبتي في جوازتي

* أيوا كده باني على حقيقتك

= طب الحمد لله إنك حسيت وعرفتني على حقيقتي.. وبمناسبة الظروف الجديدة دي.. أنت تشوفلك خدامة ولا ممرضة تخدمك.. أنا مش ناقصة قرف ومش فضيالك.

الصدمة الكبرى

كانت صدمة قاسية على عبد الفتاح القصري، شعر بأن عمره ضاع هباء، وهو يرى حياته تنهار أمام عينيه، وأدرك أن زوجته لن تقابل عطاءه وحبه، اللذين منحهما لها بلا حدود، بما يستحق وهو ما حدث بالفعل، فأهملت علاجه وأكله وشربه، بل وأجبرته على ألا يغادر حجرته، التي أصبح يجلس فيها ساعات طويلة، من دون أن يتحدث مع أحد، أو يطلبه أحد، حتى الطفل الذي كفله منذ كان في الثانية عشرة من عمره، حتى أصبح رجلا، وأنفق عليه أكثر مما كان سينفق على ابنه لو كان أنجب، لم يعد يراه أو يتحدث معه، فقط يسمع صوته هو وسهام زوجته وهما يضحكان، حتى ضاق بما يسمعه، ولم يعد قادراً على احتمال ما يسمعه، فانفجر فيهما:

= كلمني أنا مالكش دعوة بمسعود

* بتدافعي عنه لأنك خاينة زيه

= أخرس.. أنا لولا الحالة اللي أنت فيها أنا كنت عرفت أوريك معنى الكلمة دي

* وجعتك الكلمة أوي.. واللي أنتوا بتعملوه ده اسمه أيه؟

= اسمه حب

* أيه حب؟

= أيوا حب.. اتنين شباب زي بعض.. وبيحبوا بعض.. ده شيء طبيعي

* أنتوا اتجننتوا.. أنت ناسية إنك على ذمة راجل؟

= لا مش ناسية.. وكويس إنك لسه فاكر.. وأنا بقى اللي بأقولك دلوقتي طلقني

* أطلقك يا خاينة منك له.. أمشوا اخرجوا بره بيتي

= هاهاها.. ضحكتني والله.. بيت مين يا أبو بيت.. ده بيتي ولا أنت ناسي.. وأنا من كرم أخلاقي سيباك تقعد ضيف هنا.. لكن لو هاتطول لسانك هأطردك بره.

لم يصدق عبد الفتاح أذنيه، فلم يكن يتصور أن يسمع هذا الكلام من تلك الفتاة التي انتشلها من حياة العدم، ومن الطفل الذي عمل على تربيته.

جلس عبد الفتاح يبكي حاله، وما وصل إليه، وكيف للفنان الذي كان ملء السمع والبصر، وأضحك الملايين، ينتهي به الحال، لأن يستجدي امرأة خائنة، لتسمح له بقضاء ما تبقى له من عمره في بيته الذي لم يغادره طيلة حياته، وهو ما جعله يخضع لرغبتها في أن يطلقها، ما إن انقضت عدة زوجته، حتى تزوجت مسعود، ابنه بالتبني، وإمعانا في إذلاله أجبرته أن يكون أحد شاهدي عقد زواجهما، لتفرض عليه أن يبقى في حجرته لا يغادرها إلا بإذن خاص منها، وممنوع من مقابلة أي من أصدقائه الذين يأتون للاطمئنان عليه، كما لا يرد على الهاتف، وإذا كان أي من أصدقائه أو أسرته على الهاتف، قامت هي بالرد أمامه، لتؤكد لمن يتصل أنه قد أخذ العلاج ونام، من دون أن ينطق بكلمة واحدة، خوفا من أن تطرده خارج بيته، حتى عندما يظل ساعات طويلة جائعا بلا طعام، ممنوع أن يعترض أو يطلب طعاماً، خوفاً من المصير ذاته، وعليه في كل الحالات أن يلتزم الصمت.

شعر بعض الفنانين من الأصدقاء المقربين له، بقلق بالغ على عبد الفتاح، بعدما تعددت اتصالاتهم، وترددهم على البيت أكثر من مرة، وفي كل مرة لا تكون هناك سوى إجابة واحدة: «إنه نائم»، حتى كانت الزيارة الأخيرة لصديقتيه الفنانتين ماري منيب ونجوى سالم، فخرجت إليهما سهام وأكدت لهما أن عبد الفتاح غير موجود، وأنه خرج بصحبة شقيقته، ورفضت أن تدخلهما البيت، فاضطرتا لأن تنصرفا، غير أنهما لم تبتعدا خطوات عن المنزل، حتى توقفت ماري منيب ونظرت إلى نجوى سالم:

= اسمعي يا نجوى.. أنا الفار بيلعب في عبي

- مش فاهمة تقصدي أيه؟

= أنا حاسة إن الست البجحة دي بتكدب

- تقصدي أيه؟

= أقصد إن عبد الفتاح فوق.. وهي بتنكر إنه موجود.. يبقى أكيد الراجل فيه حاجة

- طب والعمل.. تيجي نبلغ البوليس

= وليه بوليس ودوشة وشوشرة.. وإحنا شوية.. تعالي.

طريق النهاية

طرقت ماري منيب الباب مرة أخرى، وما إن فتحت سهام الباب، حتى أزاحتها بقوة، وداهمت المنزل، وهي تبحث عنه في كل الغرف، حتى وجدته في غرفة صغيرة يجلس صامتا وقد وجه نظره إلى الشباك:

= عبد الفتاح أزيك..

* أهلا وسهلا

= طمني عليك عامل أيه دلوقت؟

* أنتوا مين؟

= يانهار أسود.. أنت مش عارفنا يا عبده؟

* عدم المؤاخذة مش واخد بالي

= أنا ماري منيب ودي نجوى سالم

* أهلا وسهلا.. عايزين مين؟

سمعت ماري منيب كلماته، وانهارت في البكاء، وعلى الفور ساعدته في ارتداء ملابسه، وخرجتا به وسط مقاومة شديدة من سهام لتمنعهما من الخروج به حتى لا يفتضح أمرها، غير أن ماري استطاعت ذلك بمساعدة نجوى، ونقلتاه على الفور إلى مستشفى «الدمرداش» للعلاج على نفقتهما الخاصة، فاستقبله الدكتور زكي سويدان، رئيس قسم الأمراض الباطنية، بطب «عين شمس»، وكوّن فريقاً من الأطباء للكشف عليه، وعمل التحاليل والفحوصات اللازمة، وأخبرهما بحقيقة مرضه:

= خير يا دكتور

- خير إن شاء الله.. للأسف وصوله المستشفى أتأخر أوي

= أنا كنت عارفة.. منها لله

- عموما اللي عنده ده طبيعي نتيجة تصلب الشرايين

= تصلب الشرايين يخليه مش فاكرنا ولا عارفنا.. ده زي ما يكون فاقد الذاكرة

- طبعا بالتأكيد.. مافيش دم واصل للمخ.. مع سوء حالته النفسية.. ورغبته في رفض الواقع اللي هو عايشه زي ما فهمت منك.. كل ده يوصلنا للنتيجة دي.. لكن اطمني.. دي حالة مؤقتة.. ممكن يسترد ذاكرته ويتحسن بالعلاج.

تكفلت الفنانتان ماري منيب ونجوى سالم بمصاريف علاجه بالمستشفى، التي مكث فيها أسابيع، استرد فيها ذاكرته، وبعض عافيته، واستطاع التعرف عليهما، بل وأصبح يجلس معهما ليستعيد ذكرياتهم معا في فرقة نجيب الريحاني.

بعد ما يقرب من شهر ونصف الشهر قضاها في المستشفى، خرج القصري متوجها إلى بيته بصحبة شقيقته بهية وصديقتيه ماري ونجوى، فاصطدم بكارثة جديدة، إذ اكتشف أن «مصلحة التنظيم» اغلقت منزله ووضعت عليه «الشمع الأحمر» تمهيدا لإزالته، بعدما تهدم جزء منه، واضطرت زوجته السابقة إلى بيع كل أثاث المنزل وتركه هي وزوجها «مسعود» من دون أن يعرف أحد لهما مكانا.

أصبح القصري في الشارع بلا مأوى، ولم تكن الحالة المادية لأفراد أسرته تسمح بالعيش لدى أي منهم، بمن فيهم شقيقته بهية، فاتصلت نجوى سالم بمحافظ القاهرة صلاح دسوقي الششتاوي، وشرحت له موقف عبد الفتاح، فخصص له على الفور شقة من محافظة القاهرة في مساكن «الشرابية»، وخصصت له ماري منيب إعانة شهرية من «نقابة الممثلين» قيمتها 10 جنيهات.

انتقل عبد الفتاح إلى شقته الجديدة برفقة شقيقته بهية، بعدما قامت نجوى سالم وماري منيب، وبعض أعضاء فرقة الريحاني بتأثيث الشقة، وشراء تلفزيون له لمشاهدة أفلامه وبعض مسرحياته التي تم تصويرها.

نقلت نجوى سالم صورة معاناة عبد الفتاح إلى الصحافة، لفضح تلك الفتاة التي قضت على أحد أهم نجوم السينما والمسرح، بسبب أطماعها المادية، هي ومن أطلق عليه «ابنه بالتبني»، وشاركت الفنانة هند رستم في نقل حالته إلى بعض المقربين منها في الوسط الفني، ووصل الخبر إلى جريدة «الجمهورية» التي جعلت من الترويج لنكبته معبرًا لكل راغب في الشهرة أو في المزيد منها، عندما نشرت اسم كل فنان وقيمة تبرعه للفنان عبد الفتاح القصري.

في مساء اليوم الذي نشر فيه الخبر، زارته الفنانتان ماري منيب ونجوى سالم قبل أن تذهبا إلى المسرح، وكانتا تشاركان في مسرحية «إلا خمسة» لفرقة مسرح الريحاني، أمام الفنان الشاب عادل خيري، وقبل أن تنصرفا أبدى لهما عن أمنية يتمنى تحقيقها:

* نفسي أقف مرة تانية على خشبة المسرح.. نفسي أشم ريحة خشبة المسرح.. وأحس بنفس الجمهور اللي وحشني أوي

= تصدق أنك ابن حلال

* دي حاجة أنا أتأكدت منها بنفسي من أبويا قبل ما يموت

= يووه جاتك أيه يا عبده.. أنا قصدي أننا رايحين دلوقت المسرح.. أصلنا بنعرض «إلا خمسة» فاكرها يا عبده.. فاكرها

* ودي حاجة تتنسي برضه.

اصطحبت ماري منيب ونجوى سالم عبد الفتاح إلى مسرح الريحاني، ليظل على كرسي متحرك طوال المسرحية يشاهدها من الكواليس، وما إن انتهى العرض، وقام الجمهور بتحية الممثلين، حتى اتجهت ماري منيب بسرعة إلى كواليس المسرح، وأدخلت القصري إلى خشبة المسرح، وما إن شاهده الجمهور حتى ضج بالتصفيق، وظل يصفق أكثر من خمس عشرة دقيقة، وهم وقوف، حتى اضطر القصري إلى الوقوف من فوق الكرسي ليرد لهم التحية، ودموعه تنهمر من دون توقف.

شعر عبد الفتاح بأن روحه ردت إليه بسبب استقبال الجمهور له بهذه الحفاوة، وتأكد أن ما قدمه لم يضع هباء، وأنه استطاع بالفعل عبر تاريخه أن يسعد هؤلاء وغيرهم الملايين، ورسم البسمة على شفاههم، وكان سببا في إسعادهم، مثلما أسعدوه اليوم، فنام القصري سعيدا لأول مرة منذ أكثر من عامين، غير أنه لم يكن يدرك أنه الوداع الأخير، لتفيض روحه إلى بارئها في صباح اليوم التالي الأحد الثامن من مارس 1964، وكأن القدر أراد له أن يكون مشهد النهاية سعيدا.

ممرضة شابة ألقت بشباكها حول القصري فقرر الزواج منها رغم فارق السن

الزوجة الحسناء حصلت على كل ثروة القصري ثم هددته بالطرد من بيته

القصري سقط مريضاً بسبب خيانة زوجته وابنه بالتبني وزواجهما

ماري منيب ونجوى سالم تكفلتا بعلاجه.. وحققتا له أمنيته الأخيرة