صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4864

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

الإسلاميون والسادات... الأفاعي تتلاعب بالحاوي

تعد قضية اغتيال الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات في أكتوبر 1981، قمة المأساة، وذروة فصول رواية العنف والدم والإرهاب في مصر، فكل ما جرته أفكار التكفير والجهاد ضد الدولة المصرية، تحت شعارات جاهلية المجتمع المعاصر، كانت خطوط الأزمة تتجمع، ساعد السادات في الوصول إلى لحظة الانفجار سريعاً، مرة بالتحالف مع الإسلاميين ومرة أخرى بالمضي قدماً في سلام منفرد مع إسرائيل.

تقدم الرئيس السادات الصفوف، يحتفي بذكرى انتصاره على إسرائيل في 6 أكتوبر 1973، لم يكن يشغل باله الكثير من الأمور، على الرغم من أن البلاد كانت على حافة الانفجار، خريف الغضب يكاد يقذف برياح تقتلع أوتاد النظام وتلقي بها في مهب المجهول، معظم رموز القوى السياسية كانت في السجون، بابا الأقباط كان ينتظر حكماً بالإعدام، الشيء الوحيد الذي كان يشغل السادات، إنهاء الاحتلال الإسرائيلي في سيناء، وتدعيم علاقاته مع الولايات المتحدة الأميركية، الحليفة الجديدة التي سلمها 99 في المئة من أوراق اللعبة السياسية في منطقة الشرق الأوسط، لكن الهزيمة جاءت من حلفاء الداخل.

لم يدرك السادات أن ألاعيب الحواة الذين شاهدهم أيام نشأته في قرية ميت أبوالكوم في محافظة «المنوفية»، ولا تجربته السياسية العريضة والممتدة منذ الأربعينيات، لن تشفع له، لكي يروض أفاعي التكفيريين والجهاديين، الذين فتح لهم السجون منذ مطلع السبعينيات، في لعبة سياسية أراد منها الاستعانة بخصوم سلفه جمال عبدالناصر، خصوصاً جماعة «الإخوان المسلمين»، للقضاء على التجربة الناصرية، والقضاء على مكانة عبدالناصر في العقول والقلوب، والعمل على تكريس زعامة «الرئيس المؤمن»، صاحب شعار دولة «العلم والإيمان»، لكن هل كانت حسابات السادات الخاصة بتحالفاته مع الإخوان والإسلاميين في الداخل وأميركا في الخارج صحيحة؟.

كانت جماعة «الإخوان المسلمين» في مطلع السبعينيات منهكة، مهيضة الجناح، تعرضت لضربات قوية من قبل نظام عبدالناصر، استطاع الأخير أن يستأثر باهتمام الجماهير المصرية التي عشقته حتى الوله، لم تهتم كثيراً بأفكار الإسلام السياسي، الذي لم يجد سوقاً رائجة لأفكاره في مصر عبدالناصر، ما أدى إلى مغادرة معظم قيادات الجماعة إلى السعودية ودول الخليج، فيما ألقي بمن بقي منهم في سجون النظام، وعندما توفي الزعيم في سبتمبر 1970، كانت الجماعة على وشك إعلان الوفاة، لكن السادات بعدما تخلص من القيادات الناصرية فيما عرف بثورة «التصحيح» 15 مايو 1971، بدأ الاستعانة بالإخوان، وأعطى لهم قبلة الحياة.

عندما وصل السادات إلى سدة الحكم بدأ العمل في البحث عن حلفاء جدد، يستطيع من خلالهم العمل على تثبيت سلطته في مواجهة الناصريين، كان يريد مساحة من السلطة لا تقل عن سلفه، ويقول اللواء فؤاد علام، في كتابه المهم «الإخوان وأنا»: «لو قرأ السادات سطراً واحداً من ملف مؤامرات الإخوان المسلمين، لأراحنا واستراح، ولا كانت مصر وقعت في بداية السبعينيات، وراح هو ضحيتها في أوائل الثمانينيات، فعند وفاة عبدالناصر لم يكن في السجن من الجماعات الإسلامية الدينية سوى 118 فقط، منهم 80 من الإخوان المسلمين المتشددين، مثل عمر التلمساني، ومحمد قطب، ومصطفى مشهور، و38 من جماعات التكفير، أبرزهم علي عبده إسماعيل، وشكري مصطفى».

«مش معقول... مش معقول... مش معقول» آخر ما قال السادات، كلمتان تعكسان حجم الصدمة التي تلقاها السادات مع الرصاصات التي سكنت جسده، لم يكن يتصور أن الرصاصات قادرة على الوصول إليه في يوم عرسه، كانت صدمته ستتضاعف ولا شك لو امتد عمره قليلا ليعرف أن من مد يد القتل إليه كان من أبناء تيار الإسلام السياسي، أبناء السادات الذين أخرجهم من السجون وأواهم وفتح لهم شارع السياسة والجامعات بشكل شبه حصري، وحماهم من الملاحقات الأمنية، ولكن من يأمن للأفاعي فلن ينجو من لدغة قاتلة.

غاب عن السادات وهو يستدعي ذكريات صداقة قديمة مع حسن البنا والإخوان، عمق التغيرات التي جرت في تيار الإسلام السياسي، وجعلته أكثر عنفاً ورغبة في سفك الدماء، بعدما سيطرت أفكار التكفير وجاهلية المجتمع والحاكمية.

يرصد محمد حسنين هيكل في كتابه «خريف الغضب»، هذه التغيرات قائلاً: «عندما رحل جمال عبدالناصر عن هذه الدنيا، وجاء أنور السادات إلى رئاسة الجمهورية، كان هناك جيل جديد تحت الأرض من الجماعات الدينية، كانت السجون قد صهرتهم وقوت استعدادهم للتضحية، ولم يكن إلهامهم هذه المرة من أفكار حسن البنا، الذي بدا لهم تاريخاً مضت أيامه، وإنما كان الأساتذة الجدد هم أبوالأعلى المودودي، الذي أصبح لهم إماماً، وسيد قطب الذي أصبح بالنسبة إليهم شهيداً، لقد دخلوا إلى إطار الفكر المطلق حيث لا مساومة ولا تعايش بين مجتمعين وعقيدتين، لم يعد أمامهم إلا الجاهلية أو الإسلام، وإلا حاكمية البشر تعترض الطريق أمام حاكمية الله.

وكانت سياسات الانفتاح بكل آثارها الاقتصادية والاجتماعية، وزيادة ظهور النفوذ الأجنبي بكل ما يمثله من دواعي الكفر، وكانت سيادة قيم مجتمع استهلاكي تمادت فيه ظواهر الانحلال، كانت تلك كلها عوامل جديدة وقوية أضافت إلى شعورهم بعدالة هدفهم.

بدايات     

بدأ السادات توثيق علاقته بالإخوان في فترة مبكرة، وهو ما أكده القيادي الإخواني عمر التلمساني المرشد في ما بعد في كتابه «ذكريات لا مذكرات»: «في عام 1973 جاء فضيلة الشيخ سيد سابق، وأخبرني بأن أحمد طعيمة، وكان وزيراً للأوقاف، أخبره بأن السادات على استعداد للقاء بعض الإخوان المسلمين المعروفين لإزالة ما في النفوس، والتعاون على خدمة الوطن، وكان ذلك قبل إبعاد الخبراء السوفيات بقليل، فرحبت بالفكرة، وعرضت الأمر على فضيلة المرشد حسن الهضيبي، فقال إن الفكرة لا بأس بها إن صحت النوايا، ثم طلب مني الشيخ سيد سابق، طبقاً لما طلب منه السيد أحمد طعيمة، أن أقوم بتكوين لجنة من الإخوان تقابل السادات في الإسكندرية، لوضع الصيغة النهائية للاتفاق، واتصلت بأحمد طعيمة وأعلمته بأسماء الإخوان الذين سيقابلهم السادات، ثم حدث توقف تام».

لكن الاتصالات استمرت، يقول التلمساني: «في مرة أخرى طلب مني عثمان أحمد عثمان، وكان وزيراً للإسكان أن تلتقيه مجموعة منا، فذهبت مع الدكتور أحمد الملط والحاج حسني عبدالرزاق والأستاذ صالح أبورقيق وقابلناه، فرأى أنه من الخير أن نقدم للسادات وجهة نظرنا في الإصلاح كتابة حتى يدرس الأمر في روية وعلى مهل، فكتبنا له وجهة نظرنا في تسع صفحات «فولسكاب» حملها له عثمان أحمد عثمان، ثم كانت لي مقابلات مع محمد حسني مبارك، وكان نائباً لرئيس الجمهورية في ذلك الحين، لقيته في منزله في مصر الجديدة منفرداً مراراً، ومعي الأستاذ مصطفى مشهور مرات أخرى للإجابة عن بعض الاستفسارات عن بعض ما جاء بتلك الصفحات التسع، ثم انتهى الأمر إلى صمت مطبق وتوقفت اللقاءات».

ومن أهم الشهادات التي ترصد كيفية ارتباط الإخوان بنظام الرئيس السادات، ما أورده محمد حسنين هيكل في كتابه «خريف الغضب»، إذ يقول: «ومضت السنوات، والآن أصبح الإخوان المسلمون شأنهم شأن غيرهم من القوى في مصر، يدركون رغبة نظام السادات في التعاون مع العناصر الدينية، ووجد بعضهم رعاية خاصة من أحد الأصدقاء المقربين للرئيس، وهو المهندس عثمان أحمد عثمان... وبعد محاولة لاغتيال جمال عبدالناصر قام بها أحد أعضاء الجماعة، واجهت الجماعة أصعب ظروفها، وحكم بالإعدام على بعض قادتها، كما وضع في السجون عدد آخر منهم، وفر من استطاع إلى الخارج، ووجد بعضهم مجالاً فسيحاً في مشروعات عثمان أحمد عثمان الذي كانت ظروف التحول الاشتراكي في مصر قد جعلته يتوسع في نشاطه خارجها.

كان على استعداد لأن يعطيهم وظائف في مشروعاته، ومساعدتهم في الحصول على أعمال خارج مشروعاته، وبعد تغير الظروف في مصر عاد بعضهم إليها ومعهم بعض ما جمعوه من مال، ولقد عادوا إلى مصر ليجدوا أن عثمان أحمد عثمان قد أصبح قوة كبيرة فيها بقربه من الرئيس السادات، كان مازال صديقاً لهم، وكان من حوافزه للاحتفاظ بهذه الصداقة أنه يشاركهم العداء لجمال عبدالناصر ولتجربته في التحول الاشتراكي، إلى جانب أنه كان حريصاً على الحصول على تأييدهم للسادات كقوة في الشارع تواجه من كان يسميهم بالناصريين والشيوعيين، ولقد راح يحاول إقناعهم بالتعاون مع السادات، بل إنه كان يبدو أمامهم مفوضاً من السادات بالتعامل معهم، ولقد حمل إليهم تطمينات كثيرة باسم الرئيس، لكن بعضهم كان لا يزال متشككاً، فقد بدا لبعضهم أن سياسات السادات في تقليد الغرب غير ملائمة، بمقدار ما بدت لهم سياسات عبدالناصر التقدمية خطراً على فكرهم التقليدي».


استمرار الاتصالات

لكن الاتصالات لم تتوقف بين الطرفين، اللواء فؤاد علام الذي تولى ملف الإخوان في جهاز مباحث أمن الدولة في تلك الفترة المرتبكة، يقول: «أما نجوم الإخوان الذين انتشروا في السبعينيات فقد لعبوا على الجميع، وأوهموا السادات بأنهم حلفاؤه، واتصلوا من وراء ظهره بالجماعات المتطرفة وأمدوهم بالمال والدعم، وتم تكبيل مباحث أمن الدولة عن متابعة نشاطهم، والمفروض أن هذا الجهاز هو قمة العمل الفني في جهات الأمن السياسي، والمسؤول عن اختراق التنظيمات السرية وكشف أبعادها ومخططاتها، وعناصرها القيادية والمحركة، ودور كل واحد فيهم، والمهام المكلف بها.

ولو حدث الاختراق بطريقة علمية وفي توقيت مناسب وحجم مناسب لأمكن إجهاض هذه المخططات وتلافي آثارها، ولكن ما حدث أيام السادات هو تفريغ جهاز مباحث أمن الدولة من كثير من كوادره، وحدثت فجوة كبيرة جداً في تتبع نشاط هذه الجماعات.

ويعبر علام عن مدى الضيق الذي عاناه رجال الأجهزة الأمنية الذين قدموا الكثير من التقارير التي لم تلق السلطة السياسية أي اهتمام لمناقشتها، يقول: «كان دور الأمن في هذه الفترة خطيراً وحساساً، خطيراً لأنه يرى بداية شبح التطرف والإرهاب ينتشر بصورة لم تحدث، وحساساً لأن رغبة الأمن في وقف هذه التحركات تتعارض مع رغبة القيادة السياسية، ولكن هذا لم يمنعنا من أداء دورنا، ورفعنا تقارير متتالية إلى القيادة السياسية نحذر من الخطر الذي نتوقعه من انتشار هذا التيار بالذات في الجامعات، وأن الإخوان يعودون من جديد في صورة أكثر عنفاً وشراسة على يد أبنائهم في الجامعات».

يتابع علام قائلاً في كتابه «الإخوان وأنا»: «وكانت كل الطرق تؤدي لسيطرة الإخوان على الجامعات، والأمر الخطير أن مؤسسات الدولة بدأت تدفع الإخوان في هذا الاتجاه، لأنها كانت رغبة الرئيس وتقديم فروض الولاء والطاعة له، ولما زادت معارضة جهاز الأمن على هذه التصرفات، تم تنفيذ عملية اختراق الإخوان للجامعات دون تنسيق مع الأمن، بل كان هناك حرص على إبعاد مباحث أمن الدولة عن هذه العملية، والتمويه حتى لا تعلم شيئاً، وحدث اجتماع لهم في مقر الاتحاد الاشتراكي حضره السيد محمد إبراهيم دكروري ومحمد عثمان إسماعيل، واتخذ القرار السياسي بدعم نشاط الجماعات الدينية مادياً ومعنوياً، واستخدمت أموال الاتحاد الاشتراكي في طبع المنشورات وتأجير السيارات وعقد المؤتمرات، وأيضاً في شراء المطاوي والجنازير».

وأضاف: «عرضت كل التجاوزات التي كانت تحدث أولاً فأولاً على الرئيس السادات، منها شكاوى الأخوة المسيحيين في أسيوط من تصرفات الجماعات الدينية والإخوان المسلمين، وحذرنا من تنامي بذور الفتنة الطائفية، التي بدأت باعتداءات فردية على الكنائس، ووصلت ذروتها بحوادث الزاوية الحمراء، وبهذا الأسلوب بدأ الإخوان في فتح الأبواب الخلفية للمنصة، وكانت سياسة المهادنة التي انتهجها السادات بمنزلة عودة الروح لمليونيرات الإخوان، الذين فروا للخارج وعاشوا في دول الخليج، ومن أبرزهم سعيد رمضان الذي مول معظم حركات الإرهاب في السبعينيات والثمانينيات... أسس سعيد رمضان «المركز الإسلامي» في جنيف بسويسرا، وكانت مهمته تصدير المؤامرات لمصر، وإعادة إحياء نشاط الإخوان».

... يتبع

ما  بعد الإخوان

لم يكتف نظام السادات بالتحالف مع الإخوان، لأن الجماعة كانت منهكة من ضربات الستينيات التي تركتها مفتتة الأركان تعاني غياب الكوادر والقدرة على الانتشار في الشارع، فلم تستطع الجماعة تلبية جميع احتياجات نظام السادات، خصوصا أنها فشلت في السيطرة على تيار الإسلام السياسي الذي شهد تغيرات عميقة، جعلت فكرة التقية والتدرج الإخوانية غير مقبولة داخل أبناء التيار، الذين اعتنقوا الأفكار الأكثر تشدداً ورغبوا في حمل السلاح وإعلان الجهاد المسلح ضد الأنظمة العربية الكافرة، وهي أفكار تم انتزاعها من كتابات سيد قطب وأبوالأعلى المودودي، وتم تطبيقها عملياً على يد صالح سرية وشكري مصطفى وغيرهما كثير.

ويرصد التلمساني انفتاح نظام السادات على الجماعات الأكثر تشدداً، والتي خرجت من تحت عباءة الإخوان، لكن العجيب أنه جاء في معرض رفضه لهذه الظاهرة، وكأنه كان يريد أن تظل علاقة السادات بالجماعات الإسلامية عبر الإخوان بشكل حصري، يقول التلمساني: «ولما فشلوا في عدة محاولات «من قبل النظام لإضعاف الإخوان» رأوا أن يضربوا الإخوان المسلمين بأيد مسلمة، فقامت في مصر جماعات إسلامية لا حصر لها تحت أسماء مختلفة وبرامج متباينة، لا هم لها كلها إلا محاربة الإخوان المسلمين، تتهمهم بما لا يتهمه به من غير المسلمين أو المتأسلمين، هذه حقيقة عرفها الكثيرون، وأرخى النظام الحبل لهذه الجماعات ومدوها بالأسلحة والمعونات المادية والأمكنة لتكون لهم مقراً حتى إذا استفحل أمر هذه الجماعات تنكرت لمن أقاموها، وكانت النتائج ما نراه ونقرأه ونسمع».

لكن التلمساني يناقض نفسه عندما صاح وسط جمع كبير من الناس، مخاطباً الرئيس السادات قائلا: «أتمنى أن يطول عهد حكمك إلى أبعد مدى»، ولما عاتبه البعض قال: «كان هذا إحساسي نحوه حقاً، لأننا في مدة حكمه أعدنا إصدار مجلة «الدعوة» في ثوبها القشيب، وكنا نقيم الاحتفالات في المناسبات الدينية وغيرها، نقول فيها ما نشاء في جرأة ووضوح، لا نخشى فيما نقول إلا الله».

ويعلق رفعت السعيد على موقفي التلمساني قائلاً: "إنها المراوغة المتبادلة، وربما النفاق المتبادل، يتحالف الطرفان وكل منهما يضرب الآخر من تحت الحزام".

في أجواء السبعينيات المرتبكة، بدأت جماعة إسلامية تخرج إلى ساحة العمل السياسي، خرجت من رحم جماعة الإخوان، لكنها استغلت ضعف الحركة الأم للعمل على الحلول محلها، كانت "الجماعة الإسلامية" تمتلك أيديولوجية أكثر جاذبية عندما ظهرت وسط جموع الطلاب في الجامعات المصرية منذ مطلع السبعينيات، منذ أن دشنها صلاح هاشم في جامعة أسيوط "جنوب مصر"، بعدما اعتنقت فكر التغيير بالقوة على أسس جهادية، وكانت الجماعة هي البوتقة التي انصهرت في رحمها جميع التغيرات والإضافات التي دخلت على فكر التيار الإسلامي، وكانت الجماعة بحق العنوان الأبرز لهذا التيار معظم سنوات السبعينيات، ولا أدل على ذلك من أن معظم قيادات الإخوان فيما بعد انخرطوا في نشاط الجماعة الإسلامية في السبعينيات، ويكفي أن نذكر عبدالمنعم أبوالفتوح، وعصام العريان، وأبوالعلا ماضي، وحلمي الجزار وغيرهم.

كانت الجماعة الإسلامية بعد أن سيطرت على صدارة التيار متخطية جماعة "الإخوان"، وهو السبب في تعبير التلمساني عن استيائه من رغبة السادات في التحالف مع غير الإخوان، في إشارة إلى نشاط الجماعة الإسلامية، التي تلقت دعماً هائلاً من الرئيس السادات، لكن ما لم يؤخذ في الحسبان أن الأفكار داخل مجموعات من أبناء الجماعة الإسلامية بدأت تتجه إلى تبني فكر الجهاد، خصوصاً بعد توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل 1979، في وقت بدأ تنظيم "الجهاد" الإسلامي في النشاط مستغلاً قرارات السادات العجيبة، والذي دخل في خصومة مع المثقفين وألقى ببابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، شنودة الثالث في الدير، تمهيداً لاستصدار قرار بإعدامه، فيما قرر حبس ما لا يقل عن 1500 شخصية عامة والمعارضة، وكانت سياساته الاقتصادية سبباً في تفشي السخط العام بين المواطنين، وكانت كل المؤشرات تؤكد أن البلاد وصلت إلى مرحلة الأزمة وعلى وشك الانفجار.