آب 2009.

حشد وصخب وصياح عند بوابة المدخل.

Ad

"يا قضاة الناس لا تكونوا جلاديهم”

"العدل أساس الملك”

"لك يوم يا ظالم”

"السجناء بشر وليسوا كلابًا”

"ذنب البريء أن لا نصير له”

"إرحموا أهلنا وأولادنا يرحمكم الله”

"يا أصحاب النخوة والضمائر الحية... باسم العدل والرحمة والإنسانية والأخلاق ساعدونا حتى نطعم ونكسي أولادنا المسجونين”

هذه عينة من شعارات كثيرة كانت سابحة فوق مدّ بشري عملاق في الساحة أمام بوابة مدخل السجن.

مئات من الرجال والنساء توافدوا منذ الصباح إلى الساحة عند المدخل رافعين أصواتهم ولافتاتهم.. وما يميز التظاهرات في ربوعنا الصغيرة هذه ليس البيان الحضاري المهذب.. فالتظاهرة هنا دائمًا والسجالات لها نكهتها الخاصة! ولها مازتها من اللعن والسباب والشتائم، كما جلسات الكيف واللذة لا تطيب بغير النكات البذيئة.

رجال أمن منتشرون على حدود الجماهير. صحافيون يقفزون بكاميراتهم من مكان إلى آخر ليتصيدوا حديثًا.. تارةً من متظاهر متحمس وطورًا من ضابط أمن.. أو من سائق عمومي يلعن يومه وسوء طالعه، حديثًا يكون نارًا تلتهم أقلامهم ومقالاتهم، وقد تحرق ألسنة هذه النار أو تدفئ أو تنير! ومهنة الإعلامي يؤرجحها أبدًا حبلان: وجع الناس ووجع الراس! أصوات المتظاهرين متشابهة.. لأن الدموع المرة تتدفق دائمًا من نبعة واحدة هي الألم. قلوب زاحفة تشدها طلبة واحدة "علة” واحدة، وكذلك الترياق الواحد. سهام الرماة الجائعة تتسابق نحو الطريدة الواحدة، ومرضى المعدة لا يجتمعون إلا عند باب طبيب الجهاز الهضمي. جمّ غفير وآمال كثيرة وعناوين تنشر على حبال الإعلان والإعلام.. أرادوها صرخةً مسموعة.. مدوية! ولكن آذان السامعين هنا تسمع ولا تعي.. وعيونهم ترى ولا تبصر، وقلوبهم كعليقة موسى تلتهب ولا تحترق.

هتافات صياح تدافع بالأيدي مطالب بيانات خطابات.. تلاسن إشكالات رمي حجارة إشعال دواليب قطع طرق.. عيارات نارية في الفضاء صهاريج مياه كبيرة ضرب بالهراوي الغليظة.. ولا يخلو الأمر من سقوط جرحى أو قتلى... إنها التتبيلة الشهية التي تلقمها اليوميات لأسماع العامة وعيونهم. والوطن الصغير هذا بات تربةً صالحة لبذار الذات الداخلية الصغرى والذات العالمية الكبرى! كالطفل تغريه قطعة الحلوى وتزجره عبسة الحلواني. لقد أصبح البلد نسيجًا غريبًا من ماض غير متفق عليه وحاضر بيع لآت لا يأتي، ومستقبل نهتز تحت قدميه حجارة الموزاييك الداخلي الرك: ماض ممزق وحاضر كسيح ومستقبل مرهون.

جمهور ملتهب كشمس آب اللاهبة! وزحمة السير الخانقة تلهب الأعصاب في صبيحة من صبيحات الصيف الحارة عند المدخل الشمالي للمدينة. بيد أن ناجي كان لاهيًا عن حر الصيف بلهيب شوقه لبداية أول يوم عمل له في الجمعية.

لا يدري ناجي كيف رحب به داخل أسرة العاملين في الجمعية.. لم يدرس العلوم الاجتماعية في الجامعة كسواه، ولا خبرة عمليه له في هذا المجال. ولكن إلحاحه ورسائله لمدير الجمعية المفعمة بعاطفة غامضة، ومعرفته القديمة بالجمعية ومديرها ومحاميها لعشرين عامًا.. أدت مهمة الإقناع بنجاح فقبل به.

ناجي العرم رجل بلغ الخامسة والأربعين في مسيرة غربته في هذه الدنيا، ولكن سنواته هذه تعب وبلية. ولد في بلدة من بلدات السفوح الغربية المشرفة على البحر، وميزة هذه البلدات أن أهلها لا هم قرويين ولا هم مدنيين! ففي هذه البلدات صفاء وجاذبية القرية وفيها كذلك نكهة الحركة والحذاقة المُدُنية. إنها توليفة رائعة لدروب القرية وشوارع المدينة، بساتين القرية ومتاجر المدينة، أقبية القرية الحجرية العتيقة وأبنية الهندسة المُدُنية الحديثة. وحياة الناس في هذه السفوح حافظت على بعض من عادات وتقاليد القرى.. ودفء العلاقات الإنسانية، ولكنها في الوقت عينه راحت تنهل من الحداثة والتكنولوجيا العصرية الباهرة! ولم لا؟! أمن الضرورة دائمًا أن يتحارب التقليد والحداثة؟! ألا يمكن أن يتحابا ويتعايشا في سلام؟! الحداثة لا تريد أن تلغي الذات التقليدية، بل أن تكمل وتزيد. عندما ظهرت السينما نعى بعضهم المسرح.. بيد أن  المسرح نما بقوة أكثر وزاد جمهوره واطرد. وعندما ظهر التلفزيون قال بعضهم بنهاية السينما والمسرح معًا. ولكن السينما والمسرح باقيان طائرين يحلقان ويستخدمان أجنحة وأرياش الوسائل العصرية الحديثة. في بلدتنا السفوحية يحب الأحداث "الدبكة” كما يحبون الكمبيوتر.. والأغاني الزجلية كما الأغنية الغربية.. ودق النواقيس ورفع المحادل والأجران كما التراسل عبر الهواتف الخلوية. وكذلك الحب له نكهته الخاصة في هذه البلدات السفوحية: فحيث أن الحب المُدُني يعيش في الأندية وصالات السينما والمقاهي المخملية الدافئة وكابينات الهواتف العمومية، وفي رحاب الجامعات وعلى الشطوط الرملية "والسناسيل” وفي السهرات الصاخبة. وفي الآونة الأخيرة في التظاهرات! والتظاهرات الكبرى فضاآت رائعة لنشوء العلاقات الحميمة بين الأحداث والشبيبة خصوصًا بعد السجال السياسي العنيف و”ما إلك صديق إلا بعد خناقة”.

أما في البلدات السفوحية فالحب أعمق لسبب عمق العلاقات الإنسانسة وحرارتها. يولد الحب هنا في باحة الكنيسة يوم الأحد.. ويتغذى في ساحة البلدة وينمو وراء القبو الحجري التيق.. ويشب تحت قنطرة ويقوى قرب الدكاكين ويضحك على درب المقابر ويبكي في بساتين التيم والزيتون.. ويتواعد تحت صفصافة ويتخاصم عند مياه السبيل ويتصالح في "القهوة” ولكنه الحب هو هو جردًا وساحلاً شرقًا وغربًا سهلاً وجبلاً. الحب لا جغرافيا له ولا تاريخ ولا بيئة ولا مجتمع ولا تقليد.. إنه فقط باحث عن الحياة.. وحيث الماء والهواء يعيش الحب.

في بيت محافظ أمين على الموروث من القيم وحب الآخر نشأ ناجي. لا شيء يميز طفولته وحداثته عن مجايليه، كبر أمام عيون ذويه عاقلاً رائقًا، قامة ربعة وبشرة حنطية وعينان مشرقتان، أنف دقيق وشفتان زهريتان لامعتان، يعشق الموسيقى وكرة القدم. درس الهندسة المعمارية ونال الشهادة وأحب وتزوج. بيد أن الحقيقة المرة التي يعرفها كل الناس هي أن زواجه من حبه الأول والوحيد أودى به إلى التهلكة. أمضى الشاب ناجي زهاء عشرين عامًا في السجن خبيئًا منسيًا. والحياة تعبر أحلامًا تلو أحلام. إنها كالتكنولوجيا سريعة في رحلتها وتعيناتها. الحياة خارج السجن كالزئبق تفر من بين الأصابع.. ولكنها في الداخل دستور معلق إلى أجل غير مسمى. السجين حي وميت في آن معًا! بل السجن هو "بروفا للموت” ومسموح للسجين أن يحيا في أحلامه فقط. إن البناء النفسي للسجين يفتته صدأ كصدأ المحرك الذي لم يستعمل منذ سنوات. توقفت حياة ناجي عشرين عامًا بيد أن حياة الآخرين واصلت مسيرتها.. والمرء الذي تسبقه الحياة تغطيه بغبار عدوها وضجيجها، كفرس جموح يطرح عنه كل من لا يحسن ركوبه.

يذكر ناجي جيدًا ذلك اليوم الماطر الذي خرج فيه إلى الحرية. كان يومًا عاصفًا من أيام كانون الثاني 2003. عناصر أمن قلائل بلباس النايلون، وسائقون عموميون لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد، ومبنى الجمعية كأن لا حياة فيه، والأمطار الغزيرة تصده أن يرجع أدراجه إلى ظلمة السجن وممراته العفنة الكئيبة. لا أحد في انتظاره عند البوابة.. وثب بسرعة تحت المطر إلى الردهة الزجاجية المسقوفة بالقرميد عند مدخل بناء الجمعية (عطاء بسرور). نفض الرذاذ عنه وفرك راحتيه ثم أشعل لفافة. (عطاء بسرور) هو اسم الجميعة التي تعنى بشؤون السجناء وتأهيلهم ومساعدتهم قضائيًا. عبر ناجي الردهة إلى الداخل واقترب من شباك الاستعلامات الزجاجي.. عرفته عائده موظفة الاستعلامات:

- مبروك يا ناجي على إخلاء السبيل! حمدًا لله على السلامة.

فأجاب ناحي بنبرة لا بهجة فيها ولا حياة:

- شكرًا لك يا عايدة.. أنت عايده أليس كذلك؟

- أجل أنا عايدة يا ناجي، قل ماذا تريد؟ بم أستطيع أن أخدمك؟

قال ناجي بهدوء بنم عن عدم وجود أي عجلة من أمره.. وكأن السجن عطل فيه جهاز استشعار الزمن.. أو أن ما فات مات بالنسبة إليه.. ولا أهمية الآن لعدّ الدقائق والأيام.. ولا حتى السنين.

- هل السيد كميل موجود؟

فأجابت عايده من وراء الزجاج بلطف واهتمام:

- ليس موجودًا.. ولكن سيكون هنا في غضون نصف ساعة. إجلس وانتظر سأطلب لك فنجان إسبريسو.

- شكرًا لك أنت لطيفة.. أفضل القهوة لو سمحت.

مر نصف الساعة وناجي جالس في زاوية الردهة لا حس ولا حركة في المكان. ألفى ناجي نفسه أيضًا ينتظر.. فكأنه انتقل من سجن صغير إلى سجن أرحب. وهل السجن غير الانتظار؟ نحن سجناء ما ننتظر. إذا كان المرء راهبًا في هيكل ذكرياته فهو حبيس ماضيه، والحاضر دائمًا حالة انتظار إلى أن يبدأ المستقبل، والمستقبل بدوره سجن لما يليه. إذا كان الانسان ينتظر السعادة هو سجين الكآبة، وإذا كان ينتظر النجاح فهو سجين الجهاد، وإذا كان ينتظر الثروة فهو سجين الفقر، وإذا كان ينتظر الحب فهو سجين الوحدة، وإذا كان ينتظر الحقيقة فهو سجين الوهم، وإذا كان ينتظر الموت فهو سجين الحياة! هكذا الحياة تمرحل وصيرورة من سجن إلى آخر حتى يصل المرء إلى الحرية الكاملة الحقيقية عند انحلاله من ثوبه المائت! ولكن إلى أين!

دخل السيد كميل ورأى ناجي جالسًا.. فاقترب وعانقه بحرارة:

- ناجي!! ألف مبروك على إخلاء سبيلك. الحمد لله على السلامة يا حبيبي.

- شكرًا لك يا سيد كميل.. الله سلمك. أنا مديون لك بحياتي، وقوفكم إلى جانبي كان دائمًا سبب عزاء لي.

- لا شكر على واجب يا ناجي هذه رسالتنا.. وواجبنا. تعال ادخل لنحتسي القهوة.

فقال ناجي بارتياح:

- لقد شربت لتوي فنجاني الثالث.