أثبتت سبع دراسات سابقة أن الفيتامينات تزيد خطر الإصابة بالسرطان ومرض القلب وتقصّر الحياة. مع ذلك، تناول أكثر من نصف الأميركيين في عام 2012 شكلاً معيناً من مكملات الفيتامينات. لكن لا يدرك كثيرون أن رجلاً واحداً مسؤول عن انبهارهم بالفيتامينات. كان ذلك الرجل محقاً لدرجة أنه فاز بجائزتَي نوبل ولكنه كان مخطئاً في الوقت نفسه لدرجة أنه اعتُبر أعظم دجّال في العالم.

في عام 1931، نشر لينوس بولينج دراسة في مجلة {الجمعية الكيماوية الأميركية} بعنوان {الطبيعة والرابط الكيماوي}. قبل نشرها، كان علماء الكيمياء يعرفون نوعين من الروابط الكيماوية: الرابطة الأيونية حيث تتنازل ذرة واحدة عن إلكترون لذرة أخرى؛ والرابطة التساهمية حيث تتقاسم الذرات الإلكترونات. لكن اعتبر بولينج أن الأمر ليس بهذه البساطة، بمعنى أن تقاسم الإلكترونات يقع في نقطة معينة ما بين الرابطة الأيونية والرابطة التساهمية. أحدثت فكرة بولينج ثورة في هذا المجال، فهو جمع بين فيزياء الكم والكيمياء. كان مفهومه ثورياً لدرجة أن رئيس التحرير الذي تلقى الدراسة لم يجد شخصاً مؤهلاً لمراجعتها وتصحيحها. حين سُئل ألبرت أينشتاين عن رأيه بأعمال بولينج، هز كتفيه وقال: {كان الأمر معقداً أكثر من اللزوم بالنسبة إلي}.

Ad

بسبب تلك الدراسة الوحيدة، تلقى بولينج جائزة لانجميور باعتباره أعظم عالِم كيمياء شاب في الولايات المتحدة، وبات أصغر شخص يتم اختياره في الأكاديمية الوطنية للعلوم، وقد أصبح أستاذاً في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا وفاز بجائزة نوبل في الكيمياء. كان يبلغ 30 عاماً فقط.

لم تقتصر إنجازات بولينج على مجال العلوم. اعتباراً من فترة الخمسينات (وخلال الأربعين سنة اللاحقة)، اعتُبر أهم ناشط سلام في العالم. عارض بولينج اعتقال الأميركيين اليابانيين خلال الحرب العالمية الثانية، ورفض عرض روبرت أوبنهايمر بالعمل على {مشروع مانهاتن}، ووقف في وجه السيناتور جوزيف ماكارثي حين رفض أن يقسم يمين الولاء، وعارض الانتشار النووي، وتجادل علناً مع مؤيدي استعمال الأسلحة النووية من أمثال إدوارد تيلر، وأجبر الحكومة على الاعتراف بأن الانفجارات النووية قد تسيء إلى الجينات البشرية، وأقنع غيره من الفائزين بجوائز نوبل بمعارضة حرب فيتنام، وألّف كتاباً حقق أعلى المبيعات بعنوان {لا مزيد من الحرب!} (No More War!). ساهمت جهود بولينج في إقرار معاهدة حظر الاختبارات النووية. وفي عام 1962 فاز بجائزة نوبل للسلام، وكان أول شخص على الإطلاق يفوز بجائزتَي نوبل من دون أن يتشاركهما معه أحد.

فضلاً عن اختياره في الأكاديمية الوطنية للعلوم وفوزه بجائزتي نوبل وحصوله على الميدالية الوطنية للعلوم وميدالية الاستحقاق (منحه إياها رئيس الولايات المتحدة)، تلقى بولينج درجات فخرية من جامعة كامبريدج وجامعة لندن وجامعة باريس. في عام 1961، ظهر على غلاف مجلة {تايم} في العدد المخصص لرجل العام واعتُبر أحد أعظم العلماء في تاريخ البشرية.

سرعان ما اختفى كل الزخم والجهد والتفكير المعقد الذي جعل لينوس بولينج أسطورة. بحسب كلمات زميل له، {كان سقوطه عظيماً بقدر أي مأساة كلاسيكية}.

25 سنة إضافية

حصلت نقطة التحول في مارس 1966، حين كان بولينج يبلغ 65 عاماً. كان قد تلقى لتوه ميدالية كارل نويبرغ. تذكّر بولينج تلك الفترة قائلاً: {خلال محادثة في مدينة نيويورك، ذكرتُ كم كنت أستمتع بالقراءة عن الاكتشافات التي يتوصل إليها العلماء في مختلف تحقيقاتهم عن طبيعة العالم وصرّحتُ بأنني آمل بأن أعيش لخمس وعشرين سنة إضافية كي أتابع عيش هذه المتعة. عند عودتي إلى كاليفورنيا، تلقيتُ رسالة من عالم الكيمياء الحيوية إيروين ستون الذي شارك في تلك المحادثة. فكتب لي أنني إذا أخذتُ بنصيحته وتناولتُ 3 آلاف ملغ من الفيتامين C، فلن أعيش لخمس وعشرين سنة إضافية فحسب بل لمدة أطول على الأرجح}. كان ستون قد أمضى سنتين وهو يدرس الكيمياء في الجامعة، ثم تلقى في مرحلة لاحقة درجة فخرية من كلية تقويم العمود الفقري في لوس أنجليس وشهادة دكتوراه من جامعة دونباش، وهي كلية غير معتمدة في جنوب كاليفورنيا.

فأخذ بولينج بنصيحة ستون: {بدأتُ أشعر بحيوية أكبر وتحسنت صحتي. على وجه التحديد، لم أعد أُصاب بحالات الزكام الحادة التي كنت أواجهها مرات عدة في السنة طوال حياتي. بعد بضع سنوات، زدتُ كمية الفيتامين C التي أستهلكها بعشرة أضعاف، ثم بعشرين ضعفاً، ثم بثلاثمائة مرة: أتناول الآن 18 ألف ملغ في اليوم}.

اعتباراً من ذلك اليوم، راح الناس يتذكرون لينوس بولينج بأمر واحد: الفيتامين C.

في عام 1970، نشر بولينج كتاباً بعنوان {الفيتامين C والزكام العادي} (Vitamin C and the Common Cold)، فحث الناس على تناول 3 آلاف ملغ من الفيتامين C يومياً (ما يساوي خمسين ضعف الكمية اليومية الموصى بها). كان بولينج يعتبر أن الزكام العادي سيصبح قريباً جزءاً من الماضي، فكتب: {ستمر بضعة عقود قبل أن نتخلص نهائياً من الزكام، لكن يمكن السيطرة عليه بالكامل في الولايات المتحدة وفي عدد من البلدان الأخرى خلال بضع سنوات. أتطلع إلى تحقيق تلك الخطوة تمهيداً لتحسين وضع العالم}. حقق كتاب بولينج أعلى المبيعات فوراً. طُبعت نسخ منه في عامي 1971 و1973 وصدرت طبعة موسّعة منه بعنوان {الفيتامين C والزكام العادي والإنفلونزا}، وقد نُشر بعد ثلاث سنوات ووعد بمنع انتشار وباء انفلونزا الخنازير المتوقّع. تضاعفت مبيعات الفيتامين C ثم ارتفعت بثلاثة أضعاف وبأربعة أضعاف. لم تتمكن الصيدليات من مواكبة حجم الطلب. في منتصف السبعينات، أخذ 50 مليون أميركي بنصيحة بولينج. وقد وصف مصنّعو الفيتامينات هذه الظاهرة بعبارة {أثر لينوس بولينج}.

لكن لم يشعر العلماء بالحماسة نفسها. في 14 ديسمبر 1942، أي قبل 30 سنة تقريباً من إقدام بولينج على إصدار كتابه الأول، نشر دونالد كوان وهارولد ديل وآيب بايكر من جامعة مينيسوتا دراسة في مجلة {الجمعية الطبية الأميركية} بعنوان {الفيتامينات للوقاية من الزكام}. استنتج العلماء: {وفق ظروف هذه الدراسة التي خضعت للمراقبة وشملت معالجة 980 حالة زكام... لم يبرز أي مؤشر على أن الفيتامين C وحده أو مضاد الهيستامين وحده، أو النوعين معاً، لهما أثر مهم على مدة أو حدة الالتهابات في الجهاز التنفسي العلوي}.

ثم تلاحقت الدراسات. بعد إعلان بولينج، منح باحثون من جامعة ميريلاند 3 آلاف ملغ من الفيتامين C يومياً إلى 11 متطوعاً وحبة سكر (دواء وهمي) إلى عشرة آخرين طوال ثلاثة أسابيع. ثم نقلوا فيروس الزكام إلى المتطوعين. أُصيب الجميع بعوارض الزكام طوال المدة نفسها. في جامعة تورنتو، قدم الباحثون الفيتامين C أو الدواء الوهمي إلى 3500 متطوع. مجدداً، لم يمنع الفيتامين C الإصابة بالزكام، حتى عند الأشخاص الذين تلقوا جرعة وصلت إلى ألفي ملغ يومياً. في عام 2002، أعطى باحثون في هولندا فيتامينات متعددة أو دواء وهمياً إلى أكثر من 600 متطوع. لم تتغير النتيجة مجدداً. أثبتت 15 دراسة على الأقل حتى الآن أن الفيتامين C لا يعالج الزكام. نتيجةً لذلك، لا توصي إدارة الغذاء والدواء، ولا الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال، ولا الجمعية الطبية الأميركية، ولا الجمعية الأميركية للسكري، ولا مركز التغذية البشرية في كلية جونز هوبكينز بلومبيرغ للصحة العامة، ولا وزارة الصحة والخدمات الإنسانية، بتناول مكملات الفيتامين C لتجنب أو معالجة الزكام.

لكن رفض بولينج التخلي عن رأيه على رغم الدراسات المتلاحقة التي أثبتت أنه مخطئ، فتابع الترويج للفيتامين C في خطاباته ومقالاته وكتبه الشهيرة. حين كان يظهر أحياناً في وسائل الإعلام وهو يعاني عوارض زكام واضحة، كان يقول إنه مصاب بالحساسية.

الشفاء من السرطان

سرعان ما ذهب لينوس بولينج إلى أبعد من ذلك. فزعم أن الفيتامين C لا يمنع الزكام فحسب بل يشفي من السرطان أيضاً.

في عام 1971، تلقى بولينج رسالة من إيوان كاميرون، جراح اسكتلندي من مستشفى صغير خارج غلاسكو، فكتب كاميرون أن مرضى السرطان الذي حصلوا على علاج يشمل 10 غرامات من الفيتامين C يومياً حققوا نتائج أفضل من المرضى الذين لم يتلقوا ذلك العلاج. فشعر بولينج بسعادة عارمة، ثم قرر نشر نتائج كاميرون في مجلة {وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم}. افترض بولينج أنه يستطيع نشر مقالة في تلك المجلة حين يرغب في ذلك بصفته عضواً في الأكاديمية، علماً أن ثلاث مقالات فقط من تلك التي قدّمها أعضاء الأكاديمية رُفضت خلال أكثر من نصف قرن. لكن رُفضت مقالة بولينج في مطلق الأحوال، ما أمعن في تشويه سمعته بين العلماء. في مرحلة لاحقة، نُشرت المقالة في مجلة {علم الأورام} الخاصة بخبراء مرض السرطان. حين قيّم الباحثون البيانات، أصبحت الشوائب واضحة: تبين أن مرضى السرطان الذين عالجهم كاميرون بالفيتامين C كانوا يتمتعون بصحة أفضل في بداية العلاج، ما يفسّر تسجيل النتائج الإيجابية. بعد تلك المرحلة، لم يعد العلماء يأخذون ادعاءات بولينج بشأن الفيتامينات على محمل الجد.

لكن احتفظ لينوس بولينج بنفوذه في أوساط وسائل الإعلام. في عام 1971، أعلن أن الفيتامين C يساهم في تراجع حالات الوفاة بسبب السرطان بنسبة 10%. وفي عام 1977، ذهب إلى أبعد من ذلك فكتب: {تشير تقديراتي الراهنة إلى إمكانية تسجيل تراجع بنسبة 75% بفضل الفيتامين C وحده، كما يمكن تعزيز ذلك التراجع عبر استعمال مكملات غذائية أخرى}. ثم توقع بولينج أن يعيش الأميركيون حياة صحية لفترة أطول بعد تجاوز مشكلة السرطان. أضاف قائلاً: {سيبلغ متوسط ​​العمر المتوقع 100 سنة أو 110 سنوات. ومع مرور الوقت، قد يبلغ الحد الأقصى 150 سنة}.

حصل مرضى السرطان بذلك على سبب لاستعادة الأمل. فأرادوا المشاركة في {معجزة} بولينج وحثوا أطباءهم على منحهم جرعات هائلة من الفيتامين C. يتذكر جون ماريس، رئيس قسم الأورام ومدير {مركز أبحاث سرطان الأطفال} في مستشفى الأطفال في فيلادلفيا: {طوال سبع أو ثماني نسوات، تلقينا طلبات كثيرة من عائلاتنا التي أرادت استهلاك جرعات مرتفعة من الفيتامين C. كان الوضع صعباً. كانوا يقولون لنا: دكتور، هل تملك أنت جائزة نوبل؟}.

نتيجة هذا الوضع المربك، قرر الباحثون في مجال السرطان اختبار نظرية بولينج. فقام تشارلز مورتل من مركز {مايو كلينك} بتقييم 150 مريض سرطان: تناول نصفهم 10 غرامات من الفيتامين C يومياً على عكس النصف الآخر. لم تسجل مجموعة الفيتامين C أي اختلاف من حيث العوارض أو حالات الوفاة. استنتج مورتل: {لم نتمكن من إثبات منفعة علاجية لأي جرعة مرتفعة من الفيتامين C}. شعر بولينج بسخط عارم. فكتب رسالة غاضبة إلى مجلة {نيو إنغلاند الطبية} التي نشرت دراسته حيث ادعى أن مورتل لم يفهم المغزى الحقيقي من استنتاجاته. لا شك في أن الفيتامين C لن ينجح في هذه الحالة، فقد عالج مورتل مرضى كانوا قد تلقوا علاجاً كيماوياً. ادعى بولينج أن الفيتامين C يعطي مفعوله حصراً إذا لم يتلقَ المرضى علاجاً كيماوياً مسبقاً.

انزعج مورتل من ردة الفعل هذه وقرر القيام بدراسة ثانية. كانت النتائج مماثلة. فاستنتج مورتل: «من بين المرضى المصابين بمرض قابل للقياس، لم يسجل أي منهم تحسناً موضوعياً. يمكن استنتاج أن الفيتامين C بجرعة مرتفعة ليس فاعلاً ضد الأمراض الخبيثة المتقدمة، وذلك بغض النظر عن وجود علاج كيماوي سابق}. بالنسبة إلى معظم الأطباء، انتهى الجدل عند هذا الحد. لم يقتنع لينوس بولينج. هو لم يتقبل فكرة أن يعارضه أحد. أوضح كاميرون: {لم أره يوماً مستاءً لهذه الدرجة.  يعتبر المسألة كلها هجوماً شخصياً على نزاهته}. ظن بولينج أن دراسة مورتل كانت عبارة عن {غش وتضليل متعمّد}. فاستشار محامين لمقاضاة مورتل لكنهم أقنعوهم بالعدول عن ذلك.

أثبتت الدراسات اللاحقة أن الفيتامين C لا يعالج السرطان.

لكن لم يتوقف بولينج عند ذلك الحد. سرعان ما ادعى أن الفيتامين C، عند أخذه مع جرعات هائلة من الفيتامين A (25 ألف وحدة دولية) والفيتامين E (بين 400 و1600 وحدة دولية) فضلاً عن السيلينيوم (عنصر أساسي) والبيتا كاروتين، لن يقتصر على منع الزكام ومعالجة السرطان، بل إنه سيتمكن من معالجة جميع الأمراض التي تصيب البشر. زعم بولينج أن الفيتامينات والمكملات تستطيع معالجة أمراض القلب، والأمراض العقلية، والالتهاب الرئوي، والتهاب الكبد، وشلل الأطفال، ومرض السل، والحصبة، والنكاف، وجدري الماء، والتهاب السحايا، والقوباء المنطقية، وبثور الحمى، والقروح الباردة، وقرحة الفم، والثآليل، والشيخوخة، والحساسية، والربو، والتهاب المفاصل، والسكري، وانفصال الشبكية، والجلطات الدماغية، والقرحة، والصدمات، وحمى التيفوئيد، ومرض الكزاز، والزحار، والسعال الديكي، والجذام، وحمى القش، والحروق، والكسور، والجروح، وارتفاع الحرارة، ومرض المرتفعات، والتسمم الإشعاعي، والمياه الزرقاء، والفشل الكلوي، والإنفلونزا، وأمراض المثانة، والضغط النفسي، وداء الكَلب، ولدغات الأفاعي. حين دخل فيروس الإيدز إلى الولايات المتحدة خلال السبعينات، ادعى بولينج أن الفيتامينات تستطيع معالجة هذا المرض أيضاً.

القوة الحقيقية

في 6 أبريل 1992، أعلن غلاف مجلة {تايم} ما يلي: {قوة الفيتامينات الحقيقية: أظهر بحث جديد أنها قد تساهم في محاربة السرطان وأمراض القلب ومشاكل الشيخوخة}. عكست تلك المقالة التي كتبتها أناستازيا توفكسيس مفاهيم بولينج غير المثبتة عن عجائب الفيتامينات. كتبت توفكسيس: {بدأ عدد متزايد من العلماء يشتبهون بأن الآراء الطبية التقليدية عن الفيتامينات والمعادن كانت محدودة جداً. قد تحمي الفيتامينات، بجرعات أعلى من تلك الموصى بها، من مجموعة أمراض تتراوح بين العيوب الخلقية وداء الساد وأمراض القلب والسرطان. الأهم من ذلك هو ظهور مؤشرات على أن الفيتامينات قد تحمي من عوارض الشيخوخة الطبيعية}. اعتبرت توفكسيس أن {شركة هوفمان لاروش الصيدلانية العملاقة مهووسة بالبيتا كاروتين لدرجة أنها تنوي فتح مصنع {فريبورت} في تكساس خلال السنة المقبلة لإنتاج 350 طناً من هذا المغذي سنوياً أو ما يكفي لتزويد كبسولة بجرعة 6 ملغ لكل راشد أميركي يومياً}.

صحيح أن الدراسات امتنعت عن دعم بولينج، لكن ظن هذا الأخير أن الفيتامينات والمكملات تتمتع بميزة واحدة تجعلها تشفي من جميع الأمراض، وهي ميزة يتم الترويج لها في كل شيء، بدءاً من الكاتشب وصولاً إلى عصير الرمان حيث تُستعمل كلمات منافِسة مثل {طبيعي} و{عضوي} لزيادة المبيعات: إنها مضادات الأكسدة.

اعتُبرت المنافسة بين الأكسدة ومضادات الأكسدة بمثابة مسابقة بين الخير والشر. تحدث هذه المعركة في العضيات الخلوية المسماة {متقدرات} حيث يحوّل الجسم الطعام إلى طاقة، وهي عملية تتطلب الأوكسجين وتحمل اسم الأكسدة. تؤدي الأكسدة إلى ظهور جيل من مهاجمي الإلكترونات: {الجذور الحرة} (الشر). قد تضر الجذور الحرة بالحمض النووي وأغشية الخلايا وبطانة الشرايين. لا عجب في أنها ترتبط بالشيخوخة والسرطان وأمراض القلب. لإبطال مفعول الجذور الحرة، يصنّع الجسم بنفسه مضادات الأكسدة (الخير). يمكن إيجاد مضادات الأكسدة أيضاً في الفاكهة والخضروات (لا سيما السيلينيوم والبيتا كاروتين والفيتامينات A

وC وE). أظهرت الدراسات أن من يأكلون كمية إضافية من الفاكهة والخضروات تنخفض لديهم نسبة الإصابة بالسرطان وأمراض القلب ويعيشون لمدة أطول. منطق التفكير واضح: إذا كانت الفاكهة والخضروات تحتوي على مضادات أكسدة (وإذا كان الأشخاص الذين يتناولون كمية كبيرة من الفاكهة والخضروات يتمتعون بصحة أفضل)، يُفترض أن يتمتع كل من يستهلك مكملات مضادات الأكسدة بصحة أفضل... لكنها في الحقيقة أقل منفعة.

الفيتامين E

في عام 2005، قام باحثون من كلية جونز هوبكينز الطبية بتقييم 19 دراسة تشمل أكثر من 136 ألف شخص ولاحظوا ارتفاع خطر الوفاة المرتبط بمكمّلات الفيتامين E. أوضح

د. بنجامين كاباليرو، مدير مركز التغذية البشرية في كلية جونز هوبكنز بلومبرغ للصحة العامة: {تعيد تلك النتائج التأكيد على ما قاله الآخرون. ما من أدلة تشجع على تناول أي فيتامينات، لا سيما الفيتامين E. هذه الفكرة الشائعة بين الناس عن أنّ الفيتامينات لن تؤذيهم ليست بهذه البساطة}. في تلك السنة نفسها، نُشرت دراسة في مجلة {الجمعية الطبية الأميركية} وقد قيّمت أكثر من 9 آلاف شخص ممن أخذوا جرعة مرتفعة من الفيتامين E لمنع السرطان. كل من تناول الفيتامين E كان أكثر عرضة لقصور القلب.

في عام 2007، قام باحثون من {المعهد الوطني للسرطان} بتقييم حالة 11 ألف رجل ممن أخذوا أو لم يأخذوا الفيتامينات المتعددة. كل من تناول الفيتامينات المتعددة كان عرضة للوفاة بسبب سرطان البروستات بنسبة مضاعفة.

في عام 2008، شملت مراجعة جميع الدراسات المتوافرة التي تضم أكثر من 230 ألف شخص ممن تلقوا أو لم يتلقوا مضادات أكسدة على شكل مكملات، ولاحظت ارتفاع خطر السرطان ومرض القلب بسبب الفيتامينات.

في 10 أكتوبر 2011، قيّم الباحثون في جامعة مينيسوتا 39 ألف امرأة أكبر سناً ولاحظوا ارتفاع معدلات الوفاة عند المرأة التي تناولت الفيتامينات المتعددة والمغنيسيوم والزنك والنحاس والحديد. فاستنتجوا ما يلي: {استناداً إلى الأدلة المتوافرة، لا نرى مبرراً للاستعمال العام والشائع للمكملات الغذائية}.

خطر البروستات

في 12 أكتوبر، نشر باحثون من مؤسسة {كليفلاند كلينيك» نتائج دراسة تشمل 36 ألف رجل ممن أخذوا الفيتامين E والسيلينيوم أو لم يأخذوا أياً منهما. لاحظوا ارتفاع خطر الإصابة بسرطان البروستات عند من تلقوا الفيتامين E بنسبة 17%. رداً على تلك الدراسة، أوضح ستيفن نيسن، رئيس أمراض القلب في مؤسسة {كليفلاند كلينيك»: «تم ترويج مفهوم الفيتامينات المتعددة للأميركيين من صناعة تتوق إلى جني الأرباح. لم تظهر أي بيانات علمية تدعم استعمالها». في 25 أكتوبر، سأل عنوان رئيس في مجلة «وول ستريت»: «هل حلّت نهاية الفيتامينات؟». لكنّ الدراسات لم تنعكس سلباً على المبيعات. في عام 2010، حصد قطاع الفيتامينات 28 مليار دولار، بارتفاع نسبته 4،4% عن السنة السابقة. قال جوزيف فورتوناتو، الرئيس التنفيذي لمراكز التغذية العامة: «ما يجب فعله هو التخلص من تلك التقارير، فهي لم تؤثر على عملنا».

كيف يُعقل ذلك؟ بما أن الجذور الحرة تضر الخلايا بكل وضوح، وبما أن الناس الذين يتبعون حمية غذائية غنية بعناصر تبطل مفعول الجذور الحرة يتمتعون بصحة أفضل، لماذا أثبتت الدراسات أن مكملات مضادات الأكسدة مضرة؟ التفسير الأقرب إلى الواقع هو الآتي: الجذور الحرة ليست شريرة بقدر ما يُقال. من الواضح أن الجذور الحرة قد تضر بالحمض النووي وتعيق أغشية الخلايا، لكنّ هذا الأمر ليس سيئاً دوماً. يحتاج الناس إلى الجذور الحرة لقتل الجراثيم والتخلص من الخلايا السرطانية الجديدة. لكن حين يستهلك الناس جرعات مرتفعة من مضادات الأكسدة، يميل الميزان في اتجاه واحد ما بين إنتاج الجذور الحرة وتدميرها، ما يسبب حالة غير طبيعية حيث يصبح جهاز المناعة أقل قدرة على قتل العناصر الضارة. وصف الباحثون هذه الحالة بعبارة «مفارقة مضادات الأكسدة». بغض النظر عن السبب، تبقى البيانات واضحة: يبدو أن الجرعات المرتفعة من الفيتامينات والمكملات الغذائية تزيد خطر الإصابة بمرض القلب والسرطان. لهذا السبب، لا توصي بها أي منظمة وطنية أو دولية تُعنى بالصحة العامة.

في مايو 1980، سُئل لينوس بولينج خلال مقابلة في جامعة ولاية أوريغون: {هل يترافق فرط استهلاك الفيتامين C مع أي آثار جانبية على المدى الطويل؟}. كان جواب بولينج سريعاً وحاسماً: {لا!}.

بعد سبعة أشهر، توفيت زوجته بسبب سرطان المعدة. وفي عام 1994، توفي لينوس بولينج بسبب سرطان البروستات!