أنا، هي والأخريات
1
لطالما وقفت على مسافة من حياتي وتركتها تحدث. لعبت دور المتفرج فيها. انفصلت، بشكل أو بآخر، عن الواقع، كأنّه لا يعنيني، وكأنّ هذه الأنا التي تعيش فعلاً، تقابلها “أنا” أخرى تراقب الأحداث وتسجّلها. كنت في حالة انتظار دائمة لذاتي التي كانت تهرب منّي إلى البعيد، ثم تعود وتبدأ بسرد أحداث خيالية، وقصص أروع من التي تخبرها الجدات لأحفادهن. بعثت الأحلام دومًا في نفسي المسرّة، وعندما كنت ألتفت إلى ستائر المنزل العاجية اللون والفراغ الذي يملأ الغرفة، كنت أشعر بالخيبة.أخفت أمّي عني جميع آنية المنزل وقطع الكريستال المنحوت منها أشكال صغيرة، لأنّها على يقين بأنّي، على غفلة منها، سأفرش القماش على أرضية غرفتي، وأصنع قصرًا أو قلعة، وأرتّب الأشياء ثم أبعثرها مرات عدة، حتّى أصنع ذاك العالم الخيالي الذي أمضيت فيه ساعات طويلة مع أصدقاء وهميين يتحدثون ويتهامسون ويتشاجرون.وعندما كنت أجدني وحيدة، من دون جميع تلك الأشياء، لم أكن أحزن. كنت أطلّ من شباك غرفتي، المحمي بشبكة حديدية، وأتأمّل الطرقات والمارّة وأبدأ بنسج حكاياهم، أو أحاول تخمين اتجاهاتهم ومشاغلهم. كان الآخر دومًا لغزًا محيّرًا بالنسبة إليّ، عالمًا يجب اختراقه ومعرفة ما يدور فيه، ليس من باب الفضول وحده. كانت رغبة أحسبها أبصرت النور قبلي وتلقّتني عندما لفظت أوّل أنفاسي لتسكنها. عاشت الأنا التي كانت تخبرني الحكايا مع ذاك الآخر وبقيت الأنا الأخرى حبيسة قفص تتفرّج من خلف قضبانه على أحوال الدنيا.في علاقتي مع نفسي، كنت دومًا أسيرة حدّين، التقارب اللّين واليسير، والانفصال المشوِّه حتّى الموت. وصلت أحيانًا إلى حدّ السماء لأشبه فتاةً صغيرة ترتدي اللّون الأزرق. ومرّات أخرى، كنت أتبع بأنفي رائحة تابوت حجري فأبدو امرأة مسربلة بغلالة سوداء من الرأس حتى أخمص القدمين، في انتظار خاتمة حداد.آثر والدي، شديد الحماية، أن أبقى في معزل عن خطر العالم الخارجي، وحاول أن يقيني من الحياة. كذلك فعلت والدتي المتقوقعة على نفسها. ومع أنّي كنت أتوجّه إلى المدرسة يوميًا، فلم أعرف طعم الحرّيّة والتفاعل مع المحيط. تواصلت مع الأرض في زياراتنا المتقطعة إلى الريف، قريتي الواقعة في ذاك المكان البعيد الذي تصبح فيه الشمس ممكنة، لكنّه يبقى خاويًا وهادئًا أكثر ممّا يجب بالنسبة إلى فتاة مثلي، كانت بها حاجة دائمة إلى الانهماك بأمرٍ ما.وُجد ذاك الآخر في نفسي وحسب، وبأشكال مختلفة: في بيت الدمى الذي رسمته صورًا مركبة في ذهني وأعدت ابتكاره مرات عدة. كنت أفكّك الحياة وأعود لأنسج منها عوالم أخرى. ولأكن صريحة، أحببت الأشياء التي أقامت، فقط، في داخلي. وكنت أشعر بالأمان حين أنسج الوقائع في خيالي، وأحيا تفاصيلها حينًا، ثم أنهيها وقتما أشاء. وبرغم أني لم أميّز متى أصبحت فعلا موجودة ومتى كنت غائبة، عرفت أنّها أنا التي تتحكم بزمام الأمور.تغيّرت مع مرور الزمن. ثم تغيّرت مرات عدّة. وأكاد لا أذكر الآن ملامح أشخاص مرّوا في حياتي، إلاّ إذا قررت الغوص في عمق اللّعبة واستحضارهم فردًا فردًا، لكي أستعيد تواصلاً، لا أعرف إن كان فعلاً ضروريًا، أو نابعًا من محاولة لمعرفة نفسي. ولكن، هل سأصدّق الذاكرة؟ كيف أفعل وقد ارتجلت وجودي دائمًا من أماكن غير متوقعة، كفيلة بأن تبقيني في حالة تيقّظ؟ هل يمكن أن تبدو الصورة المنتظرة بفارغ الصبر صحيحةً الآن؟ وحتى إن كانت كذلك، لا يهمّ كثيرًا. الأمر الوحيد الذي قد يحدث فرقًا جذريًا في الصورة هو ما لا نقول. ومع ذلك، سأواصل الحكي لأمرٍ واحد لا غير، متعة القول، وربما أيضًا متعة البوح أو متعة الكذب.ولدت وترعرعت في بيتٍ كبيرٍ نسبيًا، تجاوزت مساحته المئتيّ متر مربّع، مقسّمًا بشكل دقيق. غرفه منقطعة إحداهما عن الأخرى، وأثاثه نظيف إلى حدِّ مريب. في غرفة الجلوس، انزوت المساند دائمًا في أطراف الكنبة، وبدت مرصوفة هناك بشكل عموديّ كأنّها أعين تراقب أو أصنام صامتة. كان كلّ شيء في مكانه: الطاولة المستطيلة التي توسّطت الغرفة، الهاتف الملقى دائمًا على طرفها الأيسر، في البقعة نفسها من دون حراك، وغطاء الطاولة المتساوي بعناية في جميع أطرافه. الأواني المرصوفة داخل خزائن المطبخ والتي لم أذكر أنّ والدتي غيّرت ترتيبها يومًا. الأوعية البلاستيكية في الطبقة السفلى الأقرب إلى الباب، والزجاج والصحون والأكواب دومًا في الطبقة الأعلى.تدرّجت علب المونة حسب الحجم من الأكبر إلى الأصغر، بينما قبعت الخضار في سلّة مقسّمة إلى طبقات. أمّا الفاكهة، فكانت دائمًا في وعاء كبير يتوسط الطاولة. احتلّت أكواب “البوهيميا” الواجهة الزجاجية في غرفة الطعام التي لم تستعملها والدتي إلاّ إذا زارنا ضيوفٌ مميزون، وأرادت أن تكرمهم بشكل استثنائي، أو تعرض أمامهم مثالية اللّمعان التي يعكسها الكريستال الرقيق والمشذّب.من شدة الدقة في ترتيب الأثاث، بدا المنزل فارغًا ومتوقعًا، خاويًا وصامتًا إلى حدّ الضجر. جرت فيه الحياة بحسب نظام مقرّر لا يتقاطع فيه وقت الطعام مع اللهو أو الدرس. للكلام موعد. وللأكل رائحة واحدة، بعيدة دومًا عن الطعم. الملح فيه معتدل والمقادير حسب الميزان، لم يزد أو ينقص منها يومًا غرام واحد. سُمح لنا أن نتناول قطعة حلوى صغيرة عصرًا، أو لأكون أكثر دقة، في الساعة الخامسة تحديدًا.وإن لم يكن والدي الغارق دومًا في مكتبته الكبيرة على درجة صرامة والدتي، فقد بدا هو الآخر منقطعًا عن الحياة. عاش مع الأوراق أكثر ممّا عاش معنا. أمضى ساعات طويلة مع كتب لم أكن أفهم منها سوى أنها ضخمة الحجم ومتناسقة مع النظّارات السّميكة التي يستعملها. خصّص ساعة في المساء ليكون معنا في غرفة الجلوس. عدا عن ذلك، لم نكن نراه. في تلك الساعة، تعمّدت الالتصاق به والضحك كثيرًا رغمًا عن أنف أمّي التي لم تؤمن بحركات هزلية كنت أقوم بها لأخلق مساحة من التعبير بعيدًا عن الفراغ الأنيق المحيط بنا. كنت بينهما دومًا، ولم نكن يومًا معًا. وفي طفولتي، غرقت في تلك العلاقة الملتبسة مع كل شيء لأحسبها حقيقة، واعتبرت أنّ الأهل إطار يجري العالم داخله، فعلقت في حيواتهم سهوًا ولم أدرك أنّ في استطاعتي الاستسلام لكوني مختلفة إلاّ في وقت متأخر. أدركت أيضًا أنّ للاختلاف ثمنًا باهظًا لا تتكفل به الأوراق النقدية، ضريبة مؤلمة تدعى الوحدة، سواءً كانت طوعًا أو قسرًا.والآن، وأنا في بداية العقد الثالث من عمري، لم أعد أذكر تمامًا أين تركت ذاتي نفسي، تلك التي كانت تهرب من أعماقي وتجول في الخارج. أغلب الظنّ أني عجزت عن التقاطها في يوم من الأيام، فاستسلمت لكل ذاك الخواء لا إراديًا. لم أعد أرى سحر سوى ليلاً وأنا ألقي رأسي على وسادتي. كانت تأتي لتربت بيدها على رأسي وتلامس بأصابعها شعري بحنان وشفقة، فترسم لي من ذاك الخيال دوائر لا تنتهي وقصصًا عن الآخر لكي أغفو. عندها فقط، كنت أنام قريرة العين كأني لست في ذاك السرير الكبير الذي لم أكن يومًا في حاجة لاتّساعه، إلاّ لكي أقحم فيه جميع تلك الشخوص التي اختلقتها في مخيلتي، فأحببتها كثيرًا وعجزت عن أن أكون معها.2برغم أنّ عائلتي متحدّرة من بيئة محافظة في شمال لبنان، لم يكن الدين يومًا ركيزة لوجودنا أو هوية ملتصقة بنا. بدا الله غائبًا عن منزلنا. لم يكن هناك آيات قرآنية معلّقة على الجدران أو صورة للسيدة العذراء في إحدى الغرف. كان الدليل الحسّي الديني الوحيد الموجود في منزلنا القرآن المحفوظ بقرب الإنجيل في مكتبة والدي الواسعة التي امتدّت عرض الحائط. وإن بدا الأمر مريحًا من كلّ تلك التشنّجات الطائفية والمذهبية، خاصة في بيئة مغلقة كالتي تحدّرنا منها، فإنّه لم يكن حقيقةً كذلك. اتّصل انعدام الرموز والطقوس الدينية نوعًا ما بغياب الحياة عنا. كنّا دومًا في حالة مريبة من العدم المحايد الذي حوّل الحياة إلى لوح خشبي لا رائحة له.تساوى الكتابان بالمقام في منزلنا لأنّ كلاهما معدوم الأهميّة، بعيدان عن التواصل ولكن ضروريان كي لا تنفصل عائلتي عن تأكيد وجود إلهي أشبه بمعلومة، ولا علاقة له بالإيمان. بعض أصدقاء والدي كانوا مسيحيين، وكنّا نزورهم في عيديّ الميلاد والفصح وسط انفراج غير معتاد لأسارير أبي، وعبوس التهم خلايا أمي التي بالكاد نطقت بعبارتين أو ثلاث خلال تلك الأمسيات.غابت أيضًا اللوحات والألوان والأزهار عن أثاث المنزل المتناسق والباهي. وضبّت أمّي الشق الحسّي للحياة في علب من كرتون ثم غلّفتها بالنايلون. امتلكت قدرة رهيبة على تفريغ الأشياء من فحواها والتعبير الوحيد الذي شهدناه منها كان النوبات الهستيرية التي أصابتها من دون سابق إنذار، فبدت، هي المرأة التي يلبسها السكون، غاضبة ومجنونة، كثور أطلقوا عنانه ليسرح أمام إشارة حمراء، فتلاشى خمولها ووقعت في الفخ بعدما جرّدت حواسها لتصبح المرأة الشرسة التي لها شكل غريب من الغضب.كانت والدتي أشبه بامرأة في آن الحيض، مضطربة الأعصاب، جاهزة للانفجار كأمعاء اشتدّ بها الحشو، بعيدة كل البعد عن قدرتها أن تكون زنبقة مهتاجة في رحاب الحقول. وآلمني جدًّا أنّ أمي الجميلة لا تشبه الأزهار، بل فقط الأمعاء القبيحة.لم يكن الفراغ الشيء المزعج في المنزل، إنّما عدم القدرة على توصيفه. ليس سيئًا ولا جيدًا. لا شيء رائعًا بالمعنى الجمالي للأمور ولا شيء بشعًا أيضًا. أطبق الصمت على كل شيء وبقي هدير ذاك الصراخ المتوتر يدور في أرجائنا. بدا المكان أشبه بمسدس مكتوم الصوت، به ضغط متواصل على الزناد. تنطلق منه الطلقات وتنغرس عميقًا فينا من دون أن تحدث أي ضجيج.عرفت أني مسلمة على كل حال من خلال زيارات الأقارب لنا في عيديّ الفطر والأضحى، برغم أننا لم نحصل على ملابس جديدة كسائر الأولاد في تلك المناسبات، كذلك من صوت التكبير المتصاعد فجرًا من مئذنة مسجد المنصوري الكبير، المحلّة التي يقع فيها بيت جدّي، عند سفح القلعة الغربي على الضفة اليسرى من المدينة. وقد شغل الجامع الكبير كما يسمّونه مساحة واسعة في وسط المدينة القديمة، وتميّز ببساطة البناء، وغياب الزخارف، فكانت جدرانه كلّها مغطاة بطبقة من الجير. وعلى واجهة الأروقة الشمالية المطلّة على الصحن، كان هناك ساعة شمسية لتحديد موعد الأذان.في منزلنا، قدّمت أمّي لزوّارها ضيافةً من “المعمول” و”الغريبة” والشاي بالقرفة. وبرغم رفض والدي القاطع أن نقبل “العيدية” من أحد، كان جدّي يدسّ قطعًا نقدية في جيوبنا، ويقدّم لنا الحلوى التي كنّا نسارع إلى التهامها قبل انصرافه خوفًا من أن تحرمنا منها أمّي.