رشيد الضعيف في تبليط البحر ...يسترجع وثبة حضاريَّة يتيمة بلغة روائيَّة ناضجة

نشر في 30-09-2011 | 00:01
آخر تحديث 30-09-2011 | 00:01
No Image Caption
لا يزال لبنان المتعدد أدياناً وطوائف ومذاهب تائقاً إلى سلام مفقود. وإذا كان تعدّده محطّ مديح وثناء فإنّ ثمنه في بعض المحطات التاريخية باهظ. وقد تعددت آراء المفكرين اللبنانيين حول أي لبنان يجب أن يكون، وتمايزت، واختلفت أحياناً إلى حدّ التعارض. وغالبا ما تعاطى الأدب مع هذه المعضلة مكتفياً بالدعوة إلى التلاقي على أساس أنّ الدين لله والوطن للجميع. وقد تكون الرواية هي الأكثر قدرة على القول، لا سيما إذا رصدت حقائق مشرقة يثبتها التاريخ زماناً ومكاناً.

في روايته الجديدة «تبليط البحر»، يفتح الروائي رشيد الضعيف كتباً قديمة اصفرّ ورقها ليأخذ منها حقيقة خضراء لا ينال من نسغها مرور الوقت.

يسترجع رشيد الضعيف أسماء علم الناس وأماكن، ويستحضر أحداثاً وتواريخ، وينجز إضافته التي تتلاءم مع سياق السرد، فتبدو الرواية متحف شمع يحضن شخصيات وجغرافيات وأزمنة اجتازها الزمن بأكثر من مئة عام، ويصرّ الضعيف على متحفه هذا لإيصال رسالة، هي بنظره، على الأقل، ضرورة لأن فيها العلاج الوحيد لمرض الكيان اللبناني المزمن ولو أن الرواية التي تضج بالتفاؤل والنضال على امتداد صفحاتها انتهت ببضعة أسطر هي بمثابة وسادة لليأس.

اختار الضعيف بدايات القرن التاسع عشر زمناً يمدّ نصه الروائي بالعصب الأساسي الذي ستبنى عليه الرواية كلها. فالحكاية بدأت مع وصول المبشرين البروتستانت الأميركيين إلى لبنان، ليتواجه العلم مع الخرافة، والتقليد الأعمى مع العقل، ولتبرعم العواصف في صدور الناس المتعطشين للخروج من الكهوف المحفورة في الظلام وقد زاد سوادها ألماً الاحتلال العثماني سحابة أربعة قرون...

بنى الروائي شخصيات ذات عمر طويل في روايته، وأخرى تعيش ما احتاج السرد إليها كشخصية «اسكندر حليم» الذي اعتنق البروتستانتية بشجاعة، بينما صديقه منصور اكتفى بتأثره بالعلم الذي يحمله المبشرون، وبالتحرر الغربي قياساً إلى التقاليد الشرقية، ففرح إذ استطاع أن يطلب يد «زكية» من أبيها «نسيم حمل» مباشرة، من دون أن يكون بمعية أحد من أهله.

قطاع طرق

في رحلة الهروب إلى بيروت، إثر مجازر عام 1860 بين المسيحيين والدروز، يتزوج «منصور» «زكية» غداة قتل أبوها قطاع الطرق تحت وطأة زمان ومكان لا يعلنان سوى الفجيعة. وبعد تسعة أشهر على يوم الزواج، وُلِد «فارس منصور هاشم» في اليوم الذي ولد فيه «جرجي زيدان»، 14 ديسمبر (كانون الأول) 1861، وربطتهما في ما بعد صداقة لم تنتهِ.

وقف الضعيف وراء شخصية «فارس»، من دون أن يدير الظهر للشخصيات الأخرى، فباتت الشخصية الحلم الراسمة نموذجاً للإنسان اللبناني، وكان لـ{جرجي زيدان» و{أمين فليحان» البعد نفسه، غير أن الرواية تحتاج إلى بطل أول يختصر التشويق والدينامية بشخصه، فعدل الروائي بين الشخصيات على مستوى البطولة يكاد يكون أمراً تعجيزياً، ولو أن الروائي وقف وراء «جرجي زيدان» وقوفه وراء «فارس هاشم» لكنا أمام روايتين في رواية، وإن من السهل جدا بعد قراءة «تبليط البحر» أن يقتنع القارئ بتسمية الرواية «فارس هاشم».

حلم «منصور» بابنه «فارس» طبيباً، وهاجر مع المهاجرين إلى أميركا لجمع المال. وفي غيابه الغامض بضع سنوات ترك «فارس» المدرسة لأسباب مادية، وعمل بنّاء مع أعمامه ثم معلماً في «زحله». ودخل كلية الطب بعدما أفصح «منصور» عن وضعه الذي بات جيداً وبدأ بإرسال المال. وعلى مقاعد الدراسة، كان «فارس» و{جرجي» زميلين. وكان حدث سرقة الجثث لتشريحها في الكلية محطة دائمة الحضور وقد استثمره الضعيف استثماراً روائياً موفقاً، لا سيما حين أمسى بين الموت وبين «زكية» والدة «فارس» خطوة، فهل سيتبرع بجثة أمه للتشريح؟ وفي هذا الموقف ذروة الصراع بين العقل والعاطفة، إلا أن الإضراب الذي قام به الطلاب في الجامعة إثر استقالة الدكتور «لويس» الليبرالي المضطهد من المحافظين أنقذ جثة «زكية» من مباضع زملاء ابنها كما أنقذ قلب «فارس» من قساوة عقله المتمرد بلا حدود، والذي يرى أن «احترام الموتى يجب ألا يتناقض مع مصلحة الوطن».

وإحدى نتائج الإضراب أن ترك «جرجي» و{فارس» و{أمين» الكلية إلى الأرض البعيدة، فـ»فارس» إلى أميركا وصديقاه إلى مصر بهدف العودة إلى لبنان أطباء لا يكتفون بعلاج الأجساد إنما يرمون إلى علاج العقل الشرقي. وكيفما اتجهت الأحداث، نلاحظ أن الضعيف يصور عصراً يتخطى فيه العقل العاطفة ويؤسس لمفهوم الوطن والإنسان والعدالة الاجتماعية والمساواة بين الرجل والمرأة، معترفاً بفضل المرسلين الأميركيين الذين فتحوا بوابة الهجرة واسعة إلى أميركا. يصل «فارس» إلى أميركا، يبيع «الكشة» مثل أبيه لتجميع المبلغ الكبير الذي تتطلبه الدراسة. وكم نجح الضعيف في تصوير قساوة الهجرة من خلال شخصية «جميلة» التي رافقها «فارس» بائعا. فهي لا تأكل السمك بعدما قضى ابن عمها وهو في الباخرة من لبنان إلى أميركا ليتزوجها، وألقيت جثته في الماء. وينجح «فارس» في الدخول إلى كلية الطب ومتابعة الدراسة ليتخرج طبيبا بعد معاناة مشوّقة. إذ إن الروائي حريص على إهداء «فارس» مشكلة مع كل طلعة شمس، لتفعيل الحس النضالي وتأجيجه. وفي هذا السياق تطرح مسألة زواج «فارس» الذي خطب «حسنا» اللبنانية في أميركا، وقد دخلت قلبه منذ أن رآها في لبنان قبل السفر بكثير، إلا أنه تنازل عن عاطفته اللبنانية وما تختزن من بعد وجداني ووجودي، ولم يرتبط بها. كذلك لم تنجح علاقته بـ»دجسي» ابنة القسيس البروتستانتي واصطدمت بشيء من العنصرية الأميركية. لكن، في «كوبا» أحب «فارس»، المتطوع طبيباً في الجيش الأميركي وفي مواجهة الإسبان، «ساوا» الصينية، وتزوجها. والمبرر الذي يعطيه الروائي لهذا الزواج المفاجئ هو نضالي بامتياز، فـ»ساوا» ابنة مأساة ونضال طويل، والضعيف يريد أن يقول إن في النضال قرابة تتخطى القومية والدين والثقافة والعادات والتقاليد، وربما يريد أن يقول أيضاً: إن النضال بحد ذاته لأجل الكرامة الإنسانية والحرية هو انتماء وعقيدة يجمعان المناضلين ويشدانهم إلى بعضهم البعض أكثر من أي انتماء أو عقيدة آخرين. ويبدو الروائي في هذه المسألة منحازاً إلى الحلم أكثر من الواقع، لأن الإنسان الأممي لا يزال حتى يومنا مشروع حلم فمن أين له أن يوجد منذ مئة عام؟!

سرقة الجثث

إلى بيروت يعود «فارس» و{ساوا» وفي أحشائها جنين هاشمي. ومن دون أي إشارة سابقة توحي بالسوء ينهي الضعيف، فجأة، حياة «فارس» في الباخرة فيخرج منها جثة في تابوت. وكانت سرقة الجثث لا تزال رائجة، وسرقت جثة الطبيب الذي سبقته شهرته إلى بلده ليشرحها الطلاب في كلية الطب. وتلد في ما بعد «ساوا» «فارس» الصغير... و{فارس» يلد «منصور» ومنصور يلد «جوان» الذي قرر أن يهاجر لبنان خمسينياً مؤمناً بحمل جذوره على ظهره إلى دنيا الله الواسعة، والسبب هو أن الطائفية لا تزال حجر عثرة في طريق ولادة لبنان الجديد.

نجح رشيد الضعيف روائياً في استرجاع زمن مشرق، على رغم قساوته، بقوة الكلمة، ساعياً إلى أن يقدم نموذجاً ومثالاً للوثبة الحضارية التي لم تتابع كما يجب، فكأنها المدّ الذي يعقبه الجزر. ونهاية الرواية الحزينة هي اعتراف بالواقع المأساوي أكثر مما هي استسلام له. فهل يأتي يوم ويكون وصول لبنان إلى ذاته كوطن مسألة أسهل بقليل من «تبليط البحر»؟

back to top