صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4941

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

30 سنة على اغتياله... أنور السادات ودبلوماسيَّة الرقص الشرقيّ!

  • 28-09-2011 | 00:02

«تحلم راقصات أن تكنّ أخوات الفجر

كي يرقصن في الأعجوبة المنسيّة بفعل مكر الأثواب البهيّة»

إدمون جابيس، «غياب المكان»، «العتبة – الرمل»

تمرّ هذه السنة الذكرى الثلاثون لاغتيال الرئيس المصري محمد أنور السادات، في احتفالات النصر العسكري المصري في «حرب تشرين» في 6 أكتوبر 1981، في وقت تشهد مصر تحولاً نوعياً في السياسة والاجتماع بعد الثورة الشعبية التي أطاحت بنظام خليفة السادات الرئيس حسني مبارك.

ما سنتطرّق إليه، في السطور التالية، لا يدخل في السياسة بشكل مباشر، بل يلقي الضوء على علاقة «الرئيس القتيل» بالرقص الشرقي منذ الحرب العالمية الأولى حتى اغتياله، إذ يبدو أنه عاش عصر الرقص والراقصات بامتياز، وهو، بحسب الكاتب فرانسوا باسيلي، استحقّ بجدارة أن يوصف بأنه بطل الحرب والسلام، ولكنه يستحق أن يوصف بأنه من اغتال النهضة المصرية الأخيرة أيضاً.

فكرة الكتابة عن الرئيس أنور السادات والرقص الشرقي بدأت حين كنت أبحث عن مصادر الرقص الشرقي في مصر وعلاقة الراقصات بالسياسيين والقصور والبلاط، إذ تبيّن أن اسم السادات يحضر بقوة في مسار هذا الفن «المنبوذ» والمرذول، أولاً من حيث متابعته حفلات الرقص مع بعض الرؤساء والسياسيين العرب والأميركيين، وثانياً من حيث أن هذا الفن يختلط بالجاسوسية والسياسة. وهذه العلاقة لم تُبنَ على إشاعات وأقاويل صحف، بل تسنتد إلى وقائع ملموسة تبدأ من كتاب السادات نفسه بعنوان «صفحات مجهولة» (قيل إن السادات منع تداوله بعد توليه الرئاسة المصرية)، ولا تنتهي بشغف وزير خارجية الولايات المتحدة هنري كيسنجر بمتابعة الراقصة نجوى فؤاد. والأخطر من ذلك تمثَّل في حديث الأوساط السياسية عن دور لراقصة أميركية في إقناع ضابط من النظام الساداتي في دعم الأصوليين في أفغانستان بأسلحة روسية، وهذا الدعم كان مقدّمة لنشوء «تنظيم القاعدة».

من أين البداية؟

من أين نبدأ في هذا الفيلم المصري الطويل الذي يستند إلى فكرة الرقص في خدمة السياسة أو الراقصة في خدمة الدبلوماسية، أو في سيرة السادات الراقصة؟ فالرئيس القتيل وُلد في «ميت أبو الكوم»، وهي البلدة نفسها التي وُلدت فيها الراقصة فيفي عبده، وخلال حفلة زفاف ابن شقيق المهندس سيد مرعي رقصت فيفي وكان السادات حاضراً مع حرمه جيهان. آنذاك، دار حوار بين الثلاثة فتحدّثت زوجة الرئيس قائلة إن قرية ميت أبو الكوم أخرجت نجمة لامعة.

هذا الحديث مجرد نقطة عابرة في حياة السادات مع الراقصات، إذ تروي الراقصة تحية كاريوكا أنها كانت تعرف السادات الذي اختبأ في منزل شقيقها، في إحدى فترات هروبه في زمن الاستعمار الإنكليزي، وظلّ مختبئاً بمعرفة الفدائيين فترة طويلة، وكانت هي واحدة ضمن من ساعده على الهرب على هامش قضية اغتيال أمين عثمان، وزير المالية ورجل الإنكليز الأول في مصر الملكية. وفي أحد لقاءاتهما عام 1978، قال لها السادات، وكان رئيس الجمهورية، «كنت أعمل مع شقيقك»، فوقفت كاريوكا وقالت: «لا يا ريس إنت كنت هربان»، فضحك.

ومن الضروري هنا النظر إلى دور الكاتب المصري عباس محمود العقاد في تشكيل المناخ الذي دفع الشباب إلى اعتبار أن اغتيال أمين عثمان هو واجب وطني. فقد أوردت عريضة الاتهام ضد السادات وشركائه مذكّرة الدفاع التي احتوت على أجزاء من مقال العقاد ضد أمين عثمان في جريدة «الكتلة» في 26 نوفمبر 1945 يقول فيه: «في كل ما كتب عن مأساة فبراير 1942 كانت هنالك حلقة مفقودة يعرفها الناس، لأن «الزعيم الجليل» (يقصد النحاس) كان أول من شهر أمرها وأشاد بفضلها في المحافل العامة والخطب المنشورة وهذه الحلقة المفقودة هي «أمين عثمان»... لقد كان عثمان حلقة مفقودة بين التقاليد المصرية والتقاليد الإنكليزية، ومن الخير أن تظلّ هذه الحلقة مفقودة على الدوام – لأن أمثال هذه الحلقات تنقطع عندها الوشائج الطيبة دائماً ولا يرجى بها اتصال يستراح إليه... هزل الزمان الذي يذكر فيه أمين عثمان، وطاب الزمان الذي يغمر فيه النسيان أمثال هذا الإنسان».

وكان الدفاع يقول: «إذا كان هذا هو موقف مفكّر مصري كبير كالأستاذ العقاد فما بالك بالشباب المصري المتحمس، أليس من المنطق أن نجد لهم عذراً إذا ظنوا أن التخلّص من أمين عثمان هو واجب وطني؟».

تمتلئ قصة حياة السادات بالكثير مما تعتمل به التراجيديات الإغريقية لأبطالها من «أنصاف الآلهة»! فهو رجل الملهاة والمأساة في الوقت نفسه، طالما نقلت عنه روح النكتة، ومن كان يسمعه كان يظن أنه ممثل ترفيهي أكثر منه رئيس دولة كبرى. بل يمكن وصف تجربته السياسية بأنها تستند إلى دبلوماسية الرقص (الشرقي).

فالنافل أن السادات لم يكد يعتلي المنصب الرئاسي في مصر، حتى بدأت الولايات المتحدة الأميركية السعي إلى استشعار سبل الرئيس الجديد وأفكاره، وكأن القادم الجديد إلى الحكم يحتاج إلى اختبار وفقاً للمعايير الأميركية. وكانت زيارة وزير الخارجية الأميركية هنري كيسنجر إلى المنطقة آنذاك تمثل تمهيداً ناعماً لمعالم الطريق الذي قد يجمع مصر بأميركا، ذلك في محاولة تعويض سياسي متأخّر عن الضرر الأميركي من استمرار العلاقة المصرية - الروسية (السوفياتية) بتأثيرات المرحلة الناصرية.

جاء كيسنجر وجلس مع السادات وجمعهما حلم إنهاء المعضلة العربية - الإسرائيلية، ولما كانت المباحثات قد انتهت، كان على كيسنجر أن يأخذ نصيبه من الراحة والترويح و{الفرفشة»، فأشار السادات على إسماعيل فهمي، وزير الخارجية المصرية آنذاك، بأن يقيم على شرف كيسنجر حفلة عشاء، والليلة لا تكون مصرية إلا براقصة شرقية هي نجوى فؤاد التي جاءت لتؤدي إحدى وصلاتها الرسمية.

رقصت نجوى أمام كيسنجر رقصة البدو والجمال، إلى جانب رقصات شعبية نوبية وأخرى من صعيد مصر ومن شمالها.

تنفي نجوى أن تكون قدّمت هذه الرقصات بأوامر من أحد، فهي تعتبر أنها تعبّر «عن الشخصية المصرية ومصر مليئة بالرقصات المميزة التي لا يعرفها أحد». تضيف: «المؤسف أن كلمة رقص شرقي عند البعض تتحوّل إلى خلاعة وفساد. في  الحقيقة هو نوع من التراث الشعبي لكل دولة، تحتفظ به وتنمي مفرداته، وهذا الأمر يحدث في بلاد العالم وأتمنى على المعاهد الفنية دعم هذه الميزة».

أراد أصحاب هذه الرواية القول إن «عظمة» الأميركي كيسنجر انهارت أمام هزّ وسط نجوى، بمعنى أن تمايلها غلب عقله، وطار حباً برقصها، وبدا أنه استمتع بالليلة الشرقية، لتكون زيارته الأولى ليست الأخيرة إلى مصر.

حول الذكريات التي يعتزّ بها عن مصر وسحرها وجمالها قال كيسنجر: «ما زالت منطبعة في مخيّلتي ولا تفارقني أثناء زياراتي المتكرّرة الى القاهرة، فبعد يوم طويل من المفاوضات والجدل بين دهاليز السياسة، أخيراً أستريح في سهرة أحرص فيها دائماً على وجود الراقصة المصرية التي فُتنت بها وهي نجوى فؤاد، وكنت أتأكد، قبل وصولي إلى القاهرة، من وجود الراقصة الجميلة في مصر، وأسأل عن أماكن وجودها حتى أراها، وكانت تبهرني، بل أعتبرها أحد أهم الأمور الجميلة التي رأيتها في العالم العربي إن لم تكن الأمر الوحيد» (...).

وحين تروي نجوى بعضاً من سيرة حياتها، تعدّد أنها تزوجت ست مرات، وهي بذلك تعطي جانباً للجنس في حياتها، والجانب الأخر هو السلطان وتقرّبها منه، فهي، بحسب رواياتها، لم ترقص أمام كيسنجر فحسب بل كانت لها فرصة أن ترقص أمام أهم السياسيين من بينهم: سوكارنو، جعفر النميري، الملك حسين، الحبيب بورقيبه وزوجته كرماني.

وفي موضع آخر تروي نجوى أن الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، خلال زيارة له إلى القاهرة، حجز الصالة كلّها التي كانت تعمل فيها ليشاهدها وهي ترقص.

روت نجوى قصة علاقتها بكيسنجر الحقيقية قائلة: «لا علاقة عاطفية بيننا ولا من يحزنون». لم أقم علاقة مع أي رجل إلا في الحلال. كل الحكاية أن كيسنجر شاهدني وأنا أرقص في الاحتفال الذي أقيم في مدينة الإسماعيلية بمناسبة توقيع اتفاقية كامب ديفيد التي أدت إلى الصلح بين مصر وإسرائيل، وحضره الرئيس الراحل أنور السادات وهنري كيسنجر، فأعجب رقصي الوزير الأميركي، ومرَّ على ذلك وقت عندما فوجئت، وأنا أؤدي فقرة راقصة في حفلة تعاقدت عليها في الإسكندرية، بأن وزارة الخارجية المصرية تبحث عني في كل مكان، واتصلت بزوجي آنذاك سامي الزغبي الذي كان مديراً لأحد فنادق القاهرة العالمية، فأصيب بخضة وخوف وأخبرهم عن مكاني في الإسكندرية، فاتصلوا بي وقالوا إن هنري كيسنجر جاء إلى القاهرة وسيغادرها غداً صباحاً ولا بد من أن يتفرّج عليّ الليلة، وطلبوا مني أن أنهي فقرتي فوراً وأعود إلى القاهرة، وهذا ما حدث. وصلت بعد سفر بالسيارة استغرق ثلاث ساعات، وذهبت مباشرة إلى المكان الذي سأرقص فيه لهنري كيسنجر ورقصت ساعة ونصف الساعة، وفوجئت به يقوم ويرقص معي، ثم يقترب مني ليقول: أنت راقصة رائعة ومدهشة».

أضافت نجوى فؤاد: «وبعدما غادر مصر، مرت فترة ثم أُخبرت أنه سيأتي ليشاهدني في فندق «النيل هيلتون» الذي كنت أقدّم فيه فقراتي الراقصة، وجاء فعلاً وكانت معه امرأة اسمها نانسي قدّمها لي على أنها خطيبته، فرقصا معي، وقبّلتني نانسي وهي تشيد برقصي وفني وتؤكد أنني جديرة بإعجاب السياسي الأميركي».


تابعت نجوى: «كانت هذه المرة الأخيرة التي أرى فيها كيسنجر. منذ ذلك التاريخ لم أره على رغم الحواديت التي كانت تملأ الصحف في ذلك الوقت حول علاقتي به»...

ليست نجوى وحدها من حظي بالرقص أمام السلاطين في زمن السادات، إذ تروي سهير زكي عن علاقتها بالسيدة جيهان السادات، التي كانت طوق النجاة بالنسبة إليها في عصر الرئيس السادات من مصيدة تصفية الحسابات التي كانت الثقافة السائدة في ذلك الوقت. ولقربها من سيدة مصر الأولى لم تتعرّض لأي مشكلة، ورقصت سهير أمام ريتشارد نيكسون عندما حضر إلى مصر في نهاية السبعينيات.

كان السائد آنذاك عدم نزول الراقصة من على المسرح في حضور شخصية سياسية، إلا أن سهير فعلت ذلك لترقص أمام نيكسون والسادات، وعندما حاول الحرس منعها طلب منهم نيكسون أن يتركوها لترقص أمام الرئيسين. وعلّق السادات على هذا الموقف بخفة ظله المعهودة قائلاً لها: «أيوه يا سهير رقصتي مع الكتلتين الشرقية والغربية». وكان ذلك الموقف فاتحة خير لسهير إذ دعاها شاه إيران لترقص في قصره في إيران.

الجاسوسيَّة

نجوى فؤاد وسهير زكي رقصتا أمام سياسيين أميركيين لكنهما لم تكونا مؤثرتين في النسيج السياسي، عكس الراقصة حكمت فهمي، أشهر الراقصات التي أدت دوراً مؤثراً في المطبخ السياسي والحركة السياسية في مصر، فقد كانت تجمع معلومات وأخباراً عن الإنكليز لصالح الألمان وساهمت، بفضل علاقتها بالقادة الإنكليز وصداقتها معهم، في معرفة أسرار سياسية وعسكرية إنكليزية وأهدتها للألمان. رقصت حكمت فهمي في قصور أوروبا والعالم وعقدت صداقات مع كبار القادة.

كتب بول كارل في كتابه «ثعالب الصحراء» عن حكمت فهمي: «كانت راقصة جميلة جداً، نموذجاً للجمال العربي، ذات جسد رائع، وحركات متجانسة، وملامح مصرية أصيلة، وعندما ترقص يدوّي التصفيق كالعاصفة، ويقذفون إليها بباقات الزهور»... وكانت مصر آنذاك ترزح تحت الاستعمار الإنكليزي، وحين اشتعلت الحرب العالمية الثانية كان رومل (القائد الألماني الملقّب بثعلب الصحراء) يقترب من العلمين التي تبتعد عن الإسكندرية حوالى 70 كيلومتراً، وكانت تظاهرات المصريين تهتف: «إلى الأمام يا رومل».

في تلك الفترة أيضاً، كانت حكمت فهمي تترّبع على عرش الرقص الشرقي، وكان مقدراً لها أن تؤدي دوراً على مسرح الأحداث مع جاسوسين ألمانيين زرعتهما المخابرات الألمانية في القاهرة، لتوفير معلومات يحتاج إليها رومل في معركته ضد جيوش الحلفاء في الشرق الأوسط (الإنكليز تحديداً).

بدأت الحكاية من اجتماع مجلس حرب عُقد في منتصف يونيو (حزيران) في برلين حين ذكر رئيس المخابرات الألماني أن «رومل يحتاج إلى معلومات عن القاعدة البريطانية في مصر»، نتيجة لذلك وُضعت خطة تتضمّن تسلّل اثنين من الجواسيس إلى القاهرة وحيفا، كان أحدهما، يدعى كلين، سبق له أن عاش في الإسكندرية، والثاني مولينبروخ عاش في حيفا، وكانا يتحدثان العربية بطلاقة، وعليهما أن يعودا إلى هاتين المدينتين. لكن محاولات إرسالهما إلى القاهرة وحيفا باءت بالفشل، إلى أن وقع اختيار رئيس المخابرات الألمانية على اثنين أمضيا سنوات في شمال إفريقيا هما يوهان إبلر وهنريتش غيرد ساندستيت.

كانت حكمت فهمي تغني وترقص في نادي الـ{كيت كات» في القاهرة لجنود القوات البريطانية، وتنام في عوامتها على شاطئ النيل في الزمالك. بدأت نشاطها التجسّسي بمدّ الجاسوس الألماني إبلر بالمعلومات التي تحصل عليها من الضباط الإنكليز ليرسلها بدوره إلى الجنرال رومل الذي كان يقاتل الإنكليز في العلمين.

وفي عوامة جاسوسة رومل سقط الجاسوسان الألمانيان إبلر وساندستيت، فقد عاشا في عوامة حكمت فهمي ودأبا على السهر ليلا في «الكيت كات» والعودة مخمورين قرب الصباح إلى العوامة التي اتخذا منها محطة للإرسال يتصلان عن طريقها بقيادة المخابرات الألمانية، وداخل هذه العوامة أيضاً بدأ تعاون السادات مع هذين الجاسوسين في إصلاح وتشغيل أجهزة الإرسال التي تصل عوامة حكمت فهمي بمركز المخابرات الألمانية في الصحراء الغربية.

يشير كلّ من السادات في كتابه «صفحات مجهولة» وليونارد موزلي في كتابه «القط والفئران» وعبد المغني سعيد في كتابه «أسرار السياسة المصرية في ربع قرن»... إلى تفاصيل غريبة عن الحياة التي كان يعيشها إبلر وساندستيت ويحاولان عبرها تقليد أساطير شهريار، مع اختلاف واضح هو أن وليمة الجاسوسين كل ليلة كانت من بنات الهوى. لكن وكر التجسّس كُشف أمره بعدما أبلغت غانية فرنسية تُدعى إيفيت عن إبلر - وكان معروفاً في مصر باسم حسين جعفر- الذي أعطاها ببذخ 20 جنيهاً استرلينياً أجراً عن ليلتها وتخلّى عن حذره أمامها، فوشت به إلى أجهزة المخابرات، وكانت النتيجة أن ألقي القبض على إبلر وساندستيت وحكمت فهمي والسادات وزميله حسن عزت اللذين طُردا من الجيش ورُحّلا إلى سجن الأجانب ثم إلى معتقل قرب مدينة المنيا.

تقول حكمت في مذكراتها: «اكتشفت أن المصادفة البحتة هي التي أوقعت بنا في قبضة الإنكليز، ففي حين كان إبلر وزميله ينفقان ببذخ وإسراف مما في حوزتهما من جنيهات استرلينية على ملذاتهما، كان نظام تحويل العملات الاسترلينية لا يتم من البنوك كما يجري في معظم بلدان العالم، بل وضعت السلطات البريطانية نظاماً يقضي بضرورة توريد الأوراق النقدية من مستلميها شخصياً إلى ضابط رواتب الجيش البريطاني لاستبدالها».

خريف الغضب

على أن القصة الأكثر غرابة التي لها علاقة قوية بدور الرقص الشرقي في السياسة والحرب، حصلت في زمن الرئيس السادات أيضاً وتتعلق بدور راقصة أميركية في إقناع ضابط تابع للنظام الساداتي بتزويد الأصوليات الأفغانية بالأسلحة، هذه القصة التي كتبها جورج كريل (توفي عام 2006) ليجمع تفاصيلها ويوثّقها في كتاب يقع في 550 صفحة بعنوان «حرب تشارلي ويلسون»، وتحوّل إلى فيلم بالعنوان نفسه، عُرض في 21 ديسمبر (كانون أول) 2007، بطولة توم هانكس وجوليا روبرتس وفيليب سيمور هوفمان، إخراج مايك نيكولز، كذلك تناولتها قناة History في برنامج وثائقي في 22 ديسمبر (كانون الأول)  من العام نفسه.

إنها قصة عضو كونغرس عابث من تكساس، يُدعى تشارلي ويلسون، وقيادته سراً أكبر عملية في تاريخ الاستخبارات المركزية الأميركية لدعم المقاتلين الأفغان وتسليحهم ضد الوجود العسكري السوفياتي في ثمانينيات القرن الماضي. وفي عام 1980 (قبل اغتيال السادات بفترة قصيرة) تمكّن ويلسون، بوصفه عضو لجنة الاعتمادات الفرعية في الكونغرس، من مضاعفة المبلغ المخصّص لدعم المقاتلين الأفغان من خمسة ملايين دولار إلى عشرة ملايين دولار، ثم نجح في تأمين مبلغ 750 مليون دولار سنوياً لهؤلاء «المجاهدين» بحلول نهاية عقد الثمانينيات.

في كتاب جورج كريل «حرب تشارلي ويلسون»، تطل حكاية المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة (ضابط النظام الساداتي)، في الفصل العاشر الذي يحمل عنواناً مثيراً هو «عضو الكونغرس يأخذ راقصته الشرقية إلى الجهاد».

يبدأ الكاتب في جمع خيوط الحكاية وكيف تلاقت مصائر أبطالها. البداية من كيلغور، شرق تكساس، حيث كانت كارول شانون، وهي بعد في السادسة من عمرها، تهوى الرقص، لكن مرجعية الأسرة الدينية كانت تعتبر الرقص رجساً من عمل الشيطان وتنصح الأب، بوصفه رب المنزل، بطرد هذه الروح الشريرة من رؤوس أبنائه. ولما كان الأب لا يحفظ تعويذة فقد لجأ إلى الضرب، ولم تعرف الصغيرة كارول سبباً لثورة أبيها هذه وإعمال حزامه الجلدي في جسدها حتى يدميه، ولا سبب لكمه لها، فارتبكت لحظتها ولم تجد غير الهرولة إلى غرفتها وإغلاق الباب والعودة إلى الرقص على أنغام الموسيقى واستراق النظرات إلى المرآة، في حين أخذت ضحكاتها تتعالى بعد سنواتٍ انتصر فيها عنادها على سوط أبيها. تزوّجت كارول السياسي الشاب جو شانون الذي سرعان ما رشّح نفسه لمقعد في مجلس الشيوخ. غير أن عضو الكونغرس تشارلي ويلسون قرّر مساندة صديق ينافس شانون في الدائرة الانتخابية نفسها، وقبل أن يسقط الأخير من عليائه نتيجة فوز خصمه، قال لزوجته كارول: «ويلسون هذا ليبرالي خطير، وسيتسبّب يوماً في تدمير الولايات المتحدة... إنه العدو». إلا أن كارول بدلاً من أن تمقت الرجل، أُعجِبَت به.

البيت الأبيض

القصة تناولتها أكثر من صحيفة أميركية، أبرزها «واشنطن بوست» و{وول ستريت جورنال» التي قالت إن جهود إقناع مصر بإرسال سلاح سوفياتي إلى أفغانستان جاءت في إطار التمويه على مساعدة الغرب المجاهدين الأفغان، والادعاء بأن هذا السلاح تمَّ الاستيلاء عليه من الجيش السوفياتي، وهي كانت، في جوانب منها، من صنع المخيّلة الهوليوودية، لكنها تشكّل مرآة لواقع السياسة الساداتية القائمة على «دبلوماسية الراقصات»، كيف لا والكاتب خالد القشطيني نقل في مقال له في جريدة «الشرق الأوسط» أن البيت الأبيض لا يُعتبر مجرد مقرّ للرئيس الأميركي، بل ولا حتى مجرد مبنى للمفاوضات ووضع السياسات وتوقيع الاتفاقيات وإطلاق التصريحات من حديقة الورد، بل هو مرآة تعكس جوهر الولايات المتحدة في شتى ميادين حياتها وحضارتها, ومن ذلك تخصيص ليلتين شهرياً لتنظيم حفلات موسيقية لإحياء تراث أميركا في هذا الميدان؟!

كانت الحفلات تجري في الصالة الشرقية التي تستوعب نحو مائتي ضيف، وبالطبع، لا يمكن لرئيس دولة أجنبية، مهما كانت صغيرة أو كبيرة، إلا أن يحضر للمشاركة في إحدى هذه الحفلات الموسيقية. وقد اقتضى البروتوكول أن يُسأل الضيف عمَّا يحب سماعه من تراث أميركا الموسيقي، وقد حلَّ رجل عربي في واشنطن ضيفاً على الرئيس الأميركي جيرارد فورد، وكان الرئيس المصري أنور السادات حاضراً مع زوجته جيهان، وعندما سئل عما يفضّل الاستماع إليه من موسيقى الولايات المتحدة، طلب مقطوعات من فولكلور الموسيقى الأميركية، فكُلّف جوني كاش بإحياء الحفلة. وفي اليوم المخصّص للاحتفال، ابتُلي المغني الكبير بداء السرطان ونُقل إلى المستشفى، فكُلّفت المغنية الزنجية بريل بيلي بإحياء الحفلة بدلاً منه، فأُخذت جانباً وحُذّرت: «هذا رجل عربي مسلم، يصلي ويصوم، لا ترقصي معه»، لكن بيلي، ما إن انتهت من أغنيتها الأولى وانطلق العازفون بموسيقى الجاز، حتى هجمت على الضيف الكبير واقتادته إلى الساحة وراحت تلفّ وتدور به.

لم يعرف الرئيس فورد ماذا يفعل، وتوقّع أن يسفر ذلك عن قطيعة محرجة للعلاقات بين البلدين وانهيار الغرض المطلوب من الزيارة، فأسرع موظفو الخارجية ليندسوا بين الصحافيين: «الرجاء! الرجاء! لا تصوير! تذكروا المصالح الأميركية!»، بيد أن الرئيس فورد أسرع لتلافي الموقف وتقدّم إلى السيدة جيهان وانضم وإياها مع الراقصين. فتلطّف الجو سريعاً وسجّل المراقبون والمؤرخون هذا الفتح للرئيس فورد كأهم عمل أنجزه في حياته السياسية.

لم يكمن الخطر في اعتماد السادات دبلوماسية الراقصات في سياسته، بل في قتل النهضة. فهذا الرجل الفذ الذي صار بجدارة بطلاً للحرب وللسلام وأعاد الى مصر حرّيتها، هو نفسه الرجل الذي اغتال نهضة مصر وساهم في ترويج الحجاب والهوس الديني وثقافة «الروشنة»، بل حفر حفرة ووقع فيها وبقي طيفه حاضراً حتى في ظلّ حسني مبارك الذي سقط أخيراً.