يرويها أحمد فؤاد نجم: لم أكتب قصيدة حلوة في عهد مبارك
يعود الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم إلى ما بدأ به حكاياته: «الثورة»، معلقاً، في الحلقة العاشرة والأخيرة، على الثورات العربية التي لا يزال يُعتقد على نطاق واسع، بأن تراث قصائد وأغنيات الشيخ إمام وشاعرنا الكبير، كان مكوناً ثقافياً أصيلاً من مكوناتها، يتحدّث عن الثقافة في عهود رؤساء مصر الثلاثة عبد الناصر والسادات ومبارك، حيث ضمرت تماماً في عهد الأخير، الذي أفرج فور تولّيه الحكم في عام 1981عن كل المعتقلين باستثناء أحمد فؤاد نجم.الحمد لله أنني عشت حتى رأيت هذه اللحظة التاريخية، التي انتظرتها أجيالٌ مُتعاقبة، أتمنى أن يمد الله في عمري لأرى زوال ما تبقى من أنظمة ديكتاتورية، أنا متفائل جداً، ما دامت المرأة العربية «الولادة» موجودة وقادرة، فلا خوف على مستقبل الثورات العربية، مهما كانت التحديات.
لم أفاجأ بهذه الثورة في مصر، لأنني كنتُ مؤمناً بأن ما زرعه جيلنا من وعي نضالي، لم يضع هباء، الحمد لله فقد صدق توقّعي، وإذا كان شباب 1972 هم شباب «الكعكة الحجرية»، وبالمناسبة هذه القصيدة الشهيرة لأمل دنقل كُتبت عندي في «حوش قدم»، فإن شباب ثورة يناير 2011 هم شباب الـ «فيسبوك»، وأنا كنت أنتظرهم كي يحققوا اللي متحققش في 1972، واللافت أن الشباب في الثورتين لم يصلوا الى السلطة ودول لازم يحكموا مصر لأن الشباب هم المستقبل والمستقبل لازم ينتصر على الماضي.أربعون سنة مرَّت بين الثورتين، حتى ظنَّ الناس أن مصر ماتت واندفنت، لكن عبقرية الشخصية المصرية أنها تنام لكن لا تموت، مثل التعلب تنام يقظة حذرة، مصر مارد عملاق، تتغير الدنيا حين تتغير مصر، دي أقوى من أي حد، ومن أي حاجة يا أخي.الغريب أن الثورتين بينهما شبه غريب، فالأولى كانت ثورة دم خفيف، وكان فيها غناء وموسيقى وأشعار، غناء الشيخ إمام والفنانين والمثقفين ورسامي الكاريكاتور يرسمون حاجات تموّت من الضحك، أذكر منها رسمة رسمها محمد توفيق رسام كاريكاتور عبقري يعيش الآن في باريس، رسم السادات قادماً من بعيد وحوله الطريق مليء بالضباب، وفي الرسمة ابنته تقول لأمها جيهان «ضباب يا ماما» وده طبعاً سخرية من حكاية عام الضباب بتاعة السادات، وكانوا يسمون جريدة الأهرام بـ «الأهران».ثورة 25 يناير 2011 أيضاً ثورة ضاحكة والحقيقة أن المصريين عملوا ثورة أذهلت العالم، مبهورون بحجم التضحيات والشهداء وبمدى التحضّر والرقي الذي شهده الميدان.آسف جداً لأن عدداً من العيال الحاقدة الجاهلة ذهبوا لحرق كنيسة إمبابة، شيء مقرف ومؤسف، ولا يمكن أن يكونوا مصريين، دول خونة حتماً، لا بد من أن تحقيقات النيابة ستكشف عن بصمات للموساد في هذا الحادث، ثمة أطراف في الداخل تسعى إلى تشويه الثورة، التي قال عنها أوباما إنه يتمنى أن يتعلم الشباب الأميركان من الشباب المصري، وقال عنها ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا: «يجب تدريس هذه الثورة المصرية في المناهج الإنكليزية».أبو الأقباط والمسلمينهذه الأحداث الطائفية لا تخدم إلا أعداء الثورة ومصر، وهي أحداث تصبّ الزيت على نار الفتنة الطائفية والشباب القبطي معذور، ينزل على ماسبيرو أمام التلفزيون ويعتصم، وأنا نزلت إليهم، لأني لا أستطيع أن أجلس أمام التلفزيون أتابع في البيت ما يجري على شاشات الفضائيات، لدي دور ولا بد من أن أؤديه، نزلت وتحدثتُ مع أولادي الأقباط، أنا أبو كل المصريين الشباب مسلمين وأقباطاً، وتكلمت معهم وطلبت منهم ما يضيعوش دم الشهداء هدراً، أقدِّر غضبهم وأتفهَّمه، لقد حذَّرت وما زلت أحذِّر من الانتهازيين الذين يرون اللحظة مناسبة لتصفية الحسابات والابتزاز، للحصول على أي مطالب وهذه لعبة خطرة جداً، كنا دائماً عايشين مسلم ومسيحي ويهودي لا فرق ولا حساسيات، زوجتي أم زينب لما ولدت زينب جارتنا أم بيتر هي اللي وقفت معاها وساعدتها، وبعد الولادة عملت أم بيتر كعك العيد لنا وهم ناس على قد حالهم، وما زال قلم أمي معلم على وجهي وعلى ضميري لما قالت لي «الجار ولو جار يا حمار» .أنا مطمئن ـ على رغم هذا المشهد العبثي المجنون ـ لأنني أعرف أن الأزمة الطائفية مفتعلة في مصر، منذ اخترعها السادات ووزير الداخلية النبوي إسماعيل، بعد اتفاقية كامب ديفيد، لكي يشغلوا الناس عن سوء الأوضاع السياسية والاقتصادية، ومن يومها والفتنة الطائفية أصبحت ملفاً أمنياً منذ أحداث «الزاوية الحمرا»، وأذكر أني كنتُ في سجن الاستنئاف عام 1979 وشفت السجانة يضربون بوحشية في المساجين وعرفت أنهم من بتوع الفتنة الطائفية ورحت الزنزانة ولقيتهم تجار في «وكالة البلح» وسألت واحداً منهم ماذا تريد مني؟ قال لي أنا اسمي فلتاؤس وأريد أن أرى شريكي الحاج محمد، وبعلاقاتي في السجن تمكنت من أن أجعل محمد وفلتاؤس يتقابلان في مشهد لا يُنسى، حضنوا بعض وبكوا بحرقة في مشهد عاطفي مؤثر.تولى مبارك وأنا كنت أتعشّم فيه خيراً وقلت أكيد هيبدأ فترة حكمه بمصالحة وهيفرج عن المعتقلين، وبالفعل حدث ما توقعت، لكن ما لم يتوقَّعه أحد أنه أفرج عن جميع المعتقلين باستثنائي أنا شخصياً فحسب. من يصدِّق؟ لم أكن أعرفه «طب ليه؟ طب فين؟ طب مين قاله إيه؟ ما تعرفش» وأكملت مدة المحكومية وخرجت من السجن «يعني مالوش جمايل عليّ». وكنت أتابع تصريحاته لعلّي أفهم شخصيته لأننا قبل وصوله الى الحكم لم نكن نعرفه. ومع الأيام والمواقف والتصريحات اكتشفت أنه موهوب في الغباء.خيانة عظمىأثناء حكمه وفي أحد المؤتمرات الصحافية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، سأله صحافي إسرائيلي: هل بحثتم في لقائكم موضوع الجاسوس الإسرائيلي عزام عزام؟ فردّ عليه مبارك قائلاً بمنتهى الغطرسة: ماأنتوا اللي فضحتوا الدنيا، دا أنا سلمتكو قبل كده واحداً وثلاثين جاسوساً في السر ودون شوشرة»...أليس هذا اعترافاً بالخيانة العظمى والاعتراف سيد الأدلة، من يومها عرفته على حقيقته، وطوال ثلاثين سنة تفرّغ لهدم مصر وتقزيمها والحط من قدرها، منهج مدروس «وكأن بينه وبين مصر تار يا جدع، كيف يُقسم في اليمين الدستورية أن يحافظ على سلامة الوطن ووحدة أراضيه وأن يرعى مصالح البلاد رعاية كاملة وتبقى مصر بالحالة المنيّلة دي، مش ده حنث بالقسم وخيانة عظمى؟».أفقر مبارك المصريين وغرّبهم في البلاد وغرَّقهم في شواطئ أوروبا، «شباب زي الفل ومين ينسى 1500 مصري غرقوا في البحر الأحمر في عبَّارة ممدوح إسماعيل والتناحة تاني يوم في الاستاد هو وولاده ومراته ورجالة محتشدين يشجعوا المنتخب إيه القرف ده؟ مش ممكن ده يكون رئيس مسؤول عن الشعب المصري، وسلَّط علينا وزير الزراعة الأسبق يوسف والي يُسرطن الزرع علناً وبكل وقاحة ويسربوا المعلومات لينا عشان يفرسونا».سقط نظام مبارك حين فقد عقله بعد 30 عاماً من النهب وفقدان الضمير، فقد سرق أموال المصريين ونهب إيرادات قناة السويس، وقد عرفت ذلك بنفسي، من داخل الهيئة في الإسماعيلية، حين كنت مدعواً إلى أمسية شعرية وعرفت منهم أن إيراد القناة اليومي يسلّم لرئاسة الجمهورية للإنفاق على مؤسسة الرئاسة، حيث لا يعرف أحدٌ عنها شيئاً، وطبعاً تُسلم بلا أي مستندات. لكنه سقط حين فقد مبارك عقله في الانتخابات البرلمانية الأخيرة 2010، وسعى الى وجود برلمان يخلو من المعارضة.أما عن الإبداع والثقافة في عهد مبارك فلا أثر لإبداع حقيقي لأنه خنق الإبداع والمبدعين الحقيقيين، نجح في تجفيف منابع الإبداع وشكّل بيئة طاردة للكفاءات والمواهب، لم يكن نظاماً سياسياً بل كان فخاً وقعنا فيه، «مفيش شاعر مصري حقيقي ظهر منذ التسعينيات حتى الآن وإلا ما كان الأبنودي وسيد حجاب استمرا إلى اليوم، المبدعون الحقيقيون انسحبوا ومبارك سد نفس المبدعين عن الإبداع وأنا طوال عهد مبارك نفسي مسدودة لم أكتب قصيدة حلوة لأن الجو خانق ومقرف ومبارك كره المثقفين لأنه غبي».أما عبد الناصر فقد كان مثقفاً وقارئاً وأدرك خطورة المثقفين، وكان جنبه صلاح جاهين وبليغ حمدي وعبد الحليم وأم كلثوم وعبد الوهاب، عبد الناصر قمع المثقفين بشدة لكنه لم يخسرهم، وهذا ذكاء منه، لأنه في النهاية كان رجلاً وطنياً والمثقفون يعرفون هذا، كان لديه مشروع يدافع عنه، ولو اعتقل المثقفين، وكانت توجد كيمياء غريبة بينه وبين المثقفين جعلت الستينيات ذروة النهضة الثقافية في شتى مجالات الثقافة والفنون والسينما والمسرح، وشعر وأدب وكل فن وكل فكر والمثقف كان يخرج من المعتقل ليعيَّن في الإعلام. عبد الرحمن الشرقاوي لم يكن يحب عبد الناصر وكان كاتب رواية مسرحية اسمها «الفتى مهران» وكان البطل يكاد ينطبق على عبد الناصر، أحدهم تحدث مع ثروت عكاشة في الموضوع فأمر بوقف عرض المسرحية على المسرح القومي، وبمجرد أن عرفنا أن العرض توقَّف زحفنا على المسرح القومي عشان نشوف العرض وعبد الناصر عرف اتصل بوزير الثقافة ثروت عكاشة وقال له أنا قرأت الرواية وهي رواية حلوة، ثروت قال له: خلاص يا ريس من بكرة ترجع، عبد الناصر قال له: الليلة دي يا ثروت وبالفعل عرضت المسرحية دون توقف ده قرار لا يتخذه غير راجل مثقف وله رؤية وربما ذكاء عبد الناصر أنه اتكأ عليهم وأدرك أهمية دورهم في تحقيق مشروعه لكل المصريين، وهو قد يطوّعهم من أجل مشروع قوي هدفه الإنسان المصري.أما السادات فقد تعامل مع المثقفين على أنهم «شوية أفندية» وكان نقيض عبد الناصر لا يحب القراءة ولا الثقافة ولا المثقفين. كان يرعى الأدب والثقافة لزوم الوجاهة والمنظرة، لازم أقول إن السادات كان مغرم بالفن وكان زمان فيه جريدة اسمها «الصباح»، قبل ما يبقى رئيس أرسل إعلاناً فيها بصورة وقال أنا شاب أسمر وشعري أكرت وأجيد تقليد أصوات جميع المطربين والحيوانات وأنه يبحث عن دور في السينما ولم يكن قارئاً ورفض نصيحة أنيس منصور له بضرورة القراءة وقال له أنت اتجننت يا أنيس أنت متعرفش إن القراءة هي اللي قتلت جمال عبد الناصر.إرادة الأجياليعني نقدر نقول إن المثقّف كان دائماً ضحية النظم الديكتاتورية ليس في مصر وحدها ولكن في كل الدول العربية الواقعة تحت سيطرة حكام لا يحترمون الثقافة ولا المثقفين، لأنهم لا يحترمون الإنسان، لذلك كنت أراهن على ثورة الإنسان العربي وكنت دائماً أدعو الله أن أحيا حتى أرى هذه اللحظة التاريخية، اللحظة الثورية وأنا مؤمن يقيناً بقدرة الشعوب العربية على إعادة صياغة الواقع، مهما كان متردياً، ثقتي بلا حدود في إرادة هذه الأجيال الشابة وقدرتها على نسف كل أشكال الظلم والخوف والديكتاتورية، لم أتوقَّع أن تبدأ الثورة من تونس وإن كنت لم أفاجأ حين خرجت منها، لأن تونس حالة ثورية خاصة في الوطن العربي، خرج منها أبو القاسم الشابي وابن خلدون وغيرهما من المبدعين الكبار، الذين أثروا الوعي الثوري لدى الشعب التونسي. واليوم نرى الثورة في اليمن وسورية وليبيا أيضاً تخطو خطوات مهمة نحو الحرية وهذه الثورة هذه الريح الصرصر العاتية، التي ستكنّس كل الأنظمة الفاسدة مهما طال الزمن أو قصر، وعلى رغم محاولات السيطرة والتوجيه من القوى الاستعمارية الصهيوأميركية خدمة لمصالح إسرائيل وأميركا والغرب ستبقى المعركة متواصلة والتحديات مطروحة والثورة مستمرة، لأنها ثورة جيل بكامله وليست ثورة حزب أو فصيل سياسي فهي ثورة شعب.«يا مصر قومي وشدي الحيل»يا مصر قومي وشدي الحيلكل اللي تتمنيه عنديلا القهر يطويني ولا الليلآمان آمان بيرم أفندي***رافعين جباه حرة شريفة باسطين أيادي تأدي الفرضناقصين مؤذن وخليفةونور ما بين السما والأرضيا مصر عودي زي زمانندهة من الجامعة وحلوانيا مصر عودي زي زمانتعصي العدو وتعانديآمان آمان بيرم أفندي***الدم يجري في ماء النيلوالنيل بيفتح على سجنيوالسجن يطرح غله وتيلنجوع ونتعرى ونبنييا مصر لسه عددنا كتيرلا تجزعي من بأس الغيريا مصر ملو قلوبنا الخيروحلمنا ورد منديآمان آمان بيرم أفندي***يسعد صباحك يا جنينةيسعد صباح اللي رواكييا خضرا من زرع إيديناشربت من بحر هواكيشربت من كاس محبوبيوعشقت نيل أسمر نوبيوغسلت فيه بدني وتوبيوكتبت اسمه على جلديآمان آمان بيرم أفنديترشيح «نجم» رئيساً لجمهوريّة الـ{فيس بوك»يعتبر أحمد فؤاد نجم نفسه، ويعتبره كثيرون في حقيقة الأمر، أحد أبرز القادرين على التعايش والتعلّم من جديد يومياً، وربما كان هذا هو السر في بقائه مع الشيخ إمام عيسى نموذجاً فريداً وهائلاً لبقاء الفن العظيم مهما حورب وانهزم في معارك السياسة، وزوال كل الفنون الرسمية برحيل دولتها التي فرضتها على الأذواق.لكن نجم لديه أيضاً قدرة على الانتباه مبكراً إلى كل جديد، فهو يحظى بجماهيرية على الـ{فيسبوك»، رشّحته أحياناً لكي يكون حكيماً لهذا الموقع أو رئيساً لجمهوريته من المصريين، نظراً إلى أنه لن يكون رئيس لهذا الوطن الافتراضي أفضل من شاعر حكيم خبر صراعات الدنيا ويستطيع أن يكون مؤمناً بتساوي حقوق البشر.ثمة صفحات ومجموعات عدة على الموقع الاجتماعي الأشهر «فيسبوك» لمحبي الشاعر الكبير ومؤيديه وعشاق الشيخ إمام، يصل عدد المشتركين في بعضها إلى مائة ألف عضو، ما يجعل الرجل صاحب الحضور والشعر الأبرز في العقود السابقة يصل إلى محبين كثر اعتماداً على الميديا وغالبيّتهم من الشباب.الحق أن نجم برز أيضاً في حلقات تلفزيونية عدة على فضائيات كثيرة، لبنانية ومصرية، قدّم خلالها حلقات متميزة كمثقف «شعبي» يرتدي الجلباب للمرة الأولى، ويتحدّث عن الفنون العظيمة التي تعبّر عن روح المصريين، وشارك في برامج «اعترافية» هاجم فيها رموز الفن والغناء في مصر، ما جعل شهرته كشاعر ورمز مصري تتجدّد وتتناسل في الأجيال الجديدة من دون توقّف.الحق أن شهرة نجم تضاعفت في السنوات الأخيرة لأسباب عدة على رأسها قدرته المتميزة على الدخول في معارك ثقافية كبيرة وتأثيره في الرأي العام بما يملك من مصداقية كبيرة لدى المواطن العادي، وقدرته على كتابة القصائد التي تنتقد الرئيس السابق في أبسط الكلمات، وعلى رغم أن شاعريّته أصبحت ـ بحسب نقاد ـ «مُتوقَّعة»، إلا أن جماهيريته لم تتأثر أبداً بهذه الانتقادات التي لا يمكن أن تمسّ جوهر عبقرية إنتاج أحمد فؤاد نجم أو جوهر تجربته الشعرية.