أحس الرجل السبعيني بغصة تخنقه وهو يلملم أوراقه من مكتبه الكبير في المجمع التجاري الفاخر وسط المدينة... ويضع الأوراق بالصندوق الكرتوني يخفي دموعاً صامتة، بعد أن أرغمه أبناؤه من زوجته الثانية على بيع هذا المكتب لعدم كفايته للشركة التي تحتاج إلى مكان أكبر.

كانت السماء الملبدة بالغيوم تنذر بهطول المطر الذي ما لبث أن أنهمر على المدينة.. رفع العجوز رأسه ووقف برهة متأملاً بحزن واضح وهو يسمع دوي الرعد القادم.. ترك صندوقه الكرتوني واتجه بخطى بطيئة مرتبكة نحو النافذة التي تطل على المقبرة الكبيرة...

Ad

أخذ المطر ينهمر على المقبرة القديمة التي تتوسط المدينة المزدحمة وهي تفرض بصمتها الوقور الهيبة والاحترام على من حولها من البنايات الشاهقة القريبة.

خطوط من ماء المطر على زجاج النافذة تلتقي مع خطوط الزمن التي رسمت على وجهه الحزين وهو يركز نظره باضطراب واضح باتجاه قبور تقع بالزاوية اليمنى من المقبرة تجراه عيناه الشاردتان إلى الماضي البعيد..

كانت آلام الولادة المتعسرة تكاد تقطع روح زوجته الشابة في ولادتها الأولى.. صراخها يصم أذنيه.. وقف حائراً ينظر للمطر المنهمر في فناء بيتهم الطيني.. لا يعرف ماذا يفعل سوى الانتظار...

لقد طال طلقها منذ ليلة البارحة حتى انتصف النهار يبدو أن مسار الوليد معكوساً يسمع توسلاتها للنساء المتحلقات حولها.. واستنجادها بقوتها الواهنة التي بدأت تخور.

فرح بعد برهة حينما سمع صياح النسوة بميلاد الطفل سالماً وتبريكاتهن لها لرفع معنوياتها المنهارة.

غادرت النسوة.. ما زالت تئن.. «نزيف» هذا ما أخبرته به أمه وهي تحمل الرضيع.

يومان باءت محاولاتهم بالفشل في ايقافه...

- يجب أن أنقلها للمستشفى

ازداد المطر كثافة في تلك الليلة العصيبة.. حملها بين يديه وأدخلها السيارة.. السيارة تعبر بحذر الممرات الضيقة بين البيوت ينظر إلى ملامحها الوادعة المتعبة بشفقة واضحة... أنوار السيارة الأمامية تسطع وتخترق المطر.

ساحة منخفضة بين البيوت تغرق بالمياه المتجمعة تمنع الحركة وتغمر الإطارات بالماء فجأة كاد يخرج منها لولا حفرة صغيرة أعاقت تقدم العجلة الأمامية.

توقفت السيارة

زاد من سرعتها بقيت السيارة كما هي

نظر إلى زوجته التي التفتت إليه مستفسرة.

قال لها بصوت مرتبك:

- ستتحرك السيارة علق تحتها شيئاً ما

حمامات حائرة بالمئذنة القريبة محتمية من المطر تنظر إلى الجلبة

فتح الباب خرج بالمطر يريد زحزحة ما تحت العجلة يبدو أنه حجر في حفرة أخذ يحركه بكل ما أوتي من قوة تحرك الحجر قليلاً.

ركب وأدار المقود يدفع بقدمه دواسة البنزين محاولاً الابتعاد عن الحفرة لكن بلا جدوى..

أخبرها بأنه يجب عليه المحاولة مرة أخرى لم تجبه..

نزل مسرعاً يغمر يده بالماء يحاول دفع هذا الحجر استطاع زحزحته صاح عليها فرحا إنه يتزحزح..

لم ترد..

يجب زيادة السرعة أكثر للخروج من هذا المأزق.. ستكون المحاولة الأخيرة ركب السيارة يخبرها بأنه سيحاول لآخر مرة لفّ الصمت المكان

السيارة تبتعد عن الحفرة قليلاً تحركت العجلة ببطء شديد نزل يخبرها بأن السيارة ستخرج هذه المرة ظلت صامتة..

نزل باتجاه الإطار ثم انتبه فجأة بأنها لم تتكلم معه.. رجع مسرعاً يخطف الخوف قلبه يدافع الماء.. «يالله».. يكلمها لم ترد.

كانت تسند رأسها على النافذة الزجاجية تنظر بسلام إلى أعلى أخذ يناديها ركب السيارة على عجل يهز يدها أخذ يزيد من سرعة الوقود الذي لم يسعفه يا إلهي مسك يدها يضمها باكياً، ثم اندفع نازلاً من السيارة.. يطرق الأبواب يبحث عن مساعدة، صياحه الهستيري يتبدد مع صوت الرعد المدوي فتح بابها والمطر يعيقه سحبها يريد إنزالها سقطت بين يديه وسقط في الوحل يضمها فاتحاً فاه باكياً مطلقاً صرخة يائسة.. حيث لا صدى يرجع له غير صوت المطر المنهمر الذي تعكسه الأنوار الأمامية..

كان المطر المتساقط على المقبرة يتجمع في ممراتها الصغيرة فتح حارس المقبرة الباب لرجل كبير السن يتجه باضطراب إلى الزاوية المحاذية للسور..يبحث عن قبر وسرعان ما جلس أمام أحدها.. يتمتم بكلام مبعثر..

يعتذر منها ومن الأيام..

يعلن فشله في إنقاذها في ذلك اليوم..بكاء.. ما زال يحبها

مضطر للرحيل من جوارها

ستظل في قلبه دائماً

يداه الممدودتان ترتجفان تمتزجان

بالدعاء...

والبكاء..

والمطر...

الحبل

توقفت شاحنة «الشيفروليه» الجديدة ذات الكابينة المفتوحة أمام جمعية كيفان التعاونية التي تم افتتاحها الأسبوع الماضي حيث أخذ الناس يتوافدون عليها من كل مكان وازدحمت مواقفها بأنواع السيارات الفارهة لرؤية أول جمعية تعاونية ذات أرفف مصفوفة كما يشاع وضع عليها أصناف المأكولات والمشروبات المعلبة، وما عليك سوى دفع عربة صغيرة ذات عجلات واختيار كل ما تشتهيه نفسك.

نزل الأصدقاء الأربعة من الشاحنة الحمراء وقد امتلأ صندوقها المكشوف بالخيام الربيعية ومستلزمات التخييم.

إذ عليهم الآن شراء المواد الغذائية من الجمعية الجديدة والانطلاق إلى البر تتعالى تعليقاتهم على هذا الافتتاح الجديد وهم يتجهون نحو بوابة الجمعية..

دفع العربة بيده وهو لا يخفي إعجابه مع زملائه في اختيار كل ما لذ وطاب من الأطعمة المعلبة في الأرفف ووضعها  في العربة.. توجه مع زميله لسؤال أحد العاملين عن كيفية فتح هذه العلبة الغريبة.

صاح أحدهم مذكراً:

- سنحتاج إلى حبل لربط الصناديق الكرتونية أعلى الشاحنة..

وافقه سريعاً ومؤيداً الفكرة مد يده إلى أحد الأرفف وتناول لفة من الحبال خضراء اللون.. وهو يستمع إلى إعجاب صديقه بهذا الحبل البلاستيكي الناعم يقارنه ساخراً بحبل أبيه البحار الذي يكاد يدمي الكف من خشونته اصطف الأربعة عند المحاسب مع عرباتهم الثلاث الممتلئة.. وضع العامل المشتريات في صناديق كرتونية.

قفز إلى ظهر الشاحنة الصغيرة يتناول الكراتين من أصدقائه ويضعها فوق الخيام... يساعده زميله في ترتيبها وربطها.. انتهوا من ذلك عليهم النزول الآن.

نزل وقد أمسك زميله ببقية الحبل وقذفها على زاوية الرصيف.. ركب السيارة وهو يؤنب صديقه لأنه رمى بقية الحبل ارضا.. ضحك زميله ساخرا بأنه مجرد حبل.. لن نحتاج إليه..

مهما يكن الأمر لقد اشتريناه بمبلغ.

قاطعه صديقه

- لا قيمة له.. إنه لا يساوي شيئاً.

صمت غير راغب في الدخول بنقاش.. أضاف صديقه ساخراً:

- إنه مجرد حبل

اندفعت السيارة إلى الشارع الرئيسي متجهة إلى خارج المدينة نحو البراري يعلو به صوت المغني المنطلق من الراديو وتصفيق الجميع.. لكنه ظل شارداً برهة وهو ينظر الى العشب الربيعي الأخضر على جانب الطريق وقد كسا الأرض الجرداء وغيرها تماماً بعد المطر.. إلا أن الحبل المرمي على قارعة الرصيف ما زال يجر ذاكرته بعيداً عن كل هذا الضجيج حيث صوت أبيه وهو ينظر إلى الحبل وقد ارتسم على وجهه الحزن..

صوت أبيه المتحشرج يغشي ذاكرته.

- أحمد عطني الحبل

كان ذاك في الثلاثينات حين انهارت البورصات العالمية في نيويورك ولندن واجتاح العالم كساد اقتصادي واسع وركعت أوروبا تحت ضربات الفقر والجوع.. واضطر الناس إلى أكل العشب.

وتجتاح الموجة الخليج وتخيم بظلالها على المدينة التجارية وبواديها وتتوقف السفن الخشبية التجارية في موانئ الكويت عن العمل تصطف ساكنة في نقع موانئها الصخرية وقد غطيت بالأقمشة وتمايلت على بعضها البعض.. وبات الناس تحت خطر الجوع.

ناول أباه الحبل.. ينظر إليه واقفاً أمامه يلف الحبل حول كتفه.. استعداداً للذهاب للعمل تودعه الأم متمنية من الله أن يرزقه لجلب الطعام للغداء.

يتجول الأب على الساحل حاملاً الحبل يبحث عن عمل كعادته في جر الأخشاب من نقعة الميناء الصخري إلى ورش صناعة السفن المحاذية للبحر والتي توقف معظمها عن العمل.

أخذ يلف ورش صناعة السفن الواحدة تلو الأخرى.. يدق على بواباتها المغلقة حيث يخبره أصحابها بأنه لا يوجد عمل لليوم..

قال لأحدهم عند البوابة:

- لقد وعدتني سيدي الجمعة الماضية بالعمل!

- إننا مكتفون اليوم

أغلق الرجل البوابة والأب يحدثه من خلال الشق

- لقد وعدتني

أضاف بنبرة حزينة

- لدي صغار لم يأكلوا من يومين سيدي

لا صوت يرجع سوى الصمت... يلتفت خلفه حزيناً ويغادر

يرى أباه يدخل البيت كسيراً حائراً... يحمل الحبل على كتفه ويجلس مفكراً تقترب زوجته منه أخذ يحادثها بهمس سيضطر الى بيع بعض أواني البيت في سوق الأدوات المستعملة حتى يستطيعوا أن يسدوا جوعهم توافقه الأم والحرة تعلو وجهها

يتجهان الى المطبخ الصغير، تختار الأم ما لا تحتاجه يقف مع أبيه في السوق يبيع الأواني

الأيام الصعبة التالية تأتي على باقي الأمتعة

وجاء ذلك اليوم وهو ينظر الى أبيه الحائر يلف أنحاء البيت يبحث عن شيء يبيعه لقد ذهب كل شيء لا يوجد ما يستطيع بيعه نظر الأب الى الحبل التفتت الأم وقلبها يخفق متمنية ألا يفكر الأب بالحبل مصدر رزقهم لبيعه

الأب يقترب من الحبل ويتناوله ببطء وينسحب من البيت خارجاً، ثم يرجع قبيل العصر وقد جاء بمؤونة ليومين يضعها بين يدي الأم لتعد الطعام

الأم تستفهم بحزن

طمأنها الأب متمتما

سننجو

سننجو

قطع ذاكرته توقف الشاحنة في روضة مزهرة وأصوات الأصدقاء بالموافقة على اختيار هذا الموقع نزلوا من السيارة صعد إلى ظهر الشاحنة يفك الحبل عن صناديق الأطعمة المتكدسة نظر برهة الى الروضة الربيعية المزهرة ممسكاً بالحبل متاملا

فلم ينس أبداً ذلك الحبل

حبل أبيه الذي أنقذهم يوماً من الجوع في أيام الكساد القاسية.

المقابلة

أوصل المذيع التلفزيوني ابنه إلى المركز الصيفي لحوض السباحة الجديد في منطقة الشامية والمزدحم بتسجيل المشتركين خاصة بعد انتهاء السنة الدراسية وبداية العطلة الصيفية لعام 1972..

نزل الأب من السيارة يتبعه ابنه يحمل المنشفة توقف عند مكتب التسجيل أخرج الرسوم مع صورة فوتوغرافية لابنه.. تعرف إليه مدير حوض السباحة كمذيع تلفزيوني شهير وسمح له بتخطي الدور لتسجيل ابنه.

شكره الأب ممتناً، مخبره بأنه فعلاً لديه تسجيل لمقابلة في الاستديو التلفزيوني وعليه الانطلاق بسرعة..

سجل المشرف اسم ولده على البطاقة وهو يسأله عن عمره..

- أربعة عشر عاماً

دون المشرف المعلومات اللازمة وصافح المذيع بحرارة مبدياً سعادته الغامرة بالتعرف إليه شخصياً، مؤكداً له بأنه سيراقب ابنه بنفسه أثناء السباحة لا عليه أن يقلق..

شكره المذيع على ذلك واعتذر لضرورة ذهابه للاستديو للتسجيل على أن يرجع لأخذ ابنه للبيت قبيل نهاية الدوام الرسمي.

كان الاستديو في حالة استعداد لبث المقابلة التراثية على الهواء مباشرة والمخصص موضوعها عن الغوص لصيد اللؤلؤ في الخليج.. جلس إلى الطاولة مع ضيفه وهما يستعدان لتلقي اشارة المخرج..

الهدوء يلف الاستديو

صاح المخرج مطلقاً إشارة بدأ النقل المباشر.. تقدمت الكاميرا الأمامية تلتقط المشهد الأول وتقترب من وجه المذيع التلفزيوني.

النقل المباشر يصل البيوت وتصل صورة المذيع بالأبيض والأسود مرحباً بضيفه إلى جميع المشاهدين أدارت زوجة المذيع في بهو بيتها الفاخر مؤشر رفع الصوت وجلست على الأريكة تتابع المقابلة.

رحب المذيع بضيفه الغواص الستيني العمر.. شارحاً للمشاهدين أن الضيف غواص سابق عاصر الغوص وهو سيقص علينا جانباً من ذكرياته مع الغوص..توجه المذيع لسؤال الضيف قائلاً:

- أرى برفقتك حقيبة معدات الغوص إذا أمكن أن تشرح لنا أدوات الغواص أولاً حتى تكون مدخلاً للحديث إذا شئت..