أجيال هاري بوتر
قرأت عدة نصوص في القصة القصيرة، كتبها شباب من الجنسين، أعمارهم تقع ما بين 16 و29، ولاحظت الفرق الواضح في الكتابة ما بين جيلهم والأجيال التي سبقتهم. ولا أقصد بذلك أن هناك فرقاً في القيمة الفنية، لأنه بالتأكيد هناك فروق واضحة لا تقارن في ما بين المستويين. لكن ما أقصده هو التباين في معطيات زمن كل منهم، والاختلاف الكبير في هذه القفزات الرهيبة الآتية من التكنولوجيا المعلوماتية التي لم تتوافر للأجيال السابقة.
على هذا نجد أن التأثر واضح في كتابة الشباب بكل آليات وأدوات عصرهم، لذا نجد اهتماماتهم بالتقنيات أكبر من اهتمامهم بصيغة الأحداث.أي أنهم يلمون بطريقة إعداد التقنية التي وفرتها بكثرة كل هذه المحطات الفضائية وإحاطتهم بها من صغرهم بالأفلام الكرتونية وهاري بوتر وأفلام الخيال العلمي والسحر.هذا إلى جانب الإنترنت الذي وفر لهم كل المعلومات المطلوبة بكبسة زر.وأيضاً كيفية الاشتغال عليها، مما خلق لهم سهولة واستسهال فعل الكتابة، وممارسة كل الأعمال الفنية التي فقط تتطلب الإلمام والإدراك بطريقة عملها. وهذا لا يعني الإبداع، لأن الإبداع يأتي من مناطق سرية وخفية وجديدة. لذا أطلق عليه إبداع، أي أنه مبتدع ومبتكر وليس معاداً ومكرراً... هذا لا ينفي أن الاستفادة من محطات العصر لها دور عظيم في العملية الإبداعية لمن يملك موهبة الابتكار والخلق، فهي قادرة على تزويده بكل ما يشحن طاقته ويوفر لها كل ما تحتاج إليه. وأرجو ألا يفهم من كلامي هذا انني أحدد نمطاً للكتابة خالية من التأثر بما يحيطها مثل أفلام السحر أو هاري بوتر وغيرها، لكن ما أريد قوله هو أن تكون هذه الكتابة منسجمة ومتناغمة مع بداياتها ونهاياتها، أي أن يكون الخيال أو السحر ليس لزقة موضوعة فوق نص لا يتشابه مع مضمونه إن كان محلياً أو عالمياً، المهم مصداقية الحدث وانسجامه مع الفكرة كلها، لا أن يكون الموضوع محلياً وفجأة يتغرب عن مكانه وأحداثه بتلك «اللزقة» أو الذيل الذي أضيف إلى النص وغربه عن مضمونه. لكن من الواضح جداً أن الإلمام بالتقنيات والتأثر بها هو المسيطر على نصوص الشباب أكثر من أن يكون لهم هم أو وعي بمختبرات الذات وما تطرحه من إعادة نظر في ذاتهم وما حولها من قضايا وهموم العصر. وذلك على عكس الأجيال التي سبقتهم الذين لم توجد في عصرهم هذه التقنيات الحديثة بكل ما تقدمه من سهولة في السطو على كل ما هو مقدم في طبق الوجبات السريعة. فمثلاً في كل كتابات ليلى العثمان وكل من كتب في وقتها وكل الذين أتوا من بعدها نجد في كتاباتهم رائحة الزمن والمكان، وان القيمة الفنية للمضمون أعلى بكثير من التقنيات. وهذا هو الأصل، وهو المهم. التقنيات وظيفتها إعادة تشكيل وتوزيع المضمون، وهي موجودة لخدمته لا لتصدره ونفيه. مهمتها بث الحيوية للنص وطرد الملل وإعادة اللعب في شكل المضمون.أما أن تكون التقنية هي الأساس فحسب. هنا يأتي الخلل الفني في نص لا يحمل مضموناً واضحاً ولا يقدم أي رؤية إنسانية في كتابة مهمتها الأساسية هي طرح الوعي والرؤية للهم الإنساني.