من اللافت للنظر أن الشركات النفطية الخاصة في الكويت لا تجد موطئ قدم لها بين المشاريع المحلية، في حين تجد ترحيبا واسعا في كثير من دول العالم!

تطالعنا الصحف بين فترة واخرى بنشاط الشركات الكويتية المختصة بالطاقة خارج الكويت، وتؤكد ان ما تقوم به هو انجاز للاستثمار الكويتي في الطاقة، ولكن البعض يتساءل: لماذا لا تعمل هذه الشركات وتحقق الانجازات داخل الكويت؟

Ad

يقول المحلل النفطي حجاج بوخضور إن الدولة هي المسيطرة على جميع انشطة القطاع الاقتصادي والانتاجي، كما تبقى دعوة الكويت مبكرة الى تخصيص القطاع النفطي ووضع برنامج استراتيجي لذلك من قبل المؤسسة منذ عام 1994، ومع ذلك لم يتم سوى جزء قليل جدا من خصخصة القطاعات. واضاف بوخضور ان السلطة التشريعية مسؤولة عن ذلك وتتحمل عرقلة التخصيص والتنظيم التشريعي الذي ينظم خصخصة القطاع النفطي.

واشار إلى ان السياسة النفطية في القطاع النفطي تعتمد على اسناد نظام العمل من خلال مفهوم المناقصات، موضحا ان نظام المناقصة لا يعطي الضمان لتوظيف الاستثمارات لايجاد الامكانات اللازمة للقيام بهذه الاعمال، ويصبح الاعتماد على الشركات الاجنبية المؤهلة بالامكانات لتنفيذ الاعمال وفق المواصفات المطروحة في هذه المناقصات.

واوضح ان الشركات التي تعمل في القطاع النفطي تركز على نشاط واحد او اثنين فقط والتركيز يتم في الاستكشافات، مشيرا الى ان الشركات لا تركز على القطاع الصناعي في النفط لانه يتطلب استثمارات كثيرة، مؤكدا ان امكانات الشركات لا تعطيها القدرة على مثل هذه الاستثمارات.

وأكد ان البيئة الاستثمارية في الكويت هي غير مشجعة لان عجلة التنمية والمشاريع تصاب بالاعاقة والعرقلة، مما لا يعطي الشركات الدور المطلوب منها ولا تستطيع ان تقدم خدماتها وتنمو بما يكفي من خلال وفرة الاعمال.

وفي ما يتعلق بمستوى الشركات النفطية الخاصة قال بوخضور إن في معظمها تحتاج الى تأهيل وتطوير وكفاءة، لانها اعتمدت على كوادر من رحم القطاع النفطي وهذه الكوادر تنقل المستوى الذي يعانيه القطاع النفطي، مشيرا الى ان القطاع لم يعالج او يطور بما يكفي بأن يقوم بدوره الصحيح، كما ان الشركات التابعة لمؤسسة البترول تعاني تدنيا اداريا وتدنيا من حيث الانتاج بشكل عام، مضيفا ان العاملين في الشركات الخاصة لن يطوروا شيئا لانهم غير متميزين، وعليهم ان يطوروا من انفسهم.

احتكار الدولة

من جهته، قال الرئيس التنفيذي لشركة ايكاروس للطاقة سهيل بوقريص إن القطاع النفطي في الكويت غير مفتوح للقطاع الخاص باستثناء الخدمات النفطية، ولكن من غير المسموح العمل بتأسيس شركات ناقلات للنفط او للبتروكيماويات، لان هناك احتكارا من قبل الدولة لمشاريع النفط والغاز، وهو ما دعا الشركات الى التوجه الى الخارج.

واضاف بوقريص أنه حتى لو تم فتح المجال لهذه المشاريع فسيواجهون ندرة كبيرة في الاراضي الصناعية، مضيفا ان فكرة الحصول على قطعة ارض تحتاج الى سنوات بالاضافة الى انهم لا يطورون مناطق صناعية خاصة للنفط والغاز.

واشار الى ان دول المنطقة تقوم بتشجيع الشركات من خلال دعم المواد الاولية «اللقيم»، وهذا الامر لا توفره الحكومة للقطاع الخاص، مستبعدا في حال سمح للشركات النفطية الخاصة العمل فلن يحصلوا على الدعم الكافي لمنافسة دول المنطقة، مضيفا ان قانون الخصخصة لن يرى النور بسبب وجود «المعمعة السياسية».

وقال إن الكويت دولة صغيرة من حيث المساحة والاستهلاك، كما ان اغلب الدول المحيطة ليست كبيرة واستهلاكها محدود والهدف من الصناعة النفطية ليس للاستهلاك المحلي وانما للتصدير، حيث تعد المساحة الجغرافية المعوق الاساسي للمشاريع النفطية.

واستشهد بوقريص بالمملكة العربية السعودية كأفضل نماذج لدعم المشاريع النفطية قائلا: إن القطاع الخاص في صناعة البتروكيماويات مهيأ له مناخ استثماري متميز ولديه مدينة كبيرة لصناعات البتروكيماويات وتقدم له الخدمات الاساسية من قبل الدولة، بالاضافة إلى تهيئة المنافذ البحرية للتصدير ودعم المواد الاولية كما أن هناك مشاركة من قبل الحكومة لانجاح المشروع، مؤكدا انه لو لم يعمل بهذه الطريقة فلن ينجح المشروع او ينافس.

ووصف المناخ الاقتصادي والسياسي في الكويت بالصعب، مشيرا الى ان من يقبل على انشاء مشروع يتعرض لانتقادات وتشكيك في الذمم... الخ، واصبح العمل في هذه الاجواء «دوخة راس».

البيروقراطية

علل الرئيس التنفيذي لشركة الخليج للطاقة القابضة عبداللطيف التورة توجه القطاع الخاص بأعماله ومشاريعه خارج الكويت لان اغلب المشاريع في الكويت انشائية وكبيرة وشروط التأهيل تكون صعبة بالنسبة الى الشركات المحلية، بالاضافة الى ان اغلب الشركات جديدة وحديثة الخبرة وبالتالي شروط التأهيل تكون صعبة بالنسبة اليهم.

وأضاف التورة ان وجود البيروقراطية في الكويت لا يقتصر على القطاع النفطي فقط، ولكن هذا ينسحب على جميع قطاعات الدولة، وجميع الشركات متضررة منها وهو سبب رئيسي لخروج الشركات للاستثمار خارج الكويت، مشيرا الى ان الاجراءات بسيطة وهناك وسائل جذب وتشجيع للشركات، بينما في الكويت هناك الكثير من العراقيل التي توضع امام المشاريع الاستثمارية.

وقال إنه لا توجد رؤية خاصة بدعم المشاريع المتعلقة بالشركات النفطية، موضحا أن الشركات تسمع ومنذ فترة عن تشجيع القطاع الخاص ودوره في تنمية الاقتصاد المحلي، ولكن للاسف هذه المساعي تختلف تماما عن الواقع الذي تعيشه الشركات.

وعن اهم العقبات امام الخدمات النفطية في الكويت قال التورة إنها تتعلق بأسلوب التأهيل لان هناك معايير لا تنطبق عليها معايير المشروع، مشيرا الى ان القطاع النفطي لا يستطيع ان يجازف بشركة قليلة الخبرة.

تشجيع الشركات

وعلى صعيد متصل قال العضو المنتدب للشركة الشرقية للخدمات النفطية محمد السالم إن اتخاذ القرار في تقييم المشروع وارساء المناقصة يأخذ وقتا طويلا جدا. وهذه الفترة الزمنية سببها البيروقراطية، مشيرا الى انه لا بأس ان يكون القطاع النفطي بيد الحكومة اذا كان يملك المبادرات وسرعة اتخاذ القرارات في المشاريع المهمة. مما ينعش القطاع الخاص بتقديم خدماته.

واوضح السالم أن عدم القدرة على تفعيل المشاريع يأتي بسبب البيروقراطية والجو العام في الكويت الذي يستدعي مرورها عبر البرلمان والمناقشات الاخرى، ورغم ذلك لا يأتي بأي نتيجة، وهذا الامر ليس من مصلحة احد، مؤكدا ان مصلحة الجميع بوجود رؤية وخطة واضحة للجميع مع وضع آليات لتشجيع الشركات الخاصة على المشاركة في تنفيذ المشاريع.

وعن الفروقات بين العمل في الخارج والداخل قال السالم إن الشركات التي نتعامل معها في الخارج هدفها الربحية والكفاءة والسرعة، وهو ما يختلف عن الكويت لان شركة نفط الكويت ليست مركز ربحية فاختيار الشركات والمنفذين يختلف عن الشركات التي هدفها الربح، موضحا ان الشركات التي تتبع القطاع الحكومي في الكويت جزء كبير من عملها يتعرض لنزيف من الوقت.

عدم ثقة

أما رئيس مجلس الادارة والعضو المنتدب لمجموعة الكيماويات الدولية وحقول النفط جمال الغربللي فيرى أن هناك عدم ثقة، فشركة كوفمبك لاستكشاف النفط تعمل خارج الكويت فقط وليس في الداخل ولم تعط الفرصة للعمل داخل الكويت، علما بأنها متميزة في عملها، مضيفا ان الشركة التي نحن فيها لديها الكثير من الاعمال خارج الكويت ولا توجد لنا فرصة في الكويت.

واشار الغربللي الى انه يجب تغيير قوانين القطاع النفطي، حيث ان هذه القوانين تصر دائما على ان يكون الشريك اجنبيا، موضحا ان الشركات النفطية في القطاع الخاص الكويتي قادرة على العمل والتميز في هذا المجال.

وقال إن الغاز الطبيعي هو حكر لشركة الصناعات البتروكيماوية فلماذا لا يتم اعطاء فرصة لشركات القطاع الخاص للدخول والاستثمار في هذه الصناعة، حيث إن هناك كميات من الغاز الطبيعي ستستوردها الكويت من قطر والعراق، فمن هنا يجب فتح باب لصناعة البتروكيماويات لان الكويت كانت سباقة في هذه الصناعة، واصبحت في الوقت الحالي في مؤخرة صناعة البتروكيماويات في الخليج.

واكد ان الفرص في الخارج متاحة اكثر والعكس في الكويت. فالقيود تفرض علينا العمل في الخارج، كما ان هناك كفاءات كويتية في جميع المجالات في القطاع النفطي، مطالبا بتغيير الانظمة التي وضعت قبل 40 سنة حيث لم تتأسس اي شركة في القطاع النفطي من القطاع الخاص، ولكن الآن وجدت هذه الشركات فيجب اعطاؤها فرصة.

واوضح ان هناك دليلا واضحا بعدم تشجيع القطاع الخاص من خلال شركة البتروكيماويات البترولية التي تملك مصنع البولي بروبلين، وقاموا بتحويله أخيرا الى شركة «ايكويت» والاخيرة تملك شركة داو كيميكال 42 في المئة، فلماذا يباع لـ«ايكويت» الذي يملك الشريك الاجنبي حصة كبيرة فيها؟! فمن باب اولى بيعه لشركات القطاع الخاص الكويتي مع وضع الشروط.