سلمى حايك بطلة فيلم مقتبس عن روايته خبر اختطاف غابريل غارسيا ماركيز... نساؤه نجمات النص والصورة

نشر في 15-04-2009 | 00:00
آخر تحديث 15-04-2009 | 00:00
يعترف الروائي الكولومبي غابريل غارسيا ماركيز بأنه لولا عثوره مصادفة في مكتبة جده على كتاب مهمل أوراقه صفراء يكاد يتمزق من فرط قدمه بعنوان «ألف ليلة وليلة» ما كان أصبح أديباً. هذا الكتاب، يقول ماركيز «هو ما صنع مني أديباً، بعد أن سحرتني الحكايات داخله، وأكثر ما شغفت به هو دور الراوي». سحر «ألف ليلة وليلة» جعل ماركيز قريباً من الشرق وطيفه.

كتب ماركيز في روايته الشهيرة «قصة موت معلن» عن شخصية من أصل لبناني اسمها سانيتاغو نصار، وحظي بالتعاون مع نجمات من أصل لبناني، شاكيرا في فيلم مقتبس عن رواية «الحب في زمن الكوليرا»، واليوم سلمى حايك في فيلم مقتبس عن رواية «خبر اختطاف»... شاكيرا نجمة الغناء والرقص الشرقي وسلمى نجمة السينما والإغراء، والتي سبق أن مثلت دور الرسامة المكسيكية المشهورة كاهلو.

قال ماركيز عن شاكيرا: «إنها اختراع كولومبيا الأبرز. لا تشبه أحداً على الإطلاق، ولا يمكن لأحد أن يغني أو يرقص مثلها، فهي تجمع الإثارة والبراءة في قوام واحد في الحقيقة». إنها بنظره «النموذج الأمثل لقوة أرضية في خدمة السحر...». علّقت شاكيرا حول ماركيز: «إنه مايسترو كلمات وفيلسوف كبير». واعترفت: «لقد أثّر بي ما كتبه ماركيز عميقاً...».

قال ماركيز عن شاكيرا ما قاله، فكيف سيأتي رأيه في سلمى بدور بياتريث فيياميثار؟ وماذا ستقول نجمة الإغراء عن نجم الروايات؟ يُذكر أن رواية ماركيز الصادرة في العام 1996 تنقل الى السينما بفضل مبادرة أرجنتينيّة ومكسيكية وكولومبية وأسبانية مشتركة. وتروي حكاية صحافيين كولومبيين، يحتجزهم زعيم كارتيل ميديين النافذ ومروّج المخدرات بابلو اسكوبار.

تطلّب مسار شراء حقوق النص ما يزيد على عامين، وأصرّ الكولومبي كثيراً على أن تكتب الكاتبة الأرجنتينية عايدة بورتنيك السيناريو، ذلك أنهما على صداقة قديمة العهد.

يصبح للكلمة الماركيزية معنى آخر عندما تلتقي مع النجمة اللبنانية الأصل. وتتشكّل نجومية من نوع آخر، تمزج بين نجومية متتحقة من خلال فعل الكتابة والمتخيّل وأخرى متحققة عبر الجسد والصورة.

ماركيز حين يكتب يبدو كأنه يعيش مع النجمات، يستحضر عبق الصورة في الكلمة، بل يجعل القارئ يشعر كأن الخيال هو الواقع، وهو ما سمي «الواقعية السحرية»، بل إن ماركيز كان مدهشاً في كل شيء، نسج علاقات غرائبية مع أركان السلطة في العالم، فهو كان صديق الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون وصديق الزعيم الكوبي فيدل كاسترو وشخصيات أدبية عالمية كثيرة. وهو من جهة أخرى اذ يكتب عن النساء والحب، يقدم للقارئ حكايات تختصر العالم والحب، شخصية المرأة في روايته لديها من العوالم ما يجعلها تختصر العالم بحواسها، ربما لأن ماركيز يؤمن بأن الإنسان نصفه الأعلى روح ونصفه الأسفل جنس.

ماركيز الذي تعاون ويتعاون، وربما سيتعاون، مع نجمات الرقص والتمثيل، كيف تختال صورة النساء في رواياته؟ خصوصاً أن المرأة من المحطات البارزة في حياة هذا الروائي، وعلى مختلف تجلياتها حاضرة في نشأته وتكوينه، من الصبا الى الشباب الى الرجولة، والدة وشقيقة وحبيبة وزوجة وعشيقة وعمّة وخادمة، بعيدة وقريبة.

خرافات الجدة

بالإضافة إلى تأثره بـ{ألف ليلة وليلة» يقول ماركيز إنه كان مفتوناً بقصص جدّه وخرافات جدته، وعداه هو وجده كان البيت بيت نساء. يذكر الروائي في ما بعد أن معتقدات النساء جعلته يخشى مغادرة مقعده، نصف رعبه كان من أشباح كانت تتحدث عنها قريباته، وهذه الحكايات كانت ركيزة أعماله المستقبلية. فقد قال: «أشعر أن كتاباتي كلها كانت حول تجارب مررت بها وسمعت عنها وأنا برفقة جدي»، مؤكداً أن الحرب الأهلية، مذبحة إضراب الموز (1928)، طقوس يومية، معتقدات خرافية زاولتها قريباته، إضافة إلى زيارات الخالات ومغادرتهن، وبنات جّده غير الشرعيات... وأمور كثيرة لم تذهب أدراج الريح بالنسبة إليه بل استعمرت خياله طويلاً، وتحوّلت فناً من عالم آخر.

في تكويته الأول واللاحق نساء كثيرات تباينت أدوارهن، أرامل يعشقن بعد وفاة الأزواج، فتيات صغيرات يتحملن قساوة الجدات. هكذا ماركيز يبحث دائماً عن مفارقات، عن قصص تزيد السحر سحراً أو عجائبية، لكن الصورة الأكثر وضوحاً في حياته هي أمه لويسا سانتياغو أما الأخريات فقد وُضعن في طريقه لتعزيز ذاكرته المتخيلة.

لويسا الأم التي شغلت حيزاً واسعاً من حياته، وبالتالي من ذاكرته وخياله وكتاباته، أسطورة بحد ذاتها، يقول عنها: «وقفت أمامي، تنظر الى عيني مباشرة بابتسامة ماكرة من ابتسامات أفضل أيامها، وقالت لي قبل أن أتمكن من الإتيان بأي رد فعل: «أنا أمك». وتبقى صورة أمه هي الأبرز عندما يستحضرها: «صارت أمي امرأة في ذلك المكان البائس، واحتلت حيز الغراميات كلها، منذ أن قضى التيفوئيد على شقيقتي مرغريتا ماريا مينياتا، وكانت هي نفسها أيضاً عليلة كثيرة المرض. فقد عاشت طفولة قلقة عانت فيها من نوبات الحمى الثلاثية. لكنها عندما شفيت كان الشفاء نهائياً والى الأبد وتمتعت بصحة أتاحت لها الاحتفال بعيد ميلادها السابع والتسعين مع أبنائها (...) وأبناء زوجها وأحفادها وأحفاد أحفادها. وقد ماتت ميتة طبيعية يوم التاسع من يونيو (حزيران) من العام 2002 في الثامنة والنصف ليلاً».

كذلك يصوّر ماركيز شقاء الأسرة بعد موت أخته مرغريتا ماريا مينياتا: «بقيت صورتها الملتقطة بآلة {دغريتيب} معروضة في الصالة لسنوات طويلة، وبقي اسمها يتردد من جيل الى آخر، كعلامة أخرى من علامات مميزة للهوية الأسرية».

الزوجة الوفية

لقارئ سيرة ماركيز أن يعرف حضور زوجة الروائي مرسيدس بارتشا باردو في حياته، إنها الرمز في مساره الاجتماعي والأدبي. تعرّف إليها عندما كانت في الثالثة عشرة. وجد أنها «أكثر إنسان ممتع قابله في حياته»، وبعد تخرجه من المدرسة، أخذ إجازة قصيرة مع والديه قبل ارتياد الجامعة، أثناء تلك الفترة طلب الفتاة الشديدة السمرة والهادئة للزواج. فوافقت على شرط أن تنهي دراستها أولاً.

المقربون من الكاتب يؤكدون أهمية زوجته الكبيرة بالنسبة إليه؛ فهي التي تدير أمور العائلة، وهو يتحدث عنها باستمرار، ويقول: «إن زوجتي وولدَي أهم ما في حياتي، وبفضلهم استطعت تخطي الصعاب التي واجهتني».

النساء صنعن ماركيز الروائي وشكّلن خياله الجامح قبل أن يشرع هو بكتابة أبطاله واختراع المكان والزمان، نساء تنوّعت مكانتهن الاجتماعيّة ووظيفتهن وحتى أخلاقهن. جدّات وعمات وخالات وبنات عمّات وخادمات كنّ الأقرب الى ذاكرته، والأشد تأثيراً في طفولته ومراهقته: «أظن أنني مدين بجوهر طريقتي في الحياة والتفكير لنساء الأسرة ونساء الخدمة الكثيرات اللواتي رعين طفولتي. لقد كنّ يتمتعن بقوة الشخصية وطيبة القلب وكنّ يعاملنني بتلقائية الفردوس الأرضي. وبين الكثيرات اللواتي أتذكرهن كانت لوثيا هي الوحيدة التي فاجأتني بخبثها الصبياني، عندما أخذتني الى زقاق الضفادع ورفعت ثوبها حتى الخصر. غير أن ما شد انتباهي هو لطخة القوبياء ذات البقع الحمراء الممتدة على بطنها مثل خريطة العالم بكثبان بنفسجية ومحيطات صفراء، أما الأخريات فكنّ يبدون ملائكة طاهرة: فقد كنّ يبدلن ملابسهنّ أمامي، ويحممنني بينما هن يستحممنَ. ويفضين بأسرارهنّ وأحزانهنّ وأحقادهنّ، كما لو أنني لا أفهم، ومن دون أن ينتبهن الى أنني أعرف كل شيء، لأني كنت أربط أطراف الخيوط التي يتركنها لي هن أنفسهنّ».

هل تستطيع الصورة السينمائية أن تخرج وفيّة لخيال ماركيز ونصه الأكثر كثافة وتكثيفاً من السينما. يُقال إن علاقة أعمال ماركيز بالسينما ستزدهر، خصوصاً أنه كتب كثيراً عن فن السينما وعن تقنيات كتابة السيناريو، واعتبر دائماً أن السينما هي «أكبر اختراع في زمننا»، رغم أنه أبدى دائماً شكه في أن تتمكن أي لغة سينمائية متطورة من استيعاب عمل أدبي له.

back to top