كشفت الاستقالة التي تقدَّم بها من منصبه في نادي القلم الدولي (الفرع المصري) الأمراض الثقافية التي تنتاب تجمعات المثقفين دائماً عندما يتصدون للعمل العام ويصطدمون بمرارة الواقع. ورغم أنه لا تأثير للحراك الثقافي لنادي القلم، إلا أنه بانوراما مصغرة لواقع حال المثقفين. إ
لتقت «الجريدة» الأديب يوسف أبو رية في هذا الحوار حول مسؤولية الأديب ودوره المجتمعي ومسيرته الأدبية.إقدامك على الاستقالة من نادي القلم هو عودة لمقولتك «على الأدباء الابتعاد عن السياسة». لم تكن فترة عملي في نادي القلم انحرافاً عن مسيرتي ورؤيتي، فالعمل في نادي القلم كان يحمل هماً اجتماعياً وإنسانياً في الأساس ولا ينفصل، في الوقت ذاته، عن الهم السياسي وسبق أن وقفنا بجوار نصر أبو زيد في قضيته الشهيرة والتفريق بينه وبين زوجته ولكني أفرِّق دائماً بين الكتابة الروائية والعمل العام للأديب، فالرواية والكتابة عموماً التي تتناول الأحداث السياسية أو تحمل أبعاداً وظلالاً سياسية كانت موجودة بقوة عندما كان العالم مقسماً إلى معسكرين شرقي وغربي وكانت الأعمال تنحاز إلى العدالة الاجتماعية وتبرز الهمَّ المجتمعي المباشر بغرض التغيير. أما في ظل ما يشهده العالم حالياً، حيث لا حدود واضحة بين المعسكرين وفي ظل تسليع كل شيء، أصبحت الروايات الصاخبة أو التي تمس الدين والجنس والسياسة - حتى لو من دون هدف - هي الرائجة وهذه أسميها الرواية الاستثمارية التي يتكسب منها الناشر والمؤلف وهذا المناخ لا يخلق كتابة جديدة. لكن المتتبع لأعمالك يلمس اقترابك من المحظورات ومحاولة اختراقها واللعب على الغرائز كما في روايتك «صمت الطواحين»؟ هناك فارق بين اللعب على الغرائز ودغدغة مشاعر القارئ من دون هدف ما وبين تناول المحرمات بهدف كشفها، وفي روايتي «صمت الطواحين» حاولت هتك السر وكشف قناع أبي المعاطي ورغبته في زوجة ابنه، وهنا أؤكد أنه لا يوجد عالم نقي وأنا لا أكتب عن ملائكة ولا يستطيع أحد أن ينكر ما فعله أبو المعاطي، فمثل هذه الواقعة موجودة ولكنها خفية والأهم من ذلك هو جوهر الرواية وهو إعادة الاعتبار للفلاح المصري كصاحب أرض لمواجهة أقوام كانوا يعتبرون أنفسهم أسياداً مثل اليوناني صاحب الطاحونة والذي تقابله عائلة أبي المعاطي التي عاشت مجدها في حقبة الستينات ثم أصبحت مهمشة في فترة السبعينات وزمن الانفتاح وتغريبتها وغربتها داخل وخارج البلاد. يأس أبطال روايتك «صمت الطواحين» خاصة فرج، هل انعكس عليك في نادي القلم؟ لا ينبغي أن يصاب المثقف بالإحباط وعليه أن يبشر دائماً بالأمل سواء في كتاباته أم في عمله العام وهذا هو الدور الحقيقي للمثقف، وعندما يصاب بالإحباط تقع الانتكاسة الحقيقية. وأؤكد أنني لم أقدم استقالتي من نادي القلم لإحباط أصابني من العمل العام ولكنها رفض لممارسات باطلة سبق أن أشرت إليها. كذلك أريد التفرغ لمشاريعي القادمة. هل يعني ذلك أن لديك مشاريع مقبلة؟ يوجد مشاريع أدبية عدة وسأفصح عنها في حينها. أعلنت قبل ذلك أنك بصدد كتابة رواية تاريخية؟ غير صحيح، فأنا في الأساس ضد الكتابة التاريخية، لم ولن أكتبها وحينما أكتب عن فترة ما لا أقصد التاريخ بذاته مثل كتابات علي الجارم وجورج زيدان وغيرهما الذين استندوا على مادة تاريخية وأعادوا كتاب التاريخ لكني أتناول خصوصية الفترة بوعي أدبي، أي أستلهم جوهر الحقبة التاريخية من دون الرجوع للمصادر التاريخية . يدور جل أعمالك حول القرية باستثاء رواية «عاشق الحي» التي تدور في المدينة فأيهما تتفاعل فيك أكثر القرية أم المدينة؟تفاعلي مع القرية أكثر لأني ابن ريف وأحمل في داخلي دائما التوليفة الريفية الغامضة والواضحة. في الوقت نفسه الريف بالنسبة إلي هو الأرضية وتاريخه هو تاريخ الجدود والآباء القدامى. هل لشخصياتك الروائية معادل موضوعي في الواقع؟ من الصعب أن تضع لكل شخصية في العمل الأدبي معادلاً في الواقع، لكن من الممكن أن تحمل الشخصية الواحدة في النص الأدبي حالة تجميعية لأكثر من بعد وشخصية في الواقع، وربما تكون لشخصية بعينها صلات بالواقع لكنها ظلال وليست حالة من حالات النقل الحرفي أو طبع التفاصيل. وفي الحالات كلها، فإن الكاتب الروائي ملزم بأن يضيف من وعيه وخياله وروحه لتلك النماذج التي ألهمته وحرضته على الكتابة، والشخصية الروائية الناجحة تستلزم من الكاتب جهداً مرضياً عندما يكتبها ويبعثها إلى الوجود من منطقة العدم. كيف ترى حصيلة جيل السبعينات الآن؟ لا يمكن جمع الأدباء، الذين ظهروا في حقبة السبعينات، في سلَّة واحدة واعتقادي أنهم جاؤوا من مفترق الأزمة والأمكنة وشكلوا تياراً قلقاً لأنهم كتبوا في مرحلة تاريخية مقلقة، فطغت الأحلام الطفولية على أمنيات الشباب والطموحات السياسية والاجتماعية على معظم الكتابات وحاولوا تقديم ثقافة مضادة للرسمي والسائد في مؤسسات الدولة الثقافية. ولكن في تقييمي الآن، لم نكن فاعلين أو مؤثرين بالقدر اللازم فقد جئنا بلا أدوات ثقافية مؤثرة، وفرَّ معظم النقاد المؤثرين إلى خارج الحدود ما بين باريس ولندن والعواصم العربية، فجاء وجودنا أيضاً بلا نقاد مؤثرين. وكيف ترى الكتابات الجديدة التي تقدم الآن؟ أراها محظوظة من ناحية تعدد منابر النشر وكثرة الدور الخاصة. على رغم الدور الاستثماري الذي تلعبه، فقد خلقت مساحات واسعة للشباب وكتاباتهم كذلك فإن الكثير منهم يمتلك أدوات أدبية جيدة ويقدم رؤى جديدة وأتمنى لهم الاستمرار مثل أحمد العايدي ومحمد الفخراني وغيرهما.نادي القلم تأسس نادي القلم المصري عام 1921 كفرع لنادي القلم الدولي فى لندن، وتناوب على رئاسته كل من طه حسين وتوفيق الحكيم ومرسي سعد الدين وسهير القلماوي، والآن تترأسه الأديبة إقبال بركة. رسم العضوية السنوي في النادي الدولي 10 دولارات فحسب، والمطلوب من مصر لاستمرار عضويتها دفع 20 اشتراكاً سنوياً وتضم قائمة النادي العربية كلاً من مصر وفلسطين والجزائر والمغرب وجيبوتي وقُبل كل من العراق والأردن حديثاً.نبذةمن مواليد 2 كانون الثاني (يناير)، ههيا الشرقية، عام 1955. بكالوريوس إعلام، قسم صحافة ونشر، جامعة القاهرة، عام 1977. عضو اتحاد الكتاب وأمين صندوق نادي القلم الدولي (الفرع المصري) واستقال منه أخيراً، أصدر مؤلفات عدة منها: سبعة كتب للأطفال ونصوص قصصية. نال جائزة نجيب محفوظ للرواية من الجامعة الأميركية في القاهرة. من مجموعاته القصصية: الضحى العالي، عكس الريح، وش الفجر، ترنيمة للدار، طلل النار وشتاء العري. من رواياته: عطش الصبار، تل الهوى، الجزيرة البيضاء، ليلة عرس، عاشق الحي وصمت الطواحين.
توابل - ثقافات
الأديب يوسف أبو رية: الرواية الاستثماريَّة تتاجر بالغرائز من دون هدف
03-04-2008