صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4292

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

شروخ في الأساس 3/5 انقسامات القيادة في تنظيم القاعدة (1989 – 2006 )

  • 18-01-2008 | 00:00

القاعدة في أفغانستان والسودان والصومال: 1990 - 1996

تقدِّم هذه الحلقة تفاصيل عن طبيعة الانقسامات بين الإسلاميين في الفترة التي سبقت انتقال قيادة تنظيم «القاعدة» الى السودان، وخلال العمليات في الصومال، بينما اعتبر أبو الوليد ان «غسل أيديها» من منطقة وسط آسيا هو «خيانة لهدفها الأصلي». كما تظهر الحلقة ما سمي بالـ«التعصب العربي» لدى «القاعدة»، وهو الأمر الذي شكل عائقاً يحول دون اكتساب السكان المحليين في أفغانستان، وبالتالي كان مصدر انزعاج لقيادات إسلامية كانت تعمل هناك.

في الثاني عشر من أغسطس 1990، كتب الجهادي المصري مصطفى حامد، المعروف كذلك باسم أبي الوليد في مفكرته عن «قلة التركيز والاهتمام» الذي يبديه تنظيم «القاعدة»، وعن إحباطه المستمر في ما يتعلق بطلب الدعم لعملية المطار. وكتب أن تنظيم القاعدة «لم يكن قادراً على التركيز على معركة ما لم يكن أبو عبدالله -أسامة بن لادن- يقوده بنفسه»، وهي نظرة استبدادية كان أبو الوليد يعتقد أنها «غير صحية».

تلكؤ «القاعدة»

طوال مسار العملية، كان كثيراً ما يروي بغضب تفاصيل حالات الفشل المختلفة من جانب «القاعدة»؛ كانت الأخيرة بطيئة جداً في الرد على الطلبات، وترسل أقل من ثلث الإمدادت التي يطلبها أبو الوليد، وتخفق في إرسال المعدات الموعودة وتظهر عجزاً إدارياً كاملا على وجه العموم. وقد كتب في السادس عشر من أغسطس قائلا إن «الطريقة التي كان يتصرف بها المسؤولون الإداريون في «القاعدة» لم تعطني أي سبب لأن تكون لدي أي ثقة بهم مطلقا».

وعندما نجحت الهجمات على المطار في إجبار طائرات نجيب الله على استخدام موقع بديل للإنزال، لم يكن بالإمكان تنفيذ خطة أبي الوليد لنقل هجومه إلى ذلك الموقع، لأن «تنظيم القاعدة كان صامتاً كأبي الهول» والرجال الذين كانوا تحت قيادته لا يتصرفون من دون أوامر واضحة من بن لادن.

سافر أبو الوليد إلى بيشاور للحصول شخصياً على قرار من قيادة «القاعدة» بخصوص رغبتها في زيادة مشاركته، وبعدها كتب أبو الوليد «بطبيعة الحال، فشلت في مهمتي».

التعصب العربي

خلال منتصف عمليته ضد مطار خوست، التقى أبو الوليد زعيمي «القاعدة» أبا حفص وأبا أسامة الليبي، وفي تقريره الوافي عن محادثتهم، يبرز أحد الموضوعات المتكررة لنقاط الضعف التنظيمية لدى «القاعدة»: التعصب العربي. تعطي العديد من وثائق «هارموني» أدلة على أن تنظيم «القاعدة» كان يتعرض لفشل مستمر في جهوده لحشد الدعم الشعبي بسبب ازدرائه السكان المحليين من غير العرب، سواء كانوا صوماليين أو أوزبكيين أو أفغاناً.

وخلال الاجتماع مع أبو حفص وأبو أسامة، ناقش أبو الوليد معهما الدور الذي يمكن أن يلعبه الموقف الأفغاني ضمن سياق الاستراتيجية الجهادية العربية والإسلامية الأوسع.

وكتب أبو الوليد أنه أخذ بوجهة نظر الأقلية القائلة إنه «مع استراتيجية عسكرية منفذة بشكل جيد، يمكن للمجاهدين أن يسيطروا على البلاد عملياً ويؤسسوا دولة إسلامية، وبالتالي يحبطون تصاميم ما بعد الحرب الباردة للولايات المتحدة تجاه الحركة الإسلامية»، لكنْ أبو حفص وأبو أسامة، على أية حال، أبديا وجهة النظر القائلة بأن الشعب الأفغاني غير مؤهل لمثل هذا التعهد، إذ إنهم كانوا جميعا «لصوصا وكذابين»، بصفة عامة، وإن أكثر ما يمكن أن يؤمل من أفغانستان في تلك المرحلة هو توفير مساحة تتدرب فيها بعض الكوادر العربية التي يمكنها العودة بمهاراتها المكتسبة إلى أوطانها الأصلية «لشن الجهاد هناك».

الاختلافات على مستوى القيادة

هناك وثيقة أخرى من مجموعة «هارموني» تعود إلى تلك الفترة وتكشف بصفة خاصة هذه الاختلافات بعينها على مستوى القيادة بشأن ماهية المرحلة المقبلة لما يجب أن تكون عليه الحركة الجهادية. تبدو هذه الوثيقة المميزة، التي تؤيد صراحة تقرير أبي الوليد الذي ذكر أعلاه حول وجهات النظر التي أبدتها قيادة «القاعدة» في مذكراته عن خوست، وكأنها مسح لعدد من أبرز الأفراد والمنظمات العربية المشاركة في الجهاد الأفغاني، مع طرح سلسلة من الأسئلة التي تليها أجوبة قصيرة من كل من المستجيبين.

 

 

وبرغم كونها مشوشة بفعل علامات غير مفهومة، فهي تدرج بشكل واضح ردود أسامة بن لادن، وأبي الوليد، وأبي مصعب السوري وآخرين، على قائمة الأسئلة التي تتضمن وجهات نظر كل منهم بشأن مستوى المشاركة الذي يجب أن تكون عليه «جماعات الجهاد» العربية في أفغانستان بعد الانسحاب السوفييتي، والغاية التي تستهدفها، فضلا عن آرائهم بخصوص أمراء الحرب الأفغان المختلفين ووجهات نظرهم في بنازير بوتو، التي بدأت ولايتها الأولى رئيسة لوزراء باكستان في ديسمبر 1988 وانتهت في أغسطس 1990.

وفي كل حال، كان الجواب الأطول يأتي رداً على السؤال المتعلق بالتدخل في أفغانستان. وبرغم أنه كان هناك تسعة مستجيبين، فإن في ما يلي خمسة من ردود أولئك المكتنفين بصورة مباشرة في وقت ما في قيادة «القاعدة»، رداً على سؤال «ما رأيك حول المشاركة في المعارك الدائرة في أفغانستان، ولأي سبب؟»:

عبد الله عزام: يجب أن تكون هناك مشاركة رمزية بغرض رفع الروح المعنوية للأفغان، وتدريب العرب، ونشر روح الجهاد بين العرب، مع كون الهدف البعيد المدى هو شن الجهاد ضد اليهود في فلسطين.

أسامة بن لادن: المشاركة العميقة في المعارك وفقا للرؤية السياسية والإستراتيجية للقيادة في بيشاور، مع كون الهدف البعيد المدى هو تحرير اليمن الجنوبي من الشيوعية.

الجهاد الإسلامي المصري: المشاركة في المعارك بغرض تدريب الأفراد في بيئة المعركة. لا يؤمل في شيء من الحرب في أفغانستان، ولن تقام دولة إسلامية هناك، بسبب العيوب المذهبية / الأيديولوجية (خلل العقائد) بين الزعماء والجماهير. مصر هي قلب العالم الإسلامي ومن الضروري إقامة الخلافة هناك أولا.

أبو مصعب السوري: المشاركة بغرض تدريب الكوادر ولتشكيل منظمة أو منظمات جهادية يتم التنسيق بينها. إن القتال في أفغانستان واجب ديني، برغم أنه قضية خاسرة.

أبو الوليد، مصطفى حامد: المشاركة الكاملة بقوات المجاهدين الإسلاميين في أفغانستان بغرض تحقيق نصر عسكري وسياسي من أجل الإسلام، وتحويل أفغانستان إلى قاعدة من الدعم للشعوب المسلمة، وتزويدهم بالكوادر والخبرات والملاذ والدعم العسكري للمحتاجين.

الى السودان والصومال

من الواضح أن أبا الوليد كان يمثل رأي الأقلية، وباعتبار أن وجهة النظر السائدة لدى قيادة «القاعدة» تمثلت في أن الجهاد في أفغانستان كان «قضية خاسرة»، انتقلت المنظمة كلها في السنة التالية إلى السودان، لكنْ أبو الوليد بقي في أفغانستان وترأس بقايا البنية التحتية لـ«لقاعدة» -بصورة رئيسية شبكة معسكرات التدريب- وأشرف على تدريب الكوادر الجهادية الجديدة التي بدأت في ذلك الوقت تصل إلى المعسكرات من البلدان السوفييتية السابقة في وسط آسيا.

وبالإضافة إلى تدريب الجهاديين من الحركة الإسلامية الأوزبكية (IMU) الذين بدأوا يتدفقون إلى «جهاد وال» والمعسكرات الأخرى، أدار أبو الوليد أكبر عمليات «القاعدة» في أفغانستان خلال تلك الفترة: «مشروع الفرقان»، الذي زود التدريب العسكري والدعم لأعضاء حزب النهضة الطاجيكي (والمعروف كذلك بحزب النهضة الإسلامي لطاجيكستان)، وهو حزب سياسي إسلامي قاتل بجانب المجموعات الأخرى المناهضة للحكومة في الحرب الأهلية التي دارت رحاها في طاجيكستان بين عامي 1992و1997.

وفي سلسلة من خمس رسائل معنونة إلى قيادة «القاعدة» التي كانت موجودة حينئذ في السودان والصومال، كشف أبو الوليد أن بيت «القاعدة» ظل منقسماً طوال تلك الفترة. وفي رسالته الأولى إلى القوات الإفريقية، والمؤرخة في 30 سبتمبر 1993، أشار صراحة إلى «الخطأ المزمن في التوجيه السياسي» الذي أصاب نشاطات «القاعدة» في أفغانستان، واستمر في الصومال.

كتب أبو الوليد أن العمل العسكري يجب أن يمضي وفقا لخطة مرسومة، وسعيا إلى تحقيق أهداف معينة، وأن «شن الجهاد مثل الخرتيت أمر غبي وعقيم»، ورجع مرات عدة إلى مسألة أهداف «القاعدة» في الصومال، موبخاً الفريق الذي شارك في الاشتباك مع القوات الأميركية في مقديشو (أي حادثة «سقوط الصقر الأسود») بعد أن نسوا لماذا كانوا هناك في المقام الأول في أعقاب هذا «النصر» كتب أبو الوليد قائلا «هنا أذكّرك مرة ثانية، أن من بين أخطائك القاتلة، وهو التغيير المتعجل للأهداف الإستراتيجية، حيث أصبح الآن كل عمل تكتيكي ومرتجل. برغم من أي نجاح قد تحققه بعض هذه العمليات، ستختفي الخطوط العامة للعمل، وتفقد اتجاهها، وفي النهاية قد نخسر جميع المكاسب التي تحققت. هذا عبء ثقيل الوطأة على أمتنا المبتلاة بالفعل».

عوائق أيديولوجية

انتقد أبو الوليد مرارا وتكرارا العوائق الأيديولوجية التي كانت كوادر «القاعدة» تفرضها على انتقائها للشراكات المحلية، مشيرا إلى أن «الميول السلفية لـ(القاعدة) أدت بها إلى البحث عن حليف سياسي في الصومال، يمتلك المرتكزات الأيديولوجية نفسها»، وهي مقاربة اعتبرها «كارثة كبرى».

وجادل أبو الوليد بأن الكوادر يجب أن تسعى إلى أقل الشرور المختلفة، وليس ثمة مفهوم مثالي مأمول؛ فالسؤال الذي يواجه النشاط الجهادي ليس متعلقا بأن يسيطر عليه السلفيون، أو الصوفية أو الإخوان المسلمون، بل إن كان سيبقى أصلاً.

وهنا يحث أبو الوليد «القاعدة» في الصومال على البحث عن أناس يمكنهم العمل معهم بصورة فعالة، سواء كانوا سلفيين أم لا.

«خيانة» الهدف الأصلي

تكشف الرسائل الخمس أيضا قلة الالتزام من جانب قيادة «القاعدة» في دعم البنية التحتية المتبقية في أفغانستان، فيوبخ أبو الوليد قيادة «القاعدة» على «غسل أيديها من منطقة وسط آسيا»، باعتبار أن هذا كان «متناقضا تماما مع دستور تأسيس تنظيم (القاعدة) وشعاره المطلق، وهو الجهاد العالمي».

ويقول أبو الوليد «برغم أنني عارضت هذه السياسة، باعتبارها تتجاوز نطاق قدرات تنظيم القاعدة، فقد التزم به التنظيم مع هذا، حتى أنها أخذت خطوات لتحقيقه. لكن احذروا الخطر الذي يكتنف أية منظمة تتخلى عن أهدافها التأسيسية، فهذا يمثل بداية النهاية».

كان الانسحاب من مسقط رأسها في جنوبي آسيا للتركيز على المناطق العربية «المركزية» بمنزلة خيانة لهدف «القاعدة» الأصلي، وكتب أبو الوليد انه يخشى أن ينتهج «القاعدة» طريق الجماعات الإسلامية المصرية، التي تفتتت إلى منظمات ركزت شيئاً فشيئاً على أمور أكثر تفاهة ومجالات أصغر للعمل. وكتب قائلا «لقد سمعت حتى عن منظمات مخصصة لأحياء بعينها. تبدأ هذه المنظمات حول قسم للفتوى، أي ثمة عبقري يعاني ذلك الإسهال الشرعي، ويعتبر نفسه قادراً على حل أية قضية في السماء أو الأرض».

نقص في الموارد

 

كما حدث في عمليات خوست، أشار أبو الوليد مراراً وتكرارا إلى المخصصات غير الكافية من الموارد لـ«مشروع الفرقان» ومرافق التدريب عموماً، ملاحظا أنه في عام 1994 «التمس الدعم المالي والإنساني المتواضع جداً، لكنه لم يجد سوى آذان صماء».

وفي النصف الأخير من عام 1994، أمر أسامة بن لادن معظم أفراد «القاعدة» الباقين والعاملين في «مشروع الفرقان» بالانتقال إلى الخرطوم. وفي رسالة كتبها إلى القيادة في السودان أبو عطا الشرقي من معسكر «جهاد وال» في خوست، أشار الكاتب إلى سعادة معظم «الإخوة» بهذا الأمر، إذ إنهم ملوا المشكلات التي تواجه عملهم في أفغانستان؛ وفي إشارة أخرى على تعصب «القاعدة»، كتب المؤلف «إنني أعلم من دون أدنى شك أن المشكلات لن تنتهي طالما بقينا بين الإخوة من التتار».

وأشار الكاتب أيضا، على أية حال، إلى أن أبا الوليد «انزعج للغاية» من هذا الأمر، إذ إن الأخير كان قد بعث رسولاً إلى الأوزبكيين يدعوهم إلى المجيء وتلقي التدريب.

كتب أبو عطا أن أبا الوليد كان يعتبر أن فرصة العمل مع الأوزبكيين تمثل فرصة فريدة لا يجب أن تضيّع؛ تلا ذلك عدة مناقشات، وفي النهاية وافق أبو عطا وبقية الكوادر على البقاء حتى يمكنهم الانتهاء من تدريب الأوزبكيين، وعلى كتابة رسالة بهذا المعنى إلى بن لادن، مانحين هذا الأخير خيار عزل أبي الوليد.

وقد أشار أبو الوليد إلى ذلك في رسالة خاصة به، طلب فيها إليه أن «تجمد قرارك بسحب الكوادر بشكل مؤقت حتى تتاح لك فرصة مناقشة المسألة بأكملها مرة أخرى مع مندوب سيحضر إليك خصيصاً لهذا الغرض». لكن التماسه كان في ما يبدو بلا جدوى، حيث لم تمض فترة طويلة بعد ذلك حتى كان أبو الوليد قد انتقل شخصياً إلى الخرطوم، برغم أنه اضطر إلى العودة خلال شهور، إذ تم طرد كامل منظمة «القاعدة» بالقوة من السودان وسعت إلى الحصول على ملاذ لدى حركة «طالبان» الصاعدة إلى السلطة حديثا.