صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 5145

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

بوش عازم على البحث عن أجوبة... وكل تركيزه على العراق 2/2

  • 05-07-2007 | 00:00

رئيس غير منزعج رغم الحصار والانعزال

لم يعد إخلاص فريق الرئيس الأميركي جورج بوش يوافق تصوّراته، فالخلاف حول ما إذا كان على ألبرتو غونزاليس البقاء في منصبه كمدّعٍ عام، قد تسبّب بفصل حاد بين الطرفين. ووفقاً لمسؤولين في البيت الأبيض، ما زال الرئيس مقتنع بشدة بأن صديقه لم يرتكب أي خطأ أخلاقي لدى طرده المدّعين الأميركيّين، كما يرفض المستشار كارل روف بغضب ما يراه أنه «صيد ديموقراطي». ولكن خارج الحلقة الداخلية، يصعب إيجاد مسؤول إداري سابق أو حالي يظنّ أنه من الأفضل إبقاء غونزاليس.

وفي هذا الصدد، يقول أحد أهم المساعدين السابقين، الذي رفض الإفصاح عن هويّته، «لا أفهم بحق، ماذا يفعل غونزاليس في منصبه. لا يتعلّق الأمر به، بل بالمنصب وبالشخص القادر على الإدارة». ويشير المساعد السابق الى أنه في كل مرة يلتقي أمناء المجلس السابقين، «يتذمّرون كلّهم من دون استثناء» بسبب بقاء غونزاليس.

ينظر بعض المساعدين إلى الأمر وكأن بوش يرفض تقبّل الواقع. ويصرّح مسؤول كبير بغضب «يظنّ الرئيس أن التخلي عن الأصدقاء يعدّ ضعفاً، وأن التغيير يعد ضعفاً، وأن القيام بالأمور الضرورية يعد ضعفاً»، بينما يقول مساعد سابق آخر أنه لا أهمية لعدد الأشخاص الذي يستشيرهم بوش، فهو لا يحتاج إلاّ إلى اثنين أو ثلاثة.

لا يقف استياء المشرعين الجمهوريين من الرئيس بوش عند قضية غونزاليس فحسب، بل يتخطاها إلى ما هو أوسع وأعمق. وبعض هؤلاء المشرعين يستشيط غضباً. وقال أحد كبار النواب الجمهوريين والذي التقى بوش أخيرا، «يتمنى أعضاء حزبنا أن تنتهي هذه المسألة، فقد سئم الشعب من تصرفاته». لكن الأوساط المحيطة ببوش لا تزال محصنة، حسبما قال هذا النائب. وأضاف «لا أحد منهم يمكنه الوقوف في وجهه ويقول له (سيدي الرئيس، يجب ان تفعل هذا الأمر. أنت مخطئ في شأن هذه المسألة). ما من إشراف مسؤول. يبدو كأنه غافل عما يحدث. لربما هذه طريقته في الدفاع عن نفسه».

وكشف مساعدون انهم يتحدون بوش، فقد دارت بين الرئيس وكبير موظفي البيت الأبيض جوشوا بولتون ما دعاه أحد زملائي بالـ«كثير من النقاشات الحامية» بعد انتخابات نصف الولاية في شهر نوفمبر الماضي. وهدف بولتون من هذه النقاشات توعية الرئيس بفشل خططه في العراق. كذلك، عقد بولتون اجتماعات كي يسمع بوش آراء مَن ينتقدون سياسته. كما بعث إليه بكتابات تشدد على ضرورة التغيير، حسبما قال زميلي. ونتيجة ذلك، قرر بوش إرسال المزيد من الجنود إلى العراق.

وحتى لو حاول بوش أن يتجنب صيحات وسائل الإعلام، لا يسعه تفادي النقَّاد. فقد أخبرته مجموعة من النواب الجمهوريين المعتدلين، بشكل واضح، في اجتماع عُقد أخيراً في البيت الابيض، إنه أصبح عبئاً على الحزب. وعندما دعا الرئيس مقدمة برامج الراديو المحافظة لورا انغراهام لمرافقته في نزهة على الدراجة الشهر الماضي، وبخته على موقفه من قانون الهجرة.

يبدو أن تدني شعبية بوش تحد من الأماكن التي يمكنه زيارتها. فقد رفض دعوة وجهها إليه فريق «واشنطن ناشونالز» ليرمي الكرة الأولى يوم الافتتاح، مدعياً أن جدول أعماله حافل جداً. لذلك أقام المالك السابق لفريق البيسبول هذا احتفالاً على شرف فريق كرة قدم تابع لإحدى الجامعات في قاعة «إيست روم» في البيت الأبيض حضره مدعوون محددون، وذلك كي يتفادى المناهضين للرئيس بوش. وعندما بدأ موسم التخرج في الجامعات، تجنب الرئيس الجامعات الكبرى، ملقياً خطاباً في جامعة صغيرة في فلوريدا، فضلاً عن مدرسة دينية صغيرة يديرها أحد مساعديه السابقين في بنسلفانيا. رغم ذلك، اصطدم الرئيس بعدد من المحتجين في المدارس والجامعات.

التعلم من الماضي

في خضم هذه الفوضى، بحث الرئيس عن ملجأ له في كتب التاريخ. فقد قرأ ثلاثة كتب عن جورج واشنطن السنة الماضية. كما قرأ عن حرب الاستقلال في الجزائر واستنزاف الكونغو. واختار أخيراً رواية «شبان مشاغبون» للكاتبة لين ألسون، التي تتناول فيها قصة مجموعة من أعضاء الكونغرس المحافظين دفعوا بونستون تشرشل إلى السلطة. فهو يعتبر تشرشل مثاله الأعلى ويحتفظ بتمثال صغير له في مكتبه في البيت الأبيض.

وبعد أن قرأ بوش كتاب أندرو روبرتس «تاريخ الشعوب الناطقة بالإنكليزية منذ العام 1900»، اجتمع بالكاتب وبعدد من العلماء الآخرين ليناقشوا الدروس التي يستشفونها من هذا التاريخ. ويخبر ستلزر، من معهد «هادسن»، والذي شارك في هذا اللقاء، أن بوش سأل روبرتس «ماذا أتعلم من التاريخ؟».

يوضح ستلزر أن بوش بدا أذكى مما توقع. شمل هذا اللقاء مواضيع تاريخية ودينية. كما شمل مواضيع حساسة بالنسبة إلى رئيس يناضل ليحسنّ الإرث الذي سيخلفه وراءه. ويذكر ستلزر «سألني: هل تظن أن شخصيتي هي السبب في تدني شعبيتنا في الخارج؟، ثم ضحك. فأجبته: إنها أحد الأسباب، فضحك ثانية».


تمحور معظم النقاش حول طبيعة الخير والشر، وهي موضوع أساسي في نظر بوش الذي يصف الصراع ضد الإسلاميين المتطرفين كصراع بين الخير والشر. وقال مايكل نوفاك، لاهوتي شارك في اللقاء، إن بوش على ما يبدو يتخطى مصاعبه، معتبراً أنه ينفّذ مشيئة الله.

وأوضح نوفاك، الكاتب في معهد أميركان انتربرايز، «إيمانه قوي، لكن الإيمان وحده غير كاف. فثمة أشخاص كثر لديهم إيمان قوي، إلا أن قلوبهم ضعيفة. غير أن إيمانه قوي جداً. يبحث بوش عن الإرشاد بواسطة الصلاة، شأنه في ذلك شأن أي رئيس آخر. ويعني ذلك أنه يحاول أن يتأكد من أنه يفعل الصواب. وفي هذه الحالة، لا تتأثر كثيراً بالانتقادات لأنك في النهاية تنصاع لمشيئة الله».

أما المؤرخ البريطاني هورن، فقد التقى بوش في مناسبة أخرى بعد أن أعطى كيسنجر الرئيس كتاب «حرب السلام الضروس»، الذي يتناول هزيمة فرنسا في الجزائر في أواسط القرن العشرين. دعا بوش هورن إلى زيارته وتحادثا عن نقاط التشابه والاختلاف بين الجزائر والعراق، فيما راح بوش يبحث عما قد يفيده ليحسن وضعه.

أوضح هورن أنه ليس من أنصار بوش، لكنه فوجئ كثيراً من الهدوء الذي تحلى به الرئيس. وقال «كان ودوداً وهادئاً. فوجئت كثيراً عندما رأيته في أفضل أحواله. بدا كأنه عاد لتوه من رحلة إلى البحر الكاريبي. بدا كما لو أنه خالي البال. هذا مذهل حقاً!».

تضاؤل عدد المناصرين

بينما تشارف ولاية بوش نهايتها، يخفّ عدد مناصري بوش في البيت الأبيض. فمساعدوه الذين وقفوا إلى جانبه بدأوا يتخلون عنه الواحد تلو الآخر. في السنة الماضية، استقال أندرو كارد الابن، كبير موظفي البيت الأبيض، بعد أن شغل هذا المنصب طوال خمس سنوات. والآن سيغادر المستشار دان بارتليت منصبه بعد أن بقي مساعدا لبوش مدة 14 سنة.

كان كارد وبارليت المساعدَين اللذين يمضيان الوقت الأطول إلى جانب بوش. لكن بولتون، بديل كارد، وإد غلسبي، خلف بارليت، قررا ألا يمضيا وقتاً طويلاً إلى جانب الرئيس، وبعض الذين تركوه انتقدوه بشدة. ويقول مقربون من بوش إن هذا الأخير تألم كثيراً حين رفض كبير الخبراء الاستراتيجيين في الحملة الانتخابية الثانية ماثيو دود أي علاقة به.

بحث بوش عن العزاء في صحبة أصدقائه القدامى من تكساس وجامعة «يال» خلال النزهة الصيفية السنوية وحفلة عيد الميلاد. كذلك، يدعو أصدقاءه إلى البيت الأبيض أو مزرعته في كروفورد. لكن هذه الزيارات تخلو من أي طابع شخصي. وقال أحد أصدقائه، والذي رفض الافصاح عن هويته، «تبدو وكأنها زيارات مبرمجة. عندما تذهب لزيارة الرئيس، تشعر أن كل الخطوات محسوبة بدقة. نتناول المشروبات في السابعة وفي السابعة والنصف نجلس للعشاء. وبحلول التاسعة تكون قد عدت إلى الفندق».

قلما يغادر بوش البيت الأبيض ليحضر مناسبات اجتماعية في واشنطن، مع أن نشاطاته الاجتماعية زادت أخيراً. فقد لبى الشهر الماضي دعوة صديقيه القديمين، المحامي جيم لانغدون وكلاي جونسون الثالث، مساعد مدير المكتب المتخصص في الإدارة والميزانية، وتناول العشاء في منزليهما. لكن بوش يتفادى الحديث في السياسة في مناسبات كهذه. بل يحاول التصرف كأي إنسان عادي، فيسأل عن الأعمال والأصدقاء المشتركين. قال روبرت مكلسكي، صديق بوش منذ الصغر، «يريد أن يعرف ماذا نفعل في أوقات فراغنا».

علاوةً على ذلك، يحاول بوش تخطي الضغوط بالانضباط والروتين اليومي والتمارين. يستيقظ عادةً في الخامسة صباحاً. يصل إلى مكتبه في البيت الأبيض في السادسة والنصف ويغادر في الرابعة والنصف. يمارس بعد ذلك التمارين الرياضية مدة ساعة، ثم يعود إلى العمل لفترة قصيرة قبل أن يتوجّه إلى مقره السكني ويخلد إلى النوم في التاسعة والنصف. في عطلة نهاية الأسبوع، يحب التنزه مع أصدقائه أمثال كارد أو قريبه ألكسندر آلس الرابع على الدراجة الهوائية مدة ساعتين في منشأة تابعة لجهاز الاستخبارات في بلتسفيل.

ويقول أصدقاء بوش ان الأخير ليس غافلاً عن المشاكل التي يواجهها. وذكر أحد المقربين «لا شك في أنه يعي تماماً كل الظروف المحيطة به. ما من أمر يجهله. فهو يدرك ما نظرة الناس إليه وإلى أنصاره وما المشاكل التي يواجهها شعبه. إنه واع جيداً لكل ما يدور من حوله، يحتفظ في رأسه بمخطط تفصيلي دقيق لكل شاردة وواردة».

على الرغم من ذلك، يبدو بوش بعيداً عن الواقع. عندما سافر إلى نيويورك ليزور إحدى المدارس في هارلم كي يروج لبرنامجه التعليمي، اصطحب معه على متن طائرته الرئاسية بعض ممثلي نيويورك في الكونغرس، بمن فيهم الديموقراطي تشارلز راينجل، رئيس لجنة الوسائل والطرق التابعة لمجلس النواب. كان البيت الأبيض حينذاك يخوض مفاوضات صعبة مع راينجل بسبب اتفاقات تجارية. لكن بوش لم يحاول أن يستغل الفرصة ويعقد صفقة معه، بل اكتفى بالحديث عن البيسبول. قال راينجل «أكثر الكلام عن فريق راينجرز، ولا أملك أدنى فكرة عما كان يقوله».

لكن هذه الرحلة برهنت على أن بوش لا يمكنه الهرب من أعبائه. فقد عرّفه كينغ، أحد أعضاء الكونغرس الجمهوريين، في الكواليس إلى جندي تعرض لإصابة في إحدى عينيه. فاغرورقت عينا بوش بالدمع وطلب من الشاب خلع نظارتيه كي يرى الجرح، حسبما يذكر كينغ. وأردف قائلاً «من طبيعة الب شر أن ينظروا في الاتجاه المعاكس عندما يرون أحداً مصاباً. لكنه طلب منه أن يخلع نظارته ولمس عينه قليلاً. فقد بدا كما لو أنه شعر بأن عليه مواساته».

في طريق العودة إلى واشنطن بعد بضع ساعات، كانت شاشة التلفاز على متن طائرة الرئيس تعرض مباراة فريق نيويورك ميتس. فمازحه كينغ قائلاً إن بوش يشعر بالتأكيد بأعباء منصبه الثقيلة. قال له كينغ «زوجتي تحبك لكنها تتساءل دوماً كيف أنك لا تستيقظ كل صباح لتقول: ضقت ذرعاً بما يحصل، سأستقيل من منصبي». فأجابه بوش «أهذا ما تفكر فيه حقاً؟ اتصل بها». فطلب كينغ الرقم، لكن لم يجد أحداً. فترك لها بوش رسالة على المجيب الآلي «أنا بخير، لا تقلقي».