«عروس المتوسط» تتذكَّر نجيب محفوظ... صديق باعة الصحف وعاشق المقاهي

نشر في 04-09-2015
آخر تحديث 04-09-2015 | 00:01
خلال مسيرة أديب {نوبل العربية} الراحل نجيب محفوظ الإبداعية والروائية الطويلة، كانت مدينة الإسكندرية الساحلية (200 كيلو متر شمال القاهرة)، محوراً لأحداث عدد من رواياته المهمة. رغم ما عرف عنه من الولع بالقاهرة القديمة، فإن الأديب المصري الذي لم يزر الصعيد مرة في حياته، اعتبر مدينة الإسكندرية ظهيراً بحرياً لمصريته، وكان الأديب العربي الوحيد الحاصل على جائزة نوبل (1988) وكان شعاره {المحلية أقصر طريق إلى العالمية}.

ظهرت الإسكندرية في ثلاث روايات ضمن مسيرة نجيب محفوظ الروائية الطويلة الحافلة، وهي «السمان والخريف» و{الطريق» و{ميرامار»، وكلها تعكس بشكل أو بآخر عشق محفوظ المدينة ذات الطابع «الكوزمبوليتاني» والتي عاشت بين جنباتها أجناس وديانات متعددة ومختلفة، عبر العصور.

قرابة ربع قرن متصلة، حرص محفوظ على قضاء فصول الصيف في المدينة الساحلية، وهي الفترة التي بدأت بخروجه إلى المعاش، من عمله الحكومي منتصف السبعينيات من القرن العشرين، منفرداً بشقته في منطقة «سان إستفانو»، وهي العادة التي توقفت عقب محاولة اغتياله الآثمة في أكتوبر 1994، والتي صاحبها تدهور عام في صحته. ورغم أن ذكرى وفاة محفوظ التاسعة – تُوفي 30 أغسطس 2006 - مرت منذ سنوات، فإن الأماكن التي تعود على ارتيادها في الإسكندرية، مثل «المقاهي»، لا تزال قائمة وموجودة، تصدح بالحكايات والذكريات معه وعنه، وكلما أطلت ذكرى وفاته، يظل رواد هذه المقاهي يشعرون بالفخر، لأنهم كانوا يوماً جزءاً من عالمه، ومن طقوسه اليومية  في المدينة الساحلية، التي عرفت كثيراً من الأدباء، أبرزهم الشاعر اليوناني الأصل، قسطنطين كفافيس، في النصف الأول من القرن العشرين.

«ميرامار»

في منطقة «محطة الرمل»، وسط الإسكندرية، لا يزال «بنسيون فؤاد» شاهداً على ذكريات تصوير فيلم «ميرامار» داخله، في بناية عتيقة تطل على الكورنيش، يعود بناؤها إلى عام 1936، ذات طابع معماري يحمل لمسة إيطالية أنيقة، وبحسب حسام شلبي (55 عاماً)، وهو مدير الفندق الحالي وزوج ابنة صاحبه، فإن الفندق كان مملوكاً فعلياً حتى عام 1956 لسيدة يونانية، قبل أن تنتقل ملكيته إلى أصحابه الحاليين، وبحسب ما سمعناه من الملاك الأصليين، فإن محفوظ كان أحد رواده خلال الإجازة الصيفية في بداية الستينيات من القرن الماضي، والمؤكد أن كثيراً من شخصيات رواية الأديب بالاسم نفسه جاءت وأقامت فيه خلال سنوات الستينيات.

من بين السكان المعمرين في «محطة الرمل»، أكد محمد الفناجيلي، أحد أقدم باعة الصحف والمجلات في الحي، أن «ميرامار» كان في الأصل اسماً لأحد «البارات» الشهيرة في «محطة الرمل»، حتى منتصف الخمسينيات، وكان ملاصقاً لفندق {فؤاد» الذي كانت تديره سيدة يونانية مع زوجها، قبل هجرتهما إلى اليونان ومغادرة المدينة المصرية الساحلية.

عاصر الفناجيلي تصوير الفيلم لدى أحد باعة الصحف في محطة الرمل، كان آنذاك شاباً في العشرينات العام 1969. يقول إن محفوظ كان أحد عشاق المنطقة، وكان باعة الصحف أهم المحطات المهمة في جولته، في وسط المدينة، وكثيراً ما عرج عليه خلال توجهه إلى المقهي، لشراء الصحف والمجلات، وكان كريماً وسخياً ويتمتع بأدب جم».

مقهى «تريانون»

مقهى وحلواني «تريانون» الشهير بمحطة الرمل، الذي يعود بناؤه إلى عام 1905، كان مملوكاً لأسرة اليوناني يورغوس بيرليس، حتى عام 1970، وكان أيضاَ إحدى المحطات المهمة لأديب نوبل في المدينة، خلال فصل الصيف. بحسب أحمد ريان (71 عاماً)، وهو آخر عضو في شلة «حرافيش محفوظ في الإسكندرية»، فإن نظام أديب نوبل،  فى حياته بالإسكندرية لا يختلف عن دقته ونظامه بالقاهرة وكانت «المقاهي» وتجمعات البشر جزءاً مهماً من عالمه.

يقول ريان: «كان محفوظ يستيقظ مبكراً ويرتدي ملابسه، ويتناول إفطاراً خفيفاً، ثم يتوجه للجلوس في «تريانون» ويرفض الجلوس مع أحد في تلك الأثناء مكتفياً بتأمل البشر والحياة واختزال تلك المشاهدات في ذاكرته القوية، ثم يتناول غذاءه في أحد مطاعم محطة الرمل «مطعم على كيفك» ليعود لاحقاً إلى المنزل للراحة، ويتوجه بعدها إلى مجلس الحرافيش «من الساعة 6 مساء حتى الساعة 9 مساء في فندق سان إستفانو القديم، ثم ينصرف بصحبة أحد الأصدقاء للتوجه لتناول العشاء في أحد مطاعم الفول والطعمية في محطة الرمل قبل أن يعود إلى منزله».

يكشف ريان الذي أمضى نحو ست سنوات، في مجلس حرافيش نجيب محفوظ، في حديقة فندق سان إستفانو القديم- محله الآن فندق خمس نجوم- أن جلسة الحرافيش في الإسكندرية بدأت منذ صيف العام 1989، حتى آخر زيارة لمحفوط في الإسكندرية عام 1994 واستمرت صلته بأديب نوبل حتى وفاته في 2006.

مقهى «بترو»

يضيف ريان، أنه في العام 1985 كان «بترو» في منطقة «لوران» أحد المقاهي المفضلة لأديب نوبل، وكان المقهى مملوكاً لإيطالي حمل المقهى اسمه، وكان المكان المفضل لجلوس الكاتبين الراحلين توفيق الحكيم وثروت أباظة، خلال قضائهما العطلة الصيفية بالإسكندرية، وعقب وفاة صاحب المقهى وتعرض الأخير للهدم لاحقاً، أقيمت ناطحة سحاب في المكان نفسه، فانتقلت جلسة توفيق الحكيم إلى كافيتريا فندق سان إستفانو القديم، وانتقل معه نجيب محفوط أيضاُ، وبدأت فكرة مجلس الحرافيش، في الكافيتريا الموجودة بحديقة الفندق، عقب وفاة الحكيم في يوليو عام 1987.

وبحسب قول ريان لـ «الجريدة» فإن جانباً من اختيار محفوظ كافيتريا فندق سان إستفانو القديم، لتكون مكاناً لمجلس حرافيشه في الثغر، يعود إلى عشقه طراز الفندق الإنكليزي العتيق، الذي يعود بناؤه إلى عام 1910، وحديقته المترامية الأطراف، وكان يقصده  أيضاً الزعيم سعد زغلول، خلال إقامته بالإسكندرية، وكان محفوظ يحب الأخير حباً جماً، ويراه زعيماً أسطورياً لن يتكرر في تاريخ مصر.

دعابة الحكيم

عن طقوس محفوظ خلال إقامته في الإسكندرية، يقول  آخر الحرافيش أحمد ريان: كان {نجيب بك» يحضر إلى الإسكندرية في السبت الأول من مايو حتى الأربعاء الأخير من سبتمبر، ليسافر أسبوعياً يوم الخميس إلى القاهرة لحضور مجلس شلة حرافيش «قصر النيل» الجمعة ويعود مجدداً إلى الإسكندرية، وخلال هذه الأشهر الخمسة لا يكتب أو يشتغل بالأدب نهائياً، فقد كان منضبطاً جداً ويأتي يومياً في السادسة مساء حتى الساعة التاسعة، ولم يكن مغروراً أو متعالياً، حتى بعد حصوله على جائزة نوبل.

ويذكر ريان موقفاً شاهده بعينيه ويدل على ما كان يتمتع به محفوظ من سرعة بديهة وخفة ظل، فأثناء إحدى جلسات مجلس الحرافيش، حضرت فتاة بارعة الجمال، في الثلاثينات من العمر، وصافحت محفوظ وانهمرت في تقبيله وهي تشيد بأعماله، وبعد انصرافها داعب «الحرافيش» محفوظ فرد عليهم قائلا: «حدث ذلك مع توفيق الحكيم في الإسكندرية أيضاً، وعقب انصراف الفتاة قال الحكيم: يا نجيب لما بنت جميلة زي دي، تبوسك بالشكل دا، متفرحش قوي، دا معناه إن مفيش خوف منك!».

back to top