ويكتب عبدالله بشارة الغزو في الزمن العابس

  • 09-06-2019

يا له من كتاب مرجعي مهم، لأن كاتبه شاهد ومشارك وفي وسط المعمعة وعلى بعد زمني مناسب لأن تكون الكتابة موضوعية وصادقة.

إنه كتاب لابد منه لمن يريد الاطلاع على تسلسل الأحداث منذ البدايات المبكرة عندما تأسست الدولة العراقية الحديثة عام 1920، إثر تلاشي الدولة العثمانية ونيل الدول العربية استقلالها عن تلك الدولة التعيسة، وما خلفته من دمار ثقافي وفقر علمي وإهمال شديد لكل البلاد العربية.

ويمضي عبدالله بشارة في رحلته مع بوادر بدأت بالسعي مبكرا لترسيم الحدود، وما جرى فيها من مجاملات على حساب الكويت التي مثلها المقيم السياسي البريطاني، ثم أطماع نوري السعيد ومحاولاته، والملك غازي الذي استطاع التأثير عبر إذاعة قصر الزهور على بعض الشباب الكويتي، ونهايته المفجعة، ثم نهاية الحكم الملكي الذي حاول عن طريق رئيس وزرائه نوري السعيد إقناع الشيخ عبدالله السالم بالانضمام للاتحاد الهاشمي، وجاء من بعد دور عبدالكريم قاسم ثم عبدالسلام عارف ثم أحمد حسن البكر حتى انتهى الأمر للطاغية صدام حسين.

ومن موقعه الدبلوماسي كمدير لمكتب وزير الخارجية ثم مندوب الكويت في مجلس الأمن وتوليه رئاسة المجلس وعلاقاته الواسعة بعدد كبير من الدبلوماسيين والوزراء وكبار رجالات الدولة من مختلف أنحاء العالم، ثم توليه منصب الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربي وإلمامه بثقافة ومكانة كل حكام المنطقة وأمزجتهم وتوجهاتهم وقربه من مراكز اتخاذ القرار واطلاعه الواسع على كم هائل من الوثائق والكتب التي طرقت الموضوع ومحاضر جلسات محاكمة صدام ووثائق التحقيق الأميركية مع صدام ووصفه من قبل خبراء أجانب.

كل ذلك وغيره من الكتابات السابقة للحدث واللاحقة له كانت بين يدي هذه الخبرة المعتقة، فجاء الكتاب وكأنه يغطي المرحلة كلها ما قبل وما بعد... وقد تخلص من ردات الفعل العاطفية التي طغت على الكتابات المبكرة والمعاصرة للحدث، كما أنه تخلص من الإنشاء والزوائد وانتهى الى وصف المعايش للحدث والمشارك فيه والمطلع على خفاياه ومجرياته، فجاء وكأنه لملمة لكل الخيوط والآراء والأفكار وقدمها بموضوعية شديدة... إنه كتاب مهم جدا وكأنه من كتب التاريخ لمرحلة مهمة من حياة الكويت.

وقد توقف عند مؤتمر جدة طويلا، وأثبت جزءا مهما من خطاب الوجيه عبدالعزيز الصقر، كما أبرز الدور الحيوي لكل من الشيخ سعد العبدالله والشيخ صباح الأحمد... وتوقف عند اجتماع رؤساء الدول العربية في التاسع من أغسطس بالقاهرة، وكيف أداره بمهارة الرئيس حسني مبارك يعاونه في ذلك المستشار القانوني مفيد شهاب، حين افتى بتعطيل مبدأ الاجتماع في حالة احتلال دولة لأخرى عضو في الجامعة، وأجاز اتخاذ القرار بالأغلبية، فجاء القرار التاريخي الذي مهد لقرارات مجلس الأمن المتتالية وتكوين التحالف الدولي الساعي لتحرير الكويت بزعامة أميركا.

انه كتاب شامل من شخصية دبلوماسية مرموقة شاهد من شهود العصر والحدث وكاتب متمرس لا يستهويه الإنشاء بل الوقائع والمعلومات، يأتي بها من مصادرها ومضانها مهما احتاج من وقت، وان يأتي كتاب الأستاذ الكبير عبدالله بشارة في هذا الوقت، بعد مضي 29 عاما على الحدث، وبعد أن بدأت العلاقات الأخوية تعود إلى طبيعتها تدريجيا، يكون من المهم الإشارة إلى هذا الكتاب الحدث، والإشادة بالمؤلف وبدار ذات السلاسل التي أصدرته.