جولة بومبيو الأخيرة تصطدم بعقبات شرق أوسط مجزأ

صب وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، خلال جولته الحافلة التي قادته إلى ثماني دول في أسبوع واحد، كل اهتمامه على رسالة أساسية واحدة: «الحاجة إلى التصدي للخطر الأكبر على الإطلاق في الشرق الأوسط: النظام الإيراني وحملاته من الإرهاب والتدمير»، كما ذكر في القاهرة.

راح بومبيو يسافر من عاصمة إلى أخرى، حيث التقى ملوكاً، وأمراء، ورؤساء، وهدفه من كل هذا دفع الدول العربية إلى العمل معاً بغية التصدي للنفوذ الإيراني في المنطقة ومواجهة الميليشيات التي تدعمها إيران، ولكن مع نهاية جولته هذه، لا نرى بوضوح ما إذا كان قد حقق تقدماً ملحوظاً على هذه الجبهة، وخصوصاً أن العقبات أمام بناء ائتلاف مماثل ضخمة.

يصعب على الأمم العربية العمل معاً عن كثب للتوصل إلى سياسات مناهضة لإيران بسبب العلاقات المعقدة في المنطقة، حسبما يؤكد مسؤولون ومحللون من هذه الدول، فالميليشيات المدعومة من إيران التي يرغب بومبيو في كبح جماحها تختلف كثيراً، ولا يمكن فرض حل واحد عليها جميعاً: يشكل حزب الله قوة بارزة في الحكومة اللبنانية، وتعمل كل مجموعة في سورية منفصلةً عن الأخرى في منطقة حرب، أما الميليشيات في العراق فتتمتع بنفوذ كبير في الجنوب الغني بالنفط.

بالإضافة إلى ذلك يواجه المسؤولون الأميركيون صعوبة في تنسيق سياستهم الخاصة المناهضة لإيران بما يتخطى العقوبات الاقصادية، التي فرضها ترامب في نوفمبر بعدما انسحب من اتفاق الأسلحة النووية الذي توصلت إليه إدارة أوباما وحكومات أخرى مع إيران.

قرر ترامب مخالفاً رغبات كل كبار مسؤولي الأمن القومي في إدارته، سحب نحو ألفي جندي أميركي من شرق سورية، مما يبدد أي نفوذ تتمتع به الولايات المتحدة للحد من وجود القوات الإيرانية والميليشيات المدعومة منها في تلك المنطقة، علماً أن هذا بالتحديد الهدف الذي يدعو بومبيو شركاءه العرب إلى تبنيه في مختلف أنحاء المنطقة.

لم يقدّم بومبيو أي توضيح حول الطريقة التي يتوقع أن تنفذ بها الدول الأخرى هذه المهمة.

عندما سئل عما تريد الولايات المتحدة من الأمم العربية فعله للتخلص من هذه الميليشيات، لم يعطِ بومبيو أي جواب محدد، وقال إن إيران تسعى إلى السيطرة على «خمس عواصم»، مشيراً إلى مقر حكومات العراق، ولبنان، وسورية، واليمن، وإيران بحد ذاتها، وأضاف: «غاية جهودنا الحرص على تمكين الشعب الإيراني من السيطرة على عاصمته وعلى تحوله إلى أمة طبيعية لا تنفذ حملات إرهابية لا نظير لها في شتى أنحاء العالم».

في القاهرة أعلن بومبيو أن مصر، وسلطنة عمان، والكويت، والأردن أدت «دوراً أساسياً في تثبيط جهود إيران للتهرب من العقوبات»، كذلك أكّد أن البحرين تعمل على محاربة «نشاطات إيران البحرية غير المشروعة» في المنطقة.

لم يقترح بومبيو أن ترسل الدول العربية خارج مناطق الحرب جنوداً لمحاربة الميليشيات، مع أنه ترك الباب مفتوحاً على احتمال أن تساهم الولايات المتحدة في تشكيل ائتلاف عسكري عربي يدخل شمال شرق سورية مع انسحاب القوات الأميركية.

في مطلق الأحوال، قد يتبين أن نشر القوات عقيم بقدر ما كان في اليمن، فمنذ عام 2015 أخفقت قوات التحالف العربي في طرد المتمردين الحوثيين الموالين لإيران من عاصمة اليمن، أفقر دولة في العالم العربي، وقد أدى هذا القتال إلى الأزمة الإنسانية الأكثر سوءاً في العالم، علاوة على ذلك يتطلب إنشاء ائتلاف عربي موحد ضد إيران حل الكثير من المشاكل السياسية، والاقتصادية، والعسكرية بين الدول العربية.

يذكر مروان المعشر، نائب رئيس الدراسات في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي ووزير خارجية الأردن السابق: «إذا كنت تتكلم عن التنسيق في بعض المجالات، فهذا ما يحدث اليوم، ولكن إذا كنت ترغب في إنشاء تحالف عسكري أو ناتو عربي، فأعتقد أن هذا طرح غير ناجح لأن مكوناته غير متوافرة».

يعدد المعشر مجموعة من العوامل: خلافات بين دول مثل المملكة العربية السعودية وقطر، والعجز عن دمج الجيوش العربية، وغياب أي نوع من بنى القيادة الموحدة، وواقع أن حلفاء الولايات المتحدة العرب لا يعتبرون أن إيران تمثل المستوى ذاته من الخطر.

يضيف: «لا أرى أيضاً أن دولة صغيرة مثل الأردن تملك موارد محدودة قد تشارك في تحالف عسكري. تنظر دول كثيرة في المنطقة نظرة سلبية إلى إيران، إلا أن هذا مختلف عن المشاركة في تحالف عسكري ضدها، ولا أظن أن هذه الفكرة ستلقى رواجاً كبيراً في دول غير المملكة العربية السعودية».

تقود المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة الهجوم ضد إيران في المنطقة، فقد شبّه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان القائد الأعلى الإيراني بهتلر، حتى إنه هدد بتحفيز العنف داخل إيران، ولا شك أن دولاً كثيرة في المنطقة تعتبر إيران خصماً، غير أن البعض، مثل مصر والأردن، لا يشعرون أنها تشكّل خطراً يهددهم مباشرةً ويترددون بالمخاطرة بمواجهتها، أما دول الخليج الأصغر، مثل الكويت، والبحرين، وسلطنة عمان، فتحافظ على روابط دبلوماسية وتجارية مع إيران ومن غير المرجح أن تنضم إلى أي أعمال عدائية ضدها.

لكن العراق يخضع لسيطرة العرب الشيعة ويتشارك في حدود طويلة وروابط ثقافية، ودينية، وسياسية عميقة مع إيران، وقد أصرّ مسؤولو إدارة ترامب على أن يبدأ قادة العراق بقطع الروابط الاقتصادية مع إيران، وحضوا المملكة العربية السعودية وأمماً عربية أخرى على المساهمة في تحسين اقتصاد هذا البلد.

ذكر بومبيو: «ثمة خطوات اقتصادية عدة يمكننا اتخاذها لمساعدة العراق في النهوض مجدداً، مما يتيح له أن يكون أكثر استقلالاً وسيادة وأن يتمتع بسيطرة أكبر».

صحيح أن الحكومة العراقية اتخذت خطوات لتحرر نفسها من قبضة إيران المحكمة، إلا أنها لم تعرب عن أي ميل لمعارضتها، فيذكر رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي: «لا يشكل العراق جزءاً من نظام العقوبات الأميركية ولا يشكل جزءاً من نظام مهاجمة أي دولة».

كذلك يقول موفق الربيعي، مستشار عراقي سابق في مجال الأمن القومي، إن بومبيو امتلك «رؤية نفقية» عندما قدِم إلى الشرق الأوسط، ويضيف: «ثمة مشاكل كثيرة غير إيران، إلا أنهم مهووسون بإيران، فإذا تقاتلت سمكتان في نهر دجلة، تغدو إيران السبب».

ويؤكد الربيعي أن العراق، الذي شن حرباً طويلة ضد إيران في ثمانينيات القرن الماضي وخاض حروباً عدة منذ ذلك الحين، لا يملك أي نية في الانضمام إلى حرب أخرى، ويتابع: «لا أريد أن أكون ضحية حرب الولايات المتحدة ضد إيران أو المملكة العربية السعودية ضد إيران، ولن أجني أي فائدة من كل هذا».

أما نبيل فهمي، وزير خارجية مصر السابق، فيقر هو وكثيرون في العالم العربي بأن على الدول الإقليمية أن تؤدي دوراً أكبر في نشر الاستقرار الواسع، لكن الدول العربية الفردية تحتاج إلى الوقت لتطور قدراتها العسكرية الخاصة، فضلاً عن آلية ما تتيح للدول المختلفة العمل معاً.

ويوضح: «تبني مقدراتك العسكرية والسياسية تدريجياً وتنجز ذلك بدعم من أصدقائك في هذه الأثناء، ولكن في ظل غياب ذلك، مَن يستطيع أن يحظى بمقدرات فورية ويتحمل المسؤولية الضخمة المهولة لتعريض الجنود للأذى وإنزال الجنود على الأرض؟».

ويذكر مايكل نايتس، زميل بارز في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، أن الولايات المتحدة تبنت حتى اليوم مقاربة مدروسة وتدريجية إلى التصدي للميليشيات الإيرانية، وأنها ستستمر في هذه المقاربة، ويؤكد أن دعم إيران للميليشيات يمثل «نموذج التوسع المعقد الذي يجب التصدي له».

* إدوارد ونغ وبن هوبارد- نيويورك تايمز