اعتذروا للشعب السوري... أولاً

  • 30-12-2018

أعلم أنني مواطن عادي، كحال مئات الملايين من العرب، لا نصنع قرارنا، ولا نشارك في تشكيل مستقبلنا، كلماتي غالباً ستذهب هباء، وربما تؤثر في وجدان بعض العرب وهم يشربون قهوة الصباح أو مستلقين يقلبون شاشات هواتفهم الذكية، وصناع الرأي آخر ما يهم الحكام العرب، لكن ضميري لن يهدأ، وفكري لن يتركني أنعم براحة البال، إن لم أقم بأضعف ما أملك، وهو أن أقدم الاعتذار وطلب الصفح من الشعب السوري الذي خذلناه، وسيصافح بعضنا قريباً جزاره ويعيد تأهيله.

نعم كتبت قبل سنوات أنعى الشهيد الطفل حمزة الخطيب، وكانت دموعي تسبق نقرات أصبعي على حروف "الكيبورد" بعدما شاهدت صور التمثيل بجثته، وبعدها دافعت عن الثورة السورية ودعمتها بمداد كلماتي.

وأيضاً غالبتني حشرجات صدري المجروح على أطفال الغوطة في أغسطس 2013، وأنا أشاهدهم ينازعون قبل الموت بسبب غاز الكلور الذي أطلقه نظام الأسد عليهم، وسمعت صراخ النساء في قرية القصير السورية عندما دمرها هجوم حزب الله اللبناني، وكذلك عندما هدمت حمص وحلب وعشرات المدن السورية على رؤوس أهلها بالقصف الروسي - الأسدي، وصور الأطفال وهم يسحبون من تحت الأنقاض متربين ومقطعي الأوصال، وصور التقاط الجثث المنتفخة للمهاجرين الهاربين من الجحيم الأسدي في البحر الأبيض المتوسط.

كنت أعتقد أن هناك بقية من العرب، وتهيأ لي أن هناك بقايا من نخوة وأخلاق وضمير عربي، لكن للأسف ما يحكم العرب حسابات الحفاظ على الكرسي والسلطة، وأغلب البقية الباقية كغثاء السيل. تكالب العالم على سورية لنصرة تحالف الأقليات الذي يحكم سورية بقيادة العلويين، والمكون من العلويين والشيعة والمسيحيين والدروز والأكراد وتجار دمشق السُنة، لأن المطلوب أن يكون كل حكام المنطقة من الأقليات المعزولة عن شعبها، ومكونها أقلية تشابه الأقلية المحتلة لفلسطين.

حسابات الحكم والكرسي هي التي تدير دول العرب بسبب عزلتها عن شعوبها، ولذلك لا يصمدون أمام التدخلات الخارجية، بينما مثلاً المكسيك تصمد أمام الرئيس دونالد ترامب، ولم تدفع دولاراً واحداً لتمويل جداره رغم مئات مليارات الدولارات الأميركية المستثمرة في المكسيك، ورئيسها المنتخب ديمقراطياً من الشعب يقارع ترامب رأساً برأس، ومثلها عشرات الدول الديمقراطية الأخرى، بينما الأغلبية العربية من المحيط إلى الخليج ستصافح جزار دمشق، وقائد الأقلية التي تحكم أشقاءهم وعاثت بهم قتلاً وتدميراً لثماني سنوات متتالية، وستعيد تعمير مستعمرته، وتضخ في يده مليارات الدولارات، بحجة أنهم لا يستطيعون مواجهة التدخل الخارجي!

أي هوان هذا؟! رغم الجرائم الفادحة التي قام بها الإسلاميون وحركاتهم الجهادية في تدمير الثورة السورية، لكن كان من الممكن تصحيح الأوضاع لو كانت لدى الدول العربية الرؤية وحسن التصرف، لكن حسابات "الكراسي" وهجمة الإخوان المسلمين على الربيع العربي دمرت كل شيء.

وأنا متأكد أن هذه الأمة بعدما سيحدث من إعادة تأهيل نظام الأسد لن تقوم لها قائمة مرة أخرى، وسيناريو الأندلس ستتداعى فصوله بيننا طالت الأيام أم قصرت، ومن سيعيش سيرى مآل الأنظمة القائمة التي تعتقد أنها أمنت مكانها وبقاءها على جثث مئات آلاف أطفال ونساء وشهداء سورية الذين يجب أن نعتذر لهم جميعاً، وبصفة خاصة الدول الخليجية ومصر.