جانبان للاستثنائية الأميركية

  • 12-09-2018

انضممت إلى 43 باحثاً في العلاقات الدولية لدفع ثمن إعلان في إحدى الصحف، حيث زعمنا أن الولايات المتحدة ينبغي لها أن تحافظ على النظام الدولي الحالي، لقد ساهمت المؤسسات التي تشكل هذا النظام في مستويات غير مسبوقة من الرخاء وأطول فترة في التاريخ الحديث تمر دون نشوب حرب بين قوى كبرى، وقد ساعدت قيادات الولايات المتحدة في إنشاء هذا النظام، ولفترة طويلة كانت الزعامة الأميركية بالغة الأهمية لضمان نجاحه.

لكن بعض الباحثين الجادين رفضوا التوقيع، ليس فقط على أساس العبثية السياسية لمثل هذه البيانات العامة، بل لأنهم اختلفوا مع "التزام الولايات المتحدة الثنائي الحزبية بالهيمنة الليبرالية والهوس بالزعامة الأميركية التي تستند إليها هذه الهيمنة". كان المنتقدون محقين في إشارتهم إلى حقيقة مفادها أن النظام الأميركي بعد عام 1945 لم يكن عالميا ولم يكن ليبراليا على الدوام، في حين رد المدافعون بأنه على الرغم من عدم مثالية النظام، فقد أنتج نموا اقتصاديا غير مسبوق وسمح بانتشار الديمقراطية.

الواقع أن مثل هذه المناظرات من غير المرجح أن تخلف تأثيرا كبيرا على الرئيس دونالد ترامب، الذي أعلن في خطاب تنصيبه: "من الآن فصاعدا ستكون أميركا فقط أولا، أميركا أولا... سوف نسعى إلى الصداقة والنوايا الحسنة مع أمم العالَم، لكننا نفعل هذا استنادا إلى فهم مفاده أن من حق كل الدول أن تضع مصالحها أولا".

لكن ترامب لم يقف عند ذلك الحد، بل أضاف: "نحن لا نسعى إلى فرض أسلوب حياتنا على أي شخص، بل نرغب في جعله مثالا لامعا يُقتدى به". وكان محقا، فبوسعنا أن نطلق على هذا النهج وصف تقليد "المدينة على التل"، وهذا يرجع إلى أصل بعيد. وهو ليس بنزعة انعزالية محضة، لكنه يتجنب النشاط في ملاحقة القيم، بل يُنظَر من خلاله إلى القوة الأميركية على أنها تستند إلى "ركيزة الإلهام" وليس "عِماد العمل". على سبيل المثال، أعلن وزير الخارجية جون كوينسي آدمز في يوم الاستقلال في عام 1821 أن الولايات المتحدة "لا تذهب إلى الخارج في البحث عن وحوش تدمرها، بل إنها تتمنى الخير للجميع في هيئة الحرية والاستقلال، إنها نصيرة وحافظة نفسها فقط".

غير أن قوة الإلهام الناعمة ليست التقليد الأخلاقي الوحيد في السياسة الخارجية الأميركية، فهناك أيضا تقاليد التدخل والمشاركة في الحملات، وكان خطاب آدمز أشبه بمحاولة لدرء الضغوط السياسية عن أولئك الذين يريدون تدخل الولايات المتحدة نيابة عن الوطنيين اليونانيين الذين يثورون ضد القمع العثماني.

وقد ساد هذا التقليد في القرن العشرين، عندما سعى وودرو ويلسون وراء سياسة خارجية تجعل العالَم مكانا آمنا للديمقراطية. وفي منتصف القرن، دعا جون ف. كينيدي الأميركيين إلى جعل العالَم مكانا أكثر أمانا للتنوع، لكنه أيضا أرسل 17 ألف مستشار عسكري أميركي إلى فيتنام. ومنذ نهاية الحرب الباردة، تورطت الولايات المتحدة في سبع حروب والعديد من التدخلات العسكرية، وفي عام 2006، بعد غزو العراق، أصدر جورج دبليو بوش استراتيجية أمنية وطنية كانت تقريبا عكس استراتيجية ترامب، فروجت للحرية ومجتمع عالمي من الديمقراطيات.

يرى الأميركيون غالبا أن بلادهم استثنائية، ومؤخرا، وصف الرئيس باراك أوباما نفسه بأنه نصير قوي للاستثنائية الأميركية، وهناك أسباب تحليلية سليمة تدعم الاعتقاد بأنه إذا امتنع الاقتصاد الأكبر على الإطلاق عن حمل لواء المبادرة في توفير المنافع العامة العالمية، فإن الإنتاج من مثل هذه المنافع ــ التي يمكن أن يستفيد منها الجميع ــ سوف يظل منقوصا، وهذا هو أحد مصادر الاستثنائية الأميركية.

الواقع أن الحجم الاقتصادي يجعل الولايات المتحدة مختلفة، لكن محللين من أمثال دانييل هـ. ديودني من جامعة جونز هوبكنز وجيفري دبليو مايزر من جامعة بورتلاند يزعمون أن السبب الرئيسي وراء اعتبار الولايات المتحدة على نطاق واسع دولة استثنائية هو طابعها الليبرالي ورؤيتها الأيديولوجية لطريقة للحياة تتمحور حول الحرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

بطبيعة الحال، منذ البداية لم تكن الإيديولوجية الليبرالية الأميركية خالية من التناقضات الداخلية، مع تكريس العبودية في دستورها، وكان الأميركيون مختلفين دوما حول كيفية تعزيز القيم الليبرالية في السياسة الخارجية. وعلى حد تعبير ديودني ومايزر: "من منظور بعض الأميركيين، وخاصة المحافظين الجدد، الذين أسكرتهم فكرة القوة والاستقامة، تمثل الاستثنائية الأميركية الضوء الأخضر، والمبرر الشرعي، والعذر الصالح لكل الأغراض لتجاهل القانون الدولي والرأي العام العالمي، وغزو دول أخرى وفرض الحكومات... ومن منظور آخرين، تمثل الاستثنائية الأميركية رمزا للطموح الدولي الليبرالي إلى عالَم جُعِل حرا وسلميا ليس من خلال التأكيد على القوة والنفوذ بلا ضابط أو رابط، بل من خلال إقامة نظام من القانون الدولي والتنظيم الذي يحمي الحرية في الداخل من خلال ترويض الفوضى الدولية".

في القرن التاسع عشر، كانت الولايات المتحدة، المحمية بمحيطين والتي يحدها جيران أضعف، تركز إلى حد كبير على التوسع باتجاه الغرب، وقد حاولت تجنب التورط في صراعات القوة التي كانت جارية في أوروبا آنذاك. وخلافا لذلك، كما حذر آدمز، فإنها "ما كانت لتشع بنور الحرية والاستقلال؛ بل كانت لتستبدل بإكليل إمبريالي، يلمع في بريق كاذب بشعاع ضبابي من الهيمنة والقوة".

ولكن بحلول القرن العشرين، حلت أميركا محل بريطانيا كصاحبة أكبر اقتصاد في العالَم، وكان تدخلها في الحرب العالمية الثانية سببا في قلب توازن القوى، ومع ذلك، كان العديد من الأميركيين بحلول ثلاثينيات القرن العشرين يعتقدون أن التدخل في أوروبا كان خطأً كبيرا، فاعتنقوا الانعزالية. وبعد الحرب العالمية الثانية، استخلص الرئيسان فرانكلين روزفلت وهاري ترومان ــ وغيرهما في مختلف أنحاء العالَم ــ درسا مفاده أن الولايات المتحدة لا تملك ترف التحول إلى الداخل مرة أخرى.

ومعا، أنشأوا نظاما للتحالفات الأمنية، والمؤسسات المتعددة الأطراف، والسياسات الاقتصادية المفتوحة نسبيا، والتي شكلت ما يسمى باكس أميريكانا أو "النظام الدولي الليبرالي". أيا كان المسمى الذي تود إطلاقه على هذه الترتيبات، فعلى مدار سبعين عاما كانت السياسة الخارجية الأميركية تدافع عنها. واليوم، أصبحت موضع شك بسبب صعود قوى مثل الصين وموجة جديدة من الشعبوية داخل ديمقراطيات العالَم، والتي استغلها ترامب في عام 2016، عندما أصبح أول مرشح لحزب سياسي أميركي كبير يشكك في النظام الدولي لفترة ما بعد 1945.

السؤال الذي ينتظر الرئيس القادم بعد ترامب هو ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على التعامل بنجاح مع الجانبين المكونين لدورها الاستثنائي. فهل يتمكن الرئيس المقبل من الترويج للقيم الديمقراطية دون تدخل وحملات عسكرية، وفي الوقت نفسه يتولى مركزا قياديا غير مهيمن في إنشاء وصيانة المؤسسات اللازمة لعالَم قوامه الاعتماد المتبادل؟

* جوزيف س. ناي أستاذ في جامعة هارفارد، وهو مؤلف كتاب "هل انتهى القرن الأميركي؟" ـ

"بروجيكت سنديكيت، 2018" بالاتفاق مع "الجريدة"