مستقبل التعليم الجامعي في دولة الكويت (5)

  • 12-09-2018

عند بداية الكتابة حول مستقبل التعليم الجامعي في دولة الكويت أحببت مشاركة الإخوة والأخوات من الباحثين والأكاديميين المهتمين بالشأن التعليمي، حيث كانت المشاركات إيجابية، وفيها إشارات لطيفة لامست الواقع الذي نعيشه، وكان من أبرزها سيطرة القرار الحكومي على القرارات ذات العلاقة بالشأن الأكاديمي والوظيفي، والتدخلات في تعيينات المناصب القيادية والأقسام العلمية التي تخضع للاعتبارات الاجتماعية والمحاصصة الطائفية، مع غياب تام لمعايير المفاضلة عند الاختيار، والشواهد والدلالات على ذلك كثيرة.

ومن الملاحظات المهمة، في نفس السياق، أن هذا الأمر شمل وظيفة وزير التربية والتعليم العالي وقيادات التعليم، والتي بالعادة تنقصها الخبرة المهنية والأكاديمية والعلمية والتدرج الوظيفي، فضلاً عن عدم استقرار تلك المناصب وتغييرها بحسب المزاج السياسي، بدلاً من المحاسبة على الإنجاز والعطاء.

أيضاً تناول الزملاء قضية غياب الخطط والبرامج والأهداف التنافسية المرجوة من المؤسسات التعليمية الجامعية، والحديث هنا ذو شجون ومتعدد، حيث تراجُع مؤشرات التصنيف العالمي لجامعة الكويت، وظهور خجول، إن وُجِد، لكليات "التطبيقي" والجامعات الخاصة، فضلاً عن عدم رضا سوق العمل بقطاعيه الحكومي والأهلي عن مخرجات التعليم.

وفي نفس السياق يأتي انتشار ظاهرة لجوء الطلبة للدراسة بالخارج في جامعات ضعيفة، تقدم تسهيلات لا تمت إلى التعليم بصلة، وفي دول متعددة، ودخولهم في تخصصات قد تَشبَّع منها سوق العمل بسبب الكوادر، مما جعل من الشهادة هدفاً مادياً أكثر منه قيمة معرفية وعلمية لصاحبها، والمتسبب في ذلك ودون تحامل وزارة التعليم العالي وديوان الخدمة المدنية الغائبان والشاهدان على ما وصل إليه الحال من تكدس وظيفي ورداءة شهادات ستظل الكويت تعانيها سنوات طويلة.

التغير لن يكون سهلاً مع التردد في القرارات التنظيمية من قبل القيادات التعليمية وغياب التشريعات والقوانين ذات الصلة بشأن التعليم الجامعي، والممانعة من داخل الجسد التعليمي، كما هو حاصل في قضية فصل التعليم التطبيقي عن التدريب خوفاً من فقدان بعض الميزات المادية دون مراعاة المكتسبات العلمية والأكاديمية التي ستعود بالنفع على الطالب وعلى جودة التعليم. وهنا أود أن أوجه سؤالاً عاماً لمن لديه إجابة: هل هناك مؤسسة تعليمية، على مستوى العالم، تجمع تحت إدارتها معاهد تدريبية ومهنية وكليات تطبيقية تمنح هذا الكم من الشهادات التي تبدأ من دورة تدريبية ومهنية خاصة لحاملي الشهادة المتوسطة، مروراً بشهادة الدبلوم والبكالوريوس والدبلوم العالي؟

ولأختصر الوقت على السادة القراء، أود أن أبين حقيقة بحثت حولها فلم أجد لوضع "التطبيقي" حالة شبيهة في أي من الدول الرائدة في التعليم، سوى أن مؤسسات التدريب إما أن تكون قائمة بذاتها أو تكون وحدات صغيرة تتبع الكليات والجامعات، حيث تقدم برامج التدريب كنوع من الخدمة المجتمعية. لقد سبق أن بينت، في أكثر من مناسبة، أن قانون فصل "التطبيقي" عن التدريب يجب الإسراع في تطبيقه لتدارك الوضع الحالي، ولتمكين كلا القطاعين من النهوض بأهدافهما مع تأكيد ضمان حقوق العاملين.

على مر التاريخ لم تقم حضارة إلا والتعليم أحد أهم مقوماتها، واليوم لن تجد دولة متحضرة لها وزن بين الأمم إلا والتعليم يحظى باهتمامها، والقضية حلقة تبدأ فصولها مع رياض الأطفال، ولا تنتهي عند زمن، حيث التعليم مرتبط بكل مفاصل الحياة، ومن هذا المنطلق جاءت الدعوة إلى تطوير التعليم الجامعي الرافد والمحور الأهم في رؤية دولة الكويت 30-35.

لست من المتشائمين وأرى في الكويت رجالاً كثراً تحركوا ومازالوا يعملون على تطوير التعليم، فاليوم على الأقل لدينا حكومة اعترفت بتراجع مؤشرات التعليم ووضعت ضمن برنامجها أولوية إنشاء أكثر من جامعة حكومية، وهناك مجتمع واعٍ دائماً يضع التعليم ضمن أهم الأولويات التي يجب أن تهتم بها الحكومة.

أخيراً أشكر كل من تفاعل معي في هذه الموضوع المهم بتسليط الضوء على مستقبل التعليم الجامعي من الزملاء والمهتمين والإعلاميين والصحف والمواقع الإلكترونية سائلاً المولى عز وجل أن يحفظ الكويت تحت راية سمو الأمير، وسمو ولي العهد، حفظهما الله ورعاهما.

ودمتم سالمين.