الهجران المؤلم... كيف تعالج جروحك؟

  • 10-09-2018

أتناول الإساءة النرجسية غالباً، وأحد الأمور التي لاحظتها أنها تتسبب بجرح «الهجران» للضحية. يعتقد الناس أن الإساءة تشمل نوعاً من التعنيف اللفظي أو الجسدي؛ غير أن كثيراً من ضحايا لم يصرخ أحد في وجههم. يعاني بعضهم ببساطةٍ النبذ والتجاهل، ولا يعالج كثير من الاختصاصيين الجروح الناتجة عن الرفض أو الهجران.

ينتج الهجران النفسي عن تخلي بعض الأشخاص المهمين بالنسبة إليك عنك، أو نبذك، أو عدم تقديرك، أو عدم الانتباه إليك. يلحق هذا النوع من الجرح غير المرئي أذى كبيراً بالمتلقي. في الواقع، مصطلح «متلقٍ» ساخرٌ بعض الشيء لأن الأخير في هذه الحالة لا يتلقى أي أمر نافع.

يشكِّل عدم تلقي أي شيء من الشخص الذي تحب نوعاً من الهجران النفسي الذي يؤثر مباشرة فيك. لا يظهر هذا النوع لأحدٍ ويتجاهله كثيرون ضمن الأمور المتعلقة بالتعرض للإساءة، ويشعر الضحايا بأنهم فارغون وغير مرئيين.

ربما لا يفهم ضحايا الإساءة الظاهرة أساساً شعور أن تكون غير مرئي لأنهم يتمنون غالباً الاختباء على أن يكونوا غير مرئيين. غير أن السعي إلى أن تكون غير مرئي بالنسبة إلى الشخص الآخر تصرّف غير صحيح. من الضروري للأشخاص أن يشعروا بأنهم مهمون للآخرين.

كونك غير مرئي بالنسبة إلى من تحب يسبب لك جرحاً وجودياً يدفعك إلى الشعور بأنك غير مهم، وتبدأ بالتساؤل عما إذا كان يحق لك الوجود في الأصل. وجدت البحوث في هذا المجال أن إحدى الوسائل الأساسية التي تجعل الشخص يشعر بأنه غير مهم حين يشطب من قائمة التواصل. يتجلى ذلك في أشكال عدة كالتخاطب بطريقةٍ مجنونة، أو التشبث بالرأي، أو الجدال الكلامي، أو عدم حل مشكلة معينة، أو عدم الرغبة في حل نزاعٍ، أو التجاهل، أو غيرها.

ينتج «العلاج الصامت»، الذي يعتبر أحد أسلحة النرجسيين وغيرهم من المُسيئين، عن أحاسيس تجاهل قوية يشعر بها المتلقي. يشعر بعض الأشخاص بالجرح العميق نتيجة تعرضهم للعلاجات الصامتة فيلجؤون بالتالي إلى استعمال المواد المُسيئة، أو أدوية مضادة للاكتئاب، أو حتى الانتحار للهروب من الفراغ.

بدوره، ينتج الجرح المترتب عن الهجران من غياب الأهل أحياناً. عندما يختار أحد والديك عدم الحضور في حياتك تكون انعكاسات الأمر عليك كبيرة. ما من تفسيرٍ بسيطٍ يقدمه لنا هنا من تعرض لهجران الأهل.

يحاول البعض تقبل الأمر بطريقةٍ إيجابية متجاهلاً عدم وجود أحد والديه في حياته غير أن الجرح يبقى نفسه، وربما يخلِّف آثاراً تدوم مدى حياة الأبناء.

حلول

لكلٍ شخصٍ طريقته في التعامل مع الأمر. يتظاهر البعض بأنه لا يكترث، فيما يبدأ البعض الآخر بالتشكيك في قيمته الشخصية، ويعيش آخرون حالةً من الغضب الدائم علناً.

ثمة حلٌ واحدٌ للشفاء من أي نوع خسارة: الحزن. إن هجرك أحدهم فترة زمنية معينة أو إلى الأبد، فأنت مجروح. والحل الوحيد لشفائك من الجرح النفسي هو أن تعبِّر عن حزنك.

إليك بعض الخطوات التي يمكن اتباعها للتعبير عن حزنك بسبب الخسارة الناتجة عن الهجران:

• اكتب رسالةً تعترض فيها على هجرانك. عبِّر/ عبِّري لها/ له عن مشاعر الحزن والغضب والصد والحيرة وغيرها. لن يقرأ أحد الرسالة لكنها وسيلة للتعبير عن مشاعرك.

• أكتب رسالةً موجهة إلى أحاسيسك الشخصية. بدلاً من التركيز على من جرحك، عليك التركيز على الأحاسيس نفسها. ركز على مواطن الحزن في جسدك. أرسم صورةً لشعورك. قم بتعريفٍ مبتكر عما تختبره من مشاعر. سامر أحاسيسك.

• لا تقمع مشاعرك، بل إذهب إلى أقصى الدرجات في التعرف إليها. كلما سمحت لنفسك بالشعور بالحزن، كلما كانت عملية شفائك أسرع.

بعدما حددت نقاط حزنك واختبرت بعض الأحاسيس، يمكنك القيام ببعض التمارين التصويرية الأخرى التي تساعدك على الشفاء أيضاً وهي:

• حدِّد الجزء المتألم فيك. يمكن تسميته بـ«الطفل الداخلي المتألم». إن كان مصدر الجرح طفولتك، فهذا الأمر لا يهم لأن الجرح الناتج عن الهجران سيضعك على الأرجح في حالة ذهنية متردية.

• تخيل الآن جزءاً معافى ورحيماً فيك. سيكون فاعلاً في عملية شفائك. على هذا الجزء أن ينقذ نفسك المتألمة عبر توفير الحب والوقت والتعاطف والأمل والدعم.

• حدِّد الآليات المتعاونة لديك، أي الجزء الذي يعوِّض عن الجرح الذي اختبرته نتيجة لهجران محبيك لك. حدِّد الأجزاء التي تحاول الاستجابة إلى الألم بطريقةٍ غير صحية.

• تحدّث إلى ألمك الداخلي وإلى الطفل المهجور في داخلك. ذكّره بقيمته. كُن حاضراً من أجله بطريقةٍ فعلية وملموسة.

في النهاية، مهما كنت متألماً ومتأثراً بجروحك ما زالت الحياة أمامك لتعيشها. حتى وإن كان قلبك يؤلمك بسبب الاشتياق إلى من تحب، ما زال في إمكانك النجاح في حياتك؛ جِد الأمل والحب وعِش بطريقةٍ سليمة. ستفعل ذلك من خلال تكريم أحاسيسك والاعتراف بخسارتك والتحقق من نتائجها، والاستمتاع بحياتك مهما كان الأمر.