شوربة

  • 03-09-2018

مما جاء في مقابلتي مع عمار تقي في برنامجه «مثير للجدل» كان موضوع الخطر الإيراني الذي، في رأيي الذي أوردته في المقابلة، يتم تعظيمه إلى حد مبالغ فيه، حد يتسبب في أضرار عدة أهمها إصابة الشارع بعمى بصيري عن مصدر الخطر الحقيقي في المنطقة، ألا وهو إسرائيل.

ولأن هناك حاجة دائماً لشرح ما لا يحتاج شرحاً «سداً للذرائع» فإنه يستوجب القول بأن تدخلات الدولة الإيرانية في الشؤون الخليجية، سواء بشكل ظاهري أو خفي، هو مما لا يحتمل التشكيك مطلقاً، فإيران، كدولة قوية في المنطقة، ومثلها مثل كل المنظومات السياسية القوية في العالم، تحاول باستمرار فرض سيطرتها بصور إمبريالية مختلفة، فهي تعمل مخابراتها وتدس دسائسها وتعقد عقودها «التحت طاولية» لتحقق مآربها ومصالحها، لا تختلف في ذلك عن أي دولة أخرى كبرى في العالم. المشكلة مع إيران في رأيي تقع في قسمين، الأول هو بلا شك في شيعيتها السياسية والتي قدمتها من البداية على أنها مشروع سياسي توسعي يتهدد جيرانها في المنطقة، وهم جيران لا يخلون من تشككاتهم وحساسيتهم من المذهب أصلاً، والثاني في شيعية أهل الخليج التي تبدو (وهي في الغالب على غير ذلك) سياسية، حيث تظهر أغلبية جيدة من شيعة الخليج خصوصاً العامة منهم وبسذاجة ودون تفهم لعمق الموضوع، اتصالاً روحياً وتعلقاً دينياً ووداً أكبر من مستحب تجاه هذه الدولة الاستشكالية، مما يحولهم في نظر الأغلبية السنية في المنطقة إلى «دسائس» مخيفة ومصادر خطر كتومة لا تظهر حقيقة مشاعرها واتجاه ولائها. يتوق معظم الشارع الشيعي الخليجي إلى الدولة الإيرانية باعتبارها منبعاً للمذهب إلا أنه ليس لدى هذا الشارع أي تصور واقعي لأثر هذا التوق، فهؤلاء الشيعة وكما ورد في مقالات مهمة جداً للمفكر القدير الأستاذ خليل حيدر، مرتبطون مصلحياً ومالياً بدولهم الخليجية وغير قادرين مطلقاً على العيش في المجتمع الإيراني أو الرضوخ لقيوده أو التعامل مع نظام ولاية الفقيه المعمول به فيه. النظرة الشيعية الحالمة للدولة الإيرانية، تبقى كذلك، حالمة وساذجة وعلى درجة كبيرة من الخطورة والتهديد للاستقرار الشيعي في الخليج.

إلا أن كل ذلك لا ينفي مبالغة الطرف السني في التخوف من الدولة الإيرانية وفي تحميلها مشاكلنا كافة، حتى أصبح الموضوع مادة للتندر والفكاهة في الشارع السني بحد ذاته كما في الشارع الشيعي. هذا الخوف المتعاظم الذي تغذيه الحكومات ورجال الدين، خلق وحشاً أكبر من حجمه، أجبرنا ذات يوم على خلق وحش أكبر منه لحمياتنا والمتمثل في شخص صدام حسين، الذي ما إن تضخم بأموالنا ومساعداتنا، حتى التفّ علينا ليلتهمنا. صدام حسين هو صناعة عربية بامتياز، غذاها الخوف من «المد الفارسي» والكراهية تجاه «الرافضة» والقلق من «المشروع الصفوي»، مما جعلنا، وبفلوسنا وصخبنا العربي، ننصب مجرم الحرب ومبيد شعبه بطلاً، والذي أذاقنا طعم طبختنا المرير التي قلبناها بتأن على نار مخاوفنا. فهل تعلمنا الدرس؟

اليوم ننفخ في النار ذاتها، يصرخ الشارع خوفاً من «المشاريع» الرافضية الصفوية الفارسية ذاتها، ليكبر الوحش الإسرائيلي فقط وتمتد أياديه الأخطبوطية لتلتف حول أعناق جيرانها، هذه المرة برضاهم وعلى وعي كامل منهم. تضخيمنا لملف المشروع الإيراني دفع بنا لنسيان القضية الفلسطينية ورفع لقب العدو الأول عن إسرائيل وإسباغه بكل أريحية على إيران، مما حول إسرائيل إلى «مش وايد وحشة» ثم إلى «أمر واقع لابد من التعامل معه»، ثم إلى «والله دولة تثير الإعجاب بتقدمها»، ثم إلى «يمكن أصحاب حق تاريخي ويمكن الفلسطينيين باعوا أراضيهم»، وصولاً إلى سفارات تفتتح وسفراء يرحب بهم، وكتّاب يلمحون ويصرحون في الجرائد، والله العالم ما الذي سيأتي غداً.

طبعاً إيران مصدر خطر، كما هي دول أخرى عظمى وقوية، قريبة وبعيدة، مصدر خطر، لكن المبالغة في تصوير الخطر تدفع للمبالغة في اتخاذ الحذر، والمبالغة في اتخاذ الحذر تدفع للمبالغة في التحبب لعدو العدو، واللي تلسعه الشوربه، ينفخ في الزبادي، وإحنا شادين الحيل نفخاً في الزبادي وتاركين الشوربة تغلي على نار هادئة. نظرة حيادية تخلو من التعصب الطائفي ستوضح الصورة وتوحد الصف وهو المطلوب الآن سواء تجاه الإيرانيين أو تجاه الإسرائيليين.