مئة عام من الفشلة

  • 01-09-2018

ما تقوم به وزارة الإعلام الموقرة، بقيادة وزيرها الهمام متعدد المهام السيد محمد الجبري، من منع محموم للكتب سيخلده التاريخ لأكثر من مئة عام من الآن، في باب الطرائف والنوادر، مثلما خلدت الكتب حكايات جحا وأشعب وغيرهما من الظرفاء والسفهاء، فبجهود معاليه ولا يهون من سبقوه، تحولت الوزارة تدريجياً من جهاز رسمي يفترض أن يهدف للتنوير ونشر الثقافة والفنون إلى أداة حجب وانغلاق، في زمن السماء المفتوحة والفضاء الإلكتروني اللانهائي، وهذه نقطة تاريخية ستسجل لهم، تخليداً لإمكاناتهم وقدراتهم الباهرة على منع المستقبل وتحويل الشيء إلى ضده.

دعونا نتفق أنه في الأساس يجب ألا يمنع أي كتاب كان، حتى الكتب المسيئة لأي ذات ترونها مهمة، ومن يشعر أن وجود هذه الكتب في الكويت قريباً منه سيزعجه فالمشكلة فيه، لا في الكتب، وهو من عليه أن يعالج مشكلته أو أن يبتعد عن أماكن وجود هذه الكتب، لا أن يطالب بمنعها، فالأصل يجب أن يكون دائماً هو الإباحة، ولا أحد يجبر أحداً على أن يقرأ كتاباً لا يريد قراءته، فإذا كنت لا تريد أن تقرأه فلا تمنع الآخرين من ذلك، أما إذا كان مضمون الكتاب يجرح أي شيء فيك، كما تدعي، فإنك غالباً نصاب وترغب في فرض سيطرتك على الآخرين بادعاءات جروح المشاعر المختلفة، فالكتب نفسها موجودة بين يديك؛ في هاتفك، وعلى بعد كبسة زر من عقلك، ولم تقرأها ولم تجرحك، وإلا لكنت قد أحرقت جهازك النقال، مصداقاً لادعاءاتك، أو طالبت بمنع حمله على الأقل، وبالتالي إذا كانت الكتب بما تحويه من كلام وأفكار تزعجك وتضايق شعورك المرهف الحساس، وهي بعيدة عنك هناك على أرففها بالمكتبات، فالأَولى لك هو معالجة ذاتك نفسياً لا المطالبة بمنعها.

يبقى في الواقع شيء آخر، وحتى نُرجع فضل ما وصلنا له من ربيع المنع والتقييد لأهله، ولا نظلم معالي الوزير المنتخب المحلل الوحيد الأوحد المسؤول عن الإعلام والرياضة والحيوانات في البلد، فيجب ألا ننسى دور بعض السادة النشطاء والسياسيين والنواب الأفاضل ممن يطالبون بحريات لا يفهمونها في أحسن الأحوال، أو نصباً واحتيالاً لجمع الأتباع والدهماء، ثم يطالبون بمحاسبة الوزراء واستجوابهم تباعاً، بسبب كتب ومذيعات وأغانٍ، فمعاليه لم يمنع الكتب إلا درءاً للمساءلة والإزعاج لا أكثر، وفقاً للسياسة الكويتية المنادية بضرورة تسكير الأبواب بوجه الريح، فهو يعرف دائرة التناقضات ويلعب عليها بذكاء، ويعلم أن الكثير من المستائين من منع الكتب اليوم هم ذاتهم من جمهور النواب الذين كانوا سيستجوبونه لو سمح بتمريرها، لكنه هو من سيدفع الثمن غالباً، والنائب سيجد قضية أخرى ليقفز عليها والناس تنساه، لذا فعوضاً عن اجترار موسم التحلطم السنوي وانتقاد الوزراء فقط لمنعهم الكتب، فقد يكون من الأجدى للجميع كسر الدائرة المغلقة، ورصد ومحاسبة النواب الذين يهددون وزراء الإعلام المتعاقبين، فيتخذون قرارات المنع انصياعاً لضغوطاتهم، وإلا سنظل نراوح مكاننا. كما يجب ألا يفوتكم كذلك أن معاليه أيضاً عضو بالأساس، فهو سليل صندوق خيطان المبهر، ووراءه انتخابات ولا يريد خسارتها من أجل عيون "ماركيز"، اللي ما يمون له على صوتين فيها.