وجهة نظر : الخليج في قلب دائرة الخطر المحدق

  • 31-08-2018

مع بدء المرحلة الأولى من العقوبات الاقتصادية الأميركية ضد ايران هذا الشهر، ومع اقتراب المرحلة الموسعة منها في نوفمبر المقبل، بات من المؤكد أن الادارة الأميركية عازمة على تصعيد المواجهة الاقتصادية الراهنة مع طهران الى أن تذعن الأخيرة الى الانخراط في جولة مفاوضات جديدة بشأن اعادة صياغة عدد من بنود "اتفاق لوزان النووى".

وكان قد تم التوصل الى اتفاق لوزان الذي يهدف الى ضمان الطابع السلمي للبرنامج النووي الايراني في أبريل 2015 بعد جولات تفاوضية طويلة ومتعثرة استمرت 20 شهرا بين ايران من جانب ودول (مجموعة 5 + 1) أي الولايات المتحدة وروسيا والصين وألمانيا وبريطانيا وفرنسا من جانب آخر. وبمقتضى الاتفاق تقرر البدء برفع العقوبات الاقتصادية الدولية السابقة على ايران.

باستثناء الولايات المتحدة، ترى الأطراف الأخرى، وفق مواقفها المعلنة، أن هناك ضرورة لمواصلة الالتزام ببنود الاتفاق لأن ايران المقيدة بشروط هذا الاتفاق، أفضل من ايران المحاصرة اقتصاديا وغير المقيدة بأية شروط بشأن برنامجها النووي. بينما ترى الادارة الأميركية الحالية في هذا الاتفاق الدولي، الذي تعده ادارة الرئيس الأميركي السابق أوباما واحدا من أبرز انجازاتها، مثالب متعددة.

مآخذ ترامب على الاتفاق

ومن أهم المآخذ التي تسوقها ادارة الرئيس ترامب على الاتفاق، التخفيف التدريجي للقيود التقنية المفروضة على أنشطة ايران النووية اعتبارًا من عام 2025، وضعف آليات الرقابة على تنفيذ الاتفاق عبر عمليات التفتيش على مواقع الأنشطة النووية، اذ تطالب واشنطن بتوسعة نطاق هذه الآليات لتشمل تفتيش مواقع عسكرية ايرانية. كما تنتقد خلو الاتفاق من قيود على أنشطة ايران العسكرية خارج حدودها، وخلوه من اجراءات رادعة تتجاوز العقوبات الاقتصادية في حالة عدم التزام طهران بمضامين الاتفاق.

وتحاول واشنطن اضعاف أوراق الضغط الايرانية من خلال العقوبات المشددة التي من شأنها اجبار مختلف الدول ومؤسساتها الاقتصادية على الالتزام ببرنامج العقوبات الأميركية ضد ايران عبر المفاضلة بين مصالحها الاقتصادية مع الولايات المتحدة ومصالحها في ايران، وعبر التقليل من أهمية خروج النفط الايراني من الأسواق الدولية بسبب الصراع القائم حاليا بين منتجي النفوط على حصصهم السوقية، وبفضل وجود طاقات انتاجية فائضة غير مستغلة لدى كل من السعودية وروسيا، ومن خلال التحذيرات المتواصلة لإيران من تعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز، أهم المضائق الدولية، والذي يمر من خلاله نحو ثلث تجارة النفط والغاز الطبيعي العالمية.

تداعيات العقوبات الاقتصادية

تأثير العقوبات الاقتصادية الأميركية على الاقتصاد الايراني سيكون قاسيا بالتأكيد، ويشكل عزل البرلمان الايراني لوزير الاقتصاد يوم الأحد الماضي واستجواب البرلمان لرئيس الجمهورية يوم الثلاثاء على خلفية الأزمة الاقتصادية وجموح معدلات التضخم وتسارع انهيار سعر صرف العملة الايرانية انعكاسات أولية لهذا التأثير.

وإذا لم تحدث انفراجة مفاجئة في هذه الأزمة، على غرار مفاجأة قبول الرئيس الأميركي لدعوة زعيم كوريا الشمالية للقاء مباشر، فان أوضاع ايران الاقتصادية وربما أوضاع الاقليم مرشحة للمزيد من التأزم. وباستثناء السعودية ودولة الامارات وسلطنة عمان، فإن الكويت والبحرين وقطر تعتمد اعتمادا كليا أو شبه كلي في صادراتها ووارداتها على مضيق هرمز الذي قد يتعرض الى الاقفال، وهذا أمر مكلف بالنسبة لهذه البلدان، حتى وإن كان ذلك الاقفال مؤقتا أو لفترة وجيزة. والاقفال المؤقت قد يكون الأرجح في ظل التوافق الدولي على ضمان حرية الملاحة والتدفق الحر للسلع عبر الممرات المائية الدولية.

ويبدو أن الادارة الأميركية تستبعد حدثا كهذا في ظل التواجد العسكري الأميركي في الخليج، وتراهن على أن تداعيات الضائقة الاقتصادية في ايران، الناتجة عن العقوبات، ستدفع الايرانيين الى النزول الى الشوارع بحثا عن مخرج ما، وأن ذلك قد يجبر ايران في نهاية المطاف على قبول التفاوض على تعديل اتفاق لوزان. ولكن أيا كان مسار الأزمة، فإن الحقيقة هي أن الخليج دولا ونفطا ما زال في قلب دائرة الخطر المحدق.

* أستاذ الاقتصاد بجامعة الكويت