فرح شخصي ناقص!

  • 29-08-2018

الفرح صفة شخصية جدا، كما البصمة. وهذا يرتبط بتكوين الشخص وطفولته وطبيعة علاقته بأمه وأبيه والوضعين الاجتماعي والاقتصادي اللذين تربى فيهما، إضافة إلى ميزاته الشخصية وفكره ووعيه وذكرياته وموقفه من الإنسان ومما يحيط به. ليس من لحظة تشبه أخرى، ولا كإنسان يفرح كما الآخر، ولا فرح كما فرح. فلكل فرح حضور ومذاق ومعنى يختلف من شخص إلى آخر.

في الإسلام هناك فرحتان/عيدان؛ عيد الفطر وعيد الأضحى، وهاتان المناسبتان دينيتان واجتماعيتان بامتياز، تحضران سنوياً بشكل دوري، بعيدا عن الحالة الصحية والنفسية والمادية التي يعيشها الإنسان ككينونة خاصة. تحضران لتحملا إلى الشعوب الإسلامية أياما مختلفة، أيام عيد، أياما يفترض فيها التواصل الاجتماعي، بصفته مبعث بهجة وفرح للنفس الإنسانية، ووصل مع الأهل والأقارب من جهة، ومع الأصدقاء والمعارف والعامة من جهة ثانية. والمؤكد أن هذه الأيام بقدر ما تكون محرك فرح جمعيا، فإنها بالقدر نفسه تمر على كل إنسان وتلامسه وتثير شيئاً من الفرح في نفسه، أو تأخذه لذكريات قد تحزنه.

للقراء الكرام أقول: "عيدكم مبارك وأيامكم سعيدة".

وكما يُقال باللهجة الكويتية: "عساكم من عايد العيد".

فليس أقل من تمنيات قلبية طيبة وصادقة.

في كل عيد، ولا أدري لماذا هو كذلك، يحضر فرح العيد ليضعني في لحظة انتظار وتأمل لمعنى فرح مختلف. فرح يتجاوز المعايدة ولقاء الأحبة وترديد جُمل المعايدة. أهمس بي: هناك فرح آخر تترقبه نفسي وتحلم بالوصول إليه. فاحتفال الإنسان بمناسبة فرح عام يشارك به الأمة شيء، ومعايشته لفرح شخصي يعصف به ويهز قلبه شيء آخر. وكم يصعب معرفة كنه ذاك الفرح الشخصي المنتظر، ليس بالنسبة لي، ولكن بالنسبة لجميع البشر.

البعض يظل لسنين يعتقد أن فرحه يتحقق بلقاء مال، قلَّ أو كَثُر، وحين يتحقق له كسب المال يكتشف أنه لم يحقق فرحه، ويتلفت باحثاً عن فرح مختلف. وهناك من يربط فرحه بالوصول إلى محبوب، وحين يحتضن قربه تسعد روحه، لكنه ينتبه لترقب أفراح أخرى، وقد ينكشف له شأن آخر، ويتيقن أنه لم يكن محقاً في اعتقاده واختياره، وربما هذا واحد من أهم أسباب الطلاق. وثالث يركض ليل نهار، ويضحي بالغالي والرخيص لنيل منصب، وسرعان ما يحترق بنار المنصب، ويكون وبالاً عليه متى وصل إليه. ورابع وخامس وسادس وسابع و.. و.. و.. كلٌ يسير خلف حلمٍ ملوّن يسكن خياله ليل نهار، متصوراً أن فرح حياته سيكون لحظة وصوله وقطفه لذلك الحلم، ويخيب ظنه وينكسر لحظة لقائه بحلمه الموعود.

كأن فرح كل نفس سراب عيش تعتاش عليه وتحيا به. وكأن البشر، كلٌ على حدة، يسيرون وراء حلم فرح يلوّن لحظتهم، ويسير بهم من يوم إلى آخر، ومن موقع إلى ثانٍ، وأظن أنه بذلك تتحقق مقادير الحياة وأقدارها، ونعيش أعمارنا نلامس نتفة فرح تبلل عطش أرواحنا ونركض وراء أخرى.

علمتني الحياة أن الفرح فرحان؛ فرح تحقق حلم كبير نسير إليه، وهذا شيء مشروع ومهم لعيش وهمة الإنسان، وهناك أفراح صغيرة يومية يتوجب علينا تعلم اصطيادها وعيش لحظتها، فهي وحدها تضيف ألقاً لعيشنا، وهي التي ترسم الابتسامة على وجوهنا، وتجعلنا أكثر قدرة على عيش الحياة، للوصول إلى الفرح الحلم الكبير الذي سنبقى نسير نحوه طوال حياتنا.

الفرح شيء شخصي، لكن فيه جانبا عاما، فهناك أناس تفرح أرواحهم لفرح وسرور العامة والوطن، وتخيب وتحزن لانكسار الوطن وحزنه ووجعه. الفرح الشخصي ناقص والوطن يعيش مأساة وحرب ودم وموت، الفرح الشخصي ناقص والآخر يتعذب ويصرخ ويعاني، الفرح ناقص وذاك شأنه الأهم وسيبقى.