الجأ إلى الكتابة في معركتك مع مرض السرطان

  • 29-08-2018

«الأرض، الرياح، السماء، السحب، الصخور

ضميني،

إن شئت.

هذا الجسم ما عاد فتياً

وإن لم يشخ.

من الأرض جئنا،

وإلى الأرض نعود».

عندما كتبت لين سكوزاري عام 2013 الأبيات الأولى في هذه القصيدة، التي تحمل عنوان «التقدمة»، كانت تحدق في صورة امرأة عارية جالسة على صخرة وذراعاها مفتوحتان بالكامل باتجاه وادٍ تحتها. كانت سكوزاري جالسة في غرفة اجتماعات في مركز السرطان في مستشفى سكريبس غرين في لايولا بكاليفورنيا وأمامها طاولة محملة بالقهوة والأنسجة.

قبل سنة، كانت سكوزاري قد أنهت علاج المرحلة الرابعة من سرطان الثدي. وتلتقي اليوم مرضى وناجين آخرين من السرطان يحاولون أيضاً الكتابة عن تجربتهم مع هذا المرض. وتشمل مهمتهم اليوم اختيار صورة بالأبيض والأسود من مجموعة من الصورة معروضة على الطاولة والكتابة عنها.

تخبر سكوزاري، متحدثةً عن مشاعرها عندما انضمت إلى مجموعة الكتابة: «أذكر أنني كنت حذرة جداً لأنني أحسست أنني ضعيفة عقب العلاج. جعلتني تجربة العلاج بأكملها مع التنقل من طبيب إلى آخر والتعرض للوخز والفحص أكثر وعياً للذات وأكثر ميلاً إلى حماية نفسي».

إلا أنها استرخت بسرعة وعثرت على مصدر وحيها. وما زالت تحتفظ بنسخة إلكترونية عن القصيدة التي كتبتها في ذلك اليوم. تقول: «تحدثت إلى الصورة واستطعت أن أعبّر عن شيء في داخلي. ساعدتني المجموعة على الانفتاح».

«تجربة الكتابة»

تنسب سكوزاري الفضل في ذلك إلى منظِّمة المجموعة، شارون براي. تقود براي، وهي امرأة في مطلع سبعينياتها تضع نظارات وشعرها رمادي متماوج، مرضى السرطان والناجين منه في ورش عمل «تجربة الكتابة» منذ أكثر من 15 سنة. كذلك أنشأت برامج كتابة في ثلاث منشآت للرعاية الصحية في كاليفورنيا.

تشارك براي طلابها في شغف الكتابة، فضلاً عن رابط أكثر بشاعة: في عام 2000، علمت أنها تعاني شكلاً أولياً غير غازٍ من سرطان الثدي يُعرف بسرطان القنوات غير الغازي، الذي تظهر معه خلايا شاذة في قنوات الحليب في الثدي.

بعد استمرارها في الكتابة طوال علاجها بالأشعة، تساعد براي اليوم آخرين خلال تجربتهم مع المرض بتنظيمها ورش عمل، كتابتها عموداً، وإدارتها مدونة.

تروي براي عن فترة علاجها بالأشعة: «كنت أطرح أسئلة مثل: ما الاتجاه الذي أريد أن تسلكه حياتي بعد ذلك؟ وأعتقد أن الناس في مجموعات مرضى السرطان، التي أقودها، يسألون أيضاً: ما الشكل الذي ستأخذه حياتي إذا نجوت؟ وما ستكون عليه حياتي إن لم أنجُ؟».

تظن براي أن الكتابة تساعد على التكيّف مع هذه الأسئلة الصعبة.

توضح الدكتورة أدريان هامبتون، بروفسورة مساعدة متخصصة في الطب العائلي وصحة المجتمع في جامعة ويسكونسن، أن الكتابة التعبيرية تقوم على الإفصاح عن المشاعر. وتضيف: «قد تركّز هذه الكتابة على صدمة أو على طموح. وفي كلتا الحالتين، يبقى الأساس أنها تشمل معالجة المشاعر الواعية واللاواعية التي ترتبط بموضوع معين».

حظيت الكتابة التعبيرية باهتمام علماء النفس والأطباء في تسعينيات القرن الماضي، عندما كتب جايمس بينيبايكر، بروفسور متخصص في علم النفس، سلسلة مقالات عن أهمية الإفصاح والكتابة في عملية الشفاء. ومنذ ذلك الحين، أظهرت دراسات تأثير الكتابة الإيجابي في مَن يحاربون المرض.

على سبيل المثال، في دراسة ضمت 107 مرضى يعانون الربو والتهاب المفاصل الرثياني، طُلب من المشاركين الكتابة عن الحدث الأكثر إيلاماً في حياتهم أو عن تجاربهم اليومية. فتبين أن المجموعة التي كتبت عن تجربة مؤلمة واجهت عوارض أقل حدة خلال الأشهر الأربعة التالية.

كذلك لاحظ الباحثون أن الكتابة قد تحد من عوارض متلازمة الأمعاء المتهيّجة، تسرّع شفاء الجراح، وتحسّن فرص العثور على وظيفة جديدة بسرعة بعد التعرض للصرف.

تحديات

بعد تشخيص إصابتها بسرطان الثدي، بدأت براي تقرأ عن أعمال بينيبايكر. تخبر: «تبددت كل الأفكار. لكنني بدأت أفكّر: ‘هذا عملي’. بدا لي ذلك أشبه بدعوة». وهكذا صارت براي تقود برامج مجانية عام 2001 في مؤسسة لا تتوخى الربح في بالو ألتو تُعرف اليوم باسم Bay Area Cancer Connections (روابط السرطان في منطقة الخليج).

في عام 2004، أسست براي أيضاً برنامج كتابة في مركز ستانفورد للسرطان، وتنظّم منذ ذلك الحين برامج في سكريبس غرين ومركز مورس للسرطان في جامعة كاليفورنيا بسان دييغو. كذلك نشرَت كتابَين عن الكتابة والسرطان.

لكن السرطان لم يكن أول تحدٍّ تواجهه براي بالعلاج بالكتابة. في عام 1968، تركت مسقط رأسها في كاليفورنيا وانتقلت إلى كندا لتتظاهر ضد حرب فيتنام وترافق زوجها لاري خلال الدراسات التي كان يُعدها لينال شهادة الدكتوراه. ولكن بعد 13 سنة، غرق أثناء السباحة ذات ليلة وترك براي وحدها مع ابنتيهما الصغيرتين. بدأت عندئذٍ التردد على عيادة معالج نفسي. ونتيجة جلاسات العلاج، صارت تكتب الشعر عن زواجها وموت زوجها.

تذكر براي مازحةً أنها حظيت بالمساعدة لأن المعالج النفسي كان يشبه روبرت رادفورد. لكنها قدّرت كثيراً عادة نمياها: كانت تكتب قصيدة وتقرأها بصوت عالٍ في بداية كل جلسة، وكان المعالج النفسي يقول لها عند نهاية كل قصيدة «شكراً».

شعرت براي أن رده البسيط هذا بناء وراسخ. لذلك تبنته لاحقاً في ورش العمل التي نظمتها.

في عام 1989، بعد ثمانية أعوام من وفاة لاري، تزوجت براي مجدداً وعادت إلى كاليفورنيا مع زوجها الجديد، الذي نشأ أيضاً في هذه الولاية.

بدت الكتابة عملاً طبيعياً بالنسبة إلى براي، التي تتحلى ببعض صفات الكتّاب. فقد حذرتنا في مستهل المقابلة أنها قد «تتحدث بفصاحة إلى ما لا نهاية» عن عملها، وردّت على رسائل إلكترونية مقتضبة بمقاطع سردية طويلة مكتوبة بخط «كاندارا» الأنيق.

لكن براي احتاجت إلى بعض الوقت لتصبح كاتبة بكل معنى الكلمة. فقد تنقلت أولاً في مهن عدة: معلمة في مدرسة ابتدائية، طالبة دكتوراه في علم النفس التعليمي التطبيقي، وموظفة في شركة دولية تنظم عمليات الانتقال بين المهن.

ورش عمل

تضم معظم ورش العمل التي تنظمها براي 10 إلى 12 مشاركاً. وتدوم هذه الورش 10 أسابيع تتخللها جلسات تستمر كل منها ساعتين إلى ثلاث ساعات. يتعرف المشاركون إلى هذه المجموعات بطرق شتى تشمل أبحاثاً على الإنترنت، إحالات الأطباء، ومنشورات توزعها براي في المستشفيات.

يستطيع كل مَن يخضع لعلاج للسرطان المشاركة، فضلاً عن الناجين الذين لم يتلقوا علاجاً طوال خمس سنوات. أما الفئة الوحيدة، التي تفضّل براي عدم مشاركتها، فتضم المرضى الذين شُخصت حالتهم حديثاً لأنهم في تلك المرحلة يرزحون عادةً تحت ثقل قرارات ملحة عليهم اتخاذها، ما يمنعهم من التركيز على مجموعة كتابة.

تستهل براي كل لقاء بتأمل موجّه قصير، يليه تمرين كتابة سريع للتحمية. ثم يغوص المشاركون في جلسة كتابة أطول تستند إلى محفّز ما. بعد ذلك، تدعو براي المتطوعين إلى قراءة ما كتبوه بصوت عالٍ، ثم تختار وجهاً أحبته خصوصاً في عمل كل مشارك لتقول له بعد ذلك «شكراً».

راحة وانفتاح

تستخدم براي مجموعة واسعة من المحفزات: ذكريات الطفولة، ما يريده المريض خصوصاً من الطبيب، وكيف يتعاطى المشاركون مع السرطان لو كان بلداً. في الصفوف الأولى، تستعين براي دوماً بالمحفز ذاته: اكتب عن اللحظة التي عرفت فيها أنك تعاني السرطان.

يذكر توم فريدمان، عامل اجتماعي سريري مجاز في سكريبس يعمل مع براي، أن المشاركين يخبرونه غالباً عن مدى حبهم لبرنامجها.

ويضيف: «لا تشكّل هذه مجرد مجموعة دعم، بل تتبع براي مقرراً كاملاً طورته. ويتطلب تطبيقه درجة عالية من الحساسية والاحتراف».

يكتب بعض المشاركين في ورشة العمل نصوصاً والبعض الآخر قصائد. تخبر براي: «سمعت بعض أجمل القصائد من أناس يحتضرون. وعندما يقرأون أعمالهم بصوت عالٍ، يبكون المجموعة بأكملها».

ينشر عدد من المشاركين أعمالهم، ومن هؤلاء آن إيمرسون التي نشرت إحدى قصائدها في American Poetry Review قبل أسابيع من وفاتها.

تسعى جلسات براي غالباً إلى تحسين خير المشاركين الجسدي والعاطفي. تقول كاثي، مريضة مصابة بسرطان الثدي والمثانة طلبت استخدام اسم مستعار للحفاظ على خصوصيتها الطبية، أنها تنام بشكل أفضل في الليالي التي تلي جلسات الكتابة. وتؤكد سكوزاري أنها شعرت براحة أكبر بعد انفتاحها على الناس وتحدثها عن السرطان، مقارنةً بما كانت تحس به أثناء تلقيها العلاج.

وتشير كاثي وسكوزاري كلتاهما إلى أن أعضاء كل من مجموعتيهما ظلوا على اتصال معهما ومع بعضهم البعض.

في فصل الصيف، انتقلت براي من كاليفورنيا إلى كندا لتظل قريبة من عائلتها. لكن فريدمان يؤكد أن مستشفى سكريبس غرين لم يعثر بعد على بديل ملائم ليقود برنامج الكتابة.

برنامج في تورنتو

تأمل براي أن تنشئ برنامجاً مماثلاً في تورنتو، مساعدةً مجموعات جديدة من المرضى والناجين في استكشاف مشاعرهم عن فصل حياتهم الأكثر صعوبة، الذي يكون أحياناً الأخير أيضاً.

لخّصت آن إيمرسون في الأبيات الافتتاحية من قصيدتها وجهة نظر الكثير من مرضى السرطان القاتمة إنما المليئة بالأمل:

* ناتالي جاسيويتش