السمع والطاعة

  • 25-08-2018

بعد عهود طويلة من السياسات القمعية أصبح العقل العربي معتاداً على الخضوع والطاعة العمياء، وبات يهاب التفكير، فالممنوع المحرم أكثر من «المباح»، والتفكير خارج الصندوق له العديد من العواقب التي قد تكلفه حياته. اجتماعياً، فإن صفتي السمع والطاعة محبوبتان في هذه المجتمعات، في حين تُقرن كلمة «الحرية» بالانحلال والتفسخ، وأي اختلاف في الفكر أو المعتقدات وطريقة الحياة فهو كفيل بطرد صاحبه خارج رحمة السرب أو القطيع! فهو مغضوبٌ عليه إلى أن يقدم تفرده قرباناً لهذه المجتمعات.

كل هذا القمع سبّب تدهوراً كبيراً وتوقفاً تاماً في إنتاجية الفكر العربي، خصوصاً مع استخدام التزمّت الديني كأداة لتخويف الناس من الإبداع والحياة، فتوقفت الحياة عقودا طويلة وتدهورت مراكز الدول العربية في جميع المجالات بدءاً بالتعليم والصحة وحقوق الإنسان وانتهاءً بالرياضة والإنتاج الإبداعي والفني.

كما نلاحظ انتشار نمط «سي السيد» الدكتاتوري في سلم العلاقات الاجتماعية لدى هذه المجتمعات. وينطبق ذلك في شتى أنواع العلاقات الاجتماعية من عائلة وصداقات وعمل، فالكثير يفرضون أنفسهم بالصراخ والصوت وتهديد الآخر وتخويفه، حيث يصبح المقموع قامعاً لمن هم أضعف منه، وتنتهي هذه الدائرة المقيتة بالإساءة إلى الحلقة الأضعف من أطفال وعمالة منزلية وغيرهم ممن لا صوت لهم، بل طالت أيدي الإساءة الحيوان والنبات أيضاً، فلم يسلم منهم شيء! ومازالت المعايير المزدوجة والقيود البالية تلخص حال المرأة في الكثير من الأقطار العربية.

القمع ما هو سوى دليل الخوف من حجة الطرف الآخر، فالقامع يتعمد نشر الجهل ورسم الحدود كي يبقى الطرف الأقوى، والمدهش في الأمر أن العقل العربي أدمن الحدود الضيقة عليه، فأصبح ينفر من الحرية ويمجد الشخصيات الدكتاتورية!

والأسوأ من ذلك أن الأمم العربية لا تقرأ، فهم (العرب) غارقون في الجهل بلا أعذار، حيث إن جميع المعلومات متوافرة على الدوام عبر شبكة الإنترنت. كان أملنا في الشبكة العنكبوتية كبيراً لنشر المعرفة، لكن مقابل حفنة العرب الذين يستخدمونها للفائدة والتعلم هنالك الملايين من «التبّع» الذين يرفضون بذل أي مجهود شخصي للتغيير، حيث إن الغالبية يستخدمون الإنترنت بشكل استهلاكي بعيداً عن أي نوع من العلم والفائدة، وفضحت وسائل التواصل الاجتماعي القبح والجهل وازدواجية المعايير لدى العرب والتي يخلقها العيش تحت خوف مستمر.

في الكويت كنا نعتبر محظوظين حيث سقف حرية الفرد والرأي أعلى من نظيراتها من الدول العربية الأخرى– وما زال الأمر كذلك إلى حدٍ ما- لذا فإن من المؤسف جداً انخفاض هذا السقف في السنوات الأخيرة، ونطمح إلى المزيد من الحقوق والحريات ونشر الوعي والمعرفة، فهي أساس تقدم الشعوب، وإن هذا التدهور مؤشر خطير، فسبب تقدم الكويت الثقافي خليجياً وعربياً في السابق هو هذه الحرية المكفولة بالدستور، لذا يجب ألا يمر أي نوع من التعدي عليها مرور الكرام.

العقل العربي فرضت عليه العديد من القيود والخطوط الحمراء، أما آن لها أن تتلاشى؟