أحدث أبحاث السرطان: «جينات الزومبي» والفِيَلة!

  • 25-08-2018

يموت نحو 17% من الناس بسبب السرطان، ولا يطرح هذا المرض مشكلة على البشر حصراً بل إنه يصيب مجموعة واسعة من الأجناس الأخرى، بدءاً من القطط والكلاب وصولاً إلى الأسماك وشياطين تسمانيا، وحتى الديناصورات ذات منقار البطة.

المثير للاهتمام أن أقل من 5% من الفِيَلة في الأسر تموت بسبب السرطان. إنه استنتاج مفاجئ لأن هذه الحيوانات تعيش بمعدل 70 سنة ويكون عدد الخلايا فيها أعلى بمئة مرة تقريباً.

يرتفع احتمال الإصابة بالسرطان حين تطول الحياة وتزيد الخلايا لأن انقسام الخلية في كل مرة يتزامن مع نسخ حمضها النووي، ما يؤدي إلى زيادة احتمال وقوع الأخطاء. وحين تتراكم تلك الأخطاء على مر الحياة الطويلة، يزيد احتمال نشوء السرطان.

كلما ارتفع عدد الخلايا إذاً، يزيد احتمال الإصابة بالسرطان. يُعتبر طوال القامة مثلاً أكثر عرضة بقليل للسرطان من أقصر الأشخاص، وقد يكون عدد الخلايا الإجمالي في أجسامهم جزءاً من السبب.

ضمن الفصيلة نفسها، يرتبط عدد الخلايا بزيادة خطر السرطان. لكن بين مختلف الأجناس، لا يظهر هذا الرابط. يشير هذا الوضع إلى «مفارقة بيتو» التي سُمّيت تيمناً بعالم الأوبئة المتخصص بالسرطان ريتشارد بيتو الذي وصف هذه المعضلة للمرة الأولى خلال السبعينات.

فهم السبب الذي يجعل الأجناس الأكبر حجماً أكثر قدرة على مقاومة السرطان أمر ضروري ومثير للاهتمام. إذا فهمنا ما يجعل خلايا الفيل تتفوق على الأورام، قد نتمكن من استعمال هذه المعلومة لتقليص احتمال نشوء السرطان لدى البشر.

الحمض النووي

في عام 2015، حقق علماء كانوا يعملون بشكل مستقل في جامعة «شيكاغو» في «إلينوي» وفي جامعة «يوتا» في مدينة «سولت ليك» إنجازاً بارزاً حين فهموا طريقة مقاومة الفيلة للسرطان.

بالنسبة إلى البشر وعدد كبير من الحيوانات الأخرى، تتولى جينة p53 قمع الأورام وترصد أي ضرر لم يتم إصلاحه في الحمض النووي وتتسبب بموت الخلايا. بهذه الطريقة، تُنسَف الخلايا التي تتخذ منحىً عدائياً في مهدها.

حين حلل العلماء جينومات الفِيَلة، اكتشفوا أنها تحمل 20 نسخة من جينة p53 على الأقل. في المقابل يحمل معظم الحيوانات، بما في ذلك البشر، نسخة واحدة منها. تعني النسخ الإضافية لدى الفيلة أن الخلايا التي تحمل حمضاً نووياً شائباً تم رصدها والقضاء عليها بطريقة أسرع وأكثر فاعلية.

أراد فريق بحثي من جامعة «شيكاغو» أن يستفيد من هذا الاكتشاف المفاجئ، فنشر حديثاً دراسة جديدة في مجلة «تقارير الخلايا»، تطرح الجزء الثاني من الأحجية وتستفيض في توضيح ما تفعله الفِيَلة لمنع نشوء السرطان.

وصف المشرفون على الدراسة جينة مضادة للسرطان عادت من الموت. أوضح الباحث الأساسي فنسنت لينش الحائز شهادة دكتوراه، وهو أستاذ مساعِد في علم الوراثة البشري: «تتكاثر الجينات طوال الوقت. لكنها قد ترتكب الأخطاء أحياناً فتنتج نسخاً شائبة تُعرَف بالجينات الكاذبة. غالباً ما نطلق عليها مصطلحاً مبسّطاً ونسمّيها «الجينات الميتة»».

ظهور «جينة الزومبي»

عند تحليل جينة p53 لدى الفِيَلة، اكتشف الباحثون أن الجينة الكاذبة المعروفة باسم «عامل تثبيط اللوكيميا 6» لم تعد جينة كاذبة بل «عادت إلى الحياة»، إذ طوّرت ميزة تضمن إعادة تشغيلها من جديد!

كانت وظيفة عامل تثبيط اللوكيميا 6 المتجددة كفيلة بتوضيح جزء آخر من الأحجية. عند تنشيط ذلك العامل تحت تأثير جينة p53، سيتمكن من التجاوب مع الحمض النووي المتضرر من خلال مهاجمة الخلية والقضاء عليها. تحصل هذه العملية عبر إنتاج بروتين من شأنه أن يثقب أغشية المتقدرات، ما يسمح بتدمير إمدادات الطاقة الخاصة بالخلية والقضاء عليها سريعاً.

يقول لينش: «عادت هذه الجينة الميتة إلى الحياة. إنها ظاهرة مفيدة لأنها تحدث رداً على الأخطاء الوراثية والاختلالات التي تحصل في خضم إصلاح الحمض النووي. يمكن تجنب السرطان في المرحلة اللاحقة من خلال التخلص من تلك الخلية إذاً».

يبدو أن «جينة الزومبي» هذه تساعد الفيلة على التهرب من السرطان منذ فترة طويلة تتراوح بين 25 و30 مليون سنة! قال لينش: «يمكن أن نستعمل بعض الحِيَل التطورية لمحاولة اكتشاف التوقيت الذي استرجعت فيه هذه الجينة الشائبة فاعليتها».

افترض الباحثون أن عامل تثبيط اللوكيميا 6 استعاد نشاطه في الوقت الذي بدأ فيه أقارب الفِيَلة البعيدون الذين كانوا بحجم جرذ الأرض ينمون في القامة. ربما ساعد هذا النوع من الطفرات الجينية الفِيَلة على التطور والتحول إلى كائنات البيهموث الراهنة.

يوضح خوان مانويل فاسكيز الذي شارك بدوره في الإشراف على الدراسة: «يبدو أن الحيوانات الضخمة التي عاشت عمراً مديداً طوّرت آليات متينة لقمع الخلايا السرطانية أو التخلص منها كي تتمكن من العيش لفترات طويلة ومن بلوغ أحجامها الهائلة في سن الرشد».

إنها نتائج مثيرة للاهتمام كونها لا تطرح رؤية جديدة حول السرطان فحسب بل تقدم لمحة عن مسار تطور الفِيَلة أيضاً. في المرحلة المقبلة، يخطط فريق البحث لتحليل عامل تثبيط اللوكيميا 6 مع التركيز بشكل خاص على ما يفعله لإطلاق عملية موت الخلايا المبرمج.