د. عايد الجريِّد... والنادي الأدبي الكويتي 1924... (11- 12)

  • 16-08-2018

ظهر النادي الأدبي الكويتي عام 1924 في مرحلة من الصراع والنزاع بين الدول العربية وبريطانيا، وبخاصة في مصر التي كانت بقية الدول والمناطق العربية والإسلامية تتابع أخبارها باهتمام بالغ، من خلال صحافتها التي تتابعها وتطالعها النخبة المثقفة في الكويت وغيرها.

وكانت بريطانيا العظمى أو إنكلترا قبل الحرب العالمية الأولى أقوى دول أوروبا وأبرز القوى العالمية وأعظم الإمبراطوريات، واستطاع التحالف الإنكليزي الفرنسي إنزال الهزيمة بالدولة العثمانية واحتلال العراق في نهاية تلك الحرب. وكان عام 1924، سنة تأسيس النادي الأدبي في الكويت، السنة نفسها التي شهدت إلغاء الخلافة العثمانية بعد أن ألغيت السلطنة عام 1923، وقيام الجمهورية التركية بعاصمتها الجديدة «أنقرة» بزعامة مصطفى كمال أتاتورك.

وفي المنطقة الخليجية والكويت تميزت العلاقة مع بريطانيا بطبيعة مختلفة بعكس العراق ومصر وفلسطين واليمن، إذ اقتصرت على رعاية المصالح البريطانية مقابل الحماية السياسية والعسكرية، غير أن النخبة السياسية والثقافية الكويتية كانت في فكرها ومواقفها امتدادا للميول القومية والدينية المعادية للغرب، والتي ظلت سائدة في العالمين العربي والإسلامي على نطاق واسع وربما لا تزال، وقد وجدت هذه المواقف أصداءها القوية في الشعر الخليجي والكويتي وعموم الثقافة، ربما إلى عام 1990، حيث جرت بعده تحولات بالغة الأهمية في توجهات الأدب والثقافة في الكويت.

كان أعضاء «النادي الأدبي الكويتي» المتأثرين بحزب «الوفد»، يقول د. عايد الجريِّد، «يرون أن رسالة الوفد هي الوحيدة التي تلائم الأمة في حربها ضد المستعمر وقتئذ، ومن الواضح أن اندفاع وإعجاب بعض الأعضاء بحزب الوفد، كان من دافع وطني يريد التخلص من الهيمنة البريطانية».

ولكن «الهيمنة البريطانية» و»الوجود البريطاني العسكري» لم يكونا جزءا من المشهد الكويتي اليومي المعاش والملموس من قبل عامة الناس والنخبة المثقفة، كما كانت عليه الحال في الدول العربية الأخرى، فمن كان «يغذي» هذا العداء؟ ولماذا كان تيار التعاطف مع الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى وما قبلها بهذه القوة في زمن الشيخ مبارك الصباح؟

ربما كان أبرز الأسباب أن التعاطف مع العثمانيين كان أقوى ما يكون في مصر والكويت الدولتين اللتين لم تعرفا الوجود والاحتلال العثماني خلال هذه الفترة، فمصر كانت مستقلة تقريبا تحت نفوذ أسرة محمد علي باشا، والكويت، كما يبين د. خليفة الوقيان، «لم تخضع للحكم العثماني، ولم تعان ما عانته الشعوب الأخرى التي وقعت تحت سلطانهم، بل لقد كان لها استقلالها وعلاقاتها بالقوى الكبرى في المنطقة منذ عهد الشيخ صباح الأول، فضلاً عن تأثر الكويتيين بآراء بعض المصلحين المناصرين للدولة العثمانية الذين يزورون الكويت، بين حين وآخر، مثل الشيخ محمد الشنقيطي والشيخ حافظ وهبة».

(الثقافة في الكويت 2010، ص270).

ولم تكن نظرة الدول والأقاليم العربية إلى الوجود العثماني واحدة، ففي بلاد الشام سورية ولبنان خاصة كره الكثيرون مسلمين ومسيحيين سياسة «التتريك» وقبلها جمود الإدارة العثمانية، وفي العراق كان للنفور من العثمانيين أسباب طائفية وسياسية، في حين كانت الميول العثمانية قوية جدا في مصر بسبب الصراع مع الاحتلال الإنكليزي وهزيمة عرابي، وفساد النظام السياسي المدعوم من قبل الإنكليز.

وكان لبعض المثقفين العرب موقف وسطي من الإنكليز، فمثلا يقول الأديب والكاتب السوري محمد كرد علي (1876- 1953) في مذكراته «إني مازلت أعجب بالإنكليز فرادى، ولا أرتضيهم جماعات، تروقني إدارتهم، ولا تعجبني سياستهم». ويرى أن «الاستعمار الإنكليزي أخف أنواع الاستعمار.

(المذكرات، ج1، ص129).

وكان «كرد علي» كما هو معروف رئيس المجمع العربي بدمشق، ومؤسسه سنة 1919، وأحد كبار الكتّاب، أصله من أكراد السليمانية بالعراق، مولده ووفاته في دمشق، وقد أدى دوراً مهماً في إصدار الصحف والمجلات والمؤلفات التاريخية، ويقول عنه «الزركلي» صاحب «الأعلام» إن كرد علي «كان ينحو في كثير مما يكتبه منحى ابن خلدون في مقدمته»، غير أنه يضيف في مكان آخر، كتب بعض مؤلفاته وقد تقدمت به السن «فلم تخل من اضطراب في أحكامه على الناس والحوادث».

ويبدو مما يكتبه د. الوقيان في كتابه عن الثقافة في الكويت أن العداء أو النفور المحلي ضد الإنكليز في الكويت كان كذلك امتداداً لنشاط القوى المعادية للشيخ مبارك الصباح ومجمل سياساته التي كانت تسير في «الاتجاه الديمقراطي».

وكان أتباع هذا التيار، يقول د. الوقيان، قد «أخذوا على عاتقهم مهمة تصحيح الأوضاع المغلوطة لتتسق مع قناعاتهم بنبذ التسلط، وكانت نظرة الكويتيين إلى بريطانيا مشوبة بالريبة، إذ كانوا يتابعون نضال شعوب المنطقة العربية وغيرها ضد الاستعمار البريطاني، ويضاف إلى ذلك أن الدولة العثمانية تمثل في نظرهم السلطة الإسلامية التي لا ينبغي الاتفاق مع الإنكليز ضدها».

ويقول الوقيان إن من مظاهر المعارضة لسياسة الشيخ مبارك كانت «هجرة بعض المثقفين والسياسيين والمواطنين المرتبطين بالشيخين محمد وجراح، والمؤيدين للدولة العثمانية والمعارضين للسياسة البريطانية، وبخاصة بعد توقيع اتفاقية 1899 والمجاهرة بذم الإنكليز ومدح الألمان، واتجاههم للكتابة في الصحف العربية حول ما عدوه دسائس الإنكليز في بلادهم. وقد نشرت جريدة (اللواء) لصاحبها مصطفى كامل نماذج من تلك الكتابات في أعدادها الصادرة عام 1901». (ص271).

كان تعاطف الكويتيين في النادي الأدبي وغيره مع حزب الوفد نابعا من معاداة السياسة البريطانية في تحليل د.الجريِّد، «ولم يكن نتيجة اقتناعهم بفكر الحزب».

كانت أفكار حزب الوفد آنذاك قيد التشكل والتطور تحت تأثير احتكاك مصر بالغرب، وكانت مادته الأساسية أفكار الشيخ محمد عبده والطهطاوي وقاسم أمين ومصطفى كامل وغيرهما، ولم يكن من السهل المصارحة ببعضها في المجتمع الكويتي الخاضع للمؤثرات التقليدية والموروثة، كما أن فكر الحزب نفسه لم يكن ناضجا داخل مصر نفسها في قضايا الثقافة والمسائل الاجتماعية وغيرها.

يدرس المفكر المصري رفعت السعيد في كتابه «الليبرالية المصرية» 2007، ويقول عن سياسة سعد زغلول مؤسس حزب الوفد إنها كانت نصف ليبرالية، وسياسة خليفته مصطفى النحاس «ليبرالية تحاول أن تكتمل»، ولم يكن فكر سعد زغلول خاليا من التناقضات، فمثلا شكل سعد وزارته بعد انتخابات يناير 1924، «ليكرس زعامة سياسية وليبرالية في آن واحد»، ودافع بقوة عن الحريات والوحدة الوطنية، وعندما شكل وزارته من ثمانية وزراء اقترح أن يكون ثلاثة منهم من المسيحيين، أحدهم وزير للحقانية، أي العدل.

ويضيف د. السعيد: «وقد قاوم الملك بشدة أن يكون للمسيحيين ثلاثة وزراء من ثمانية، قائلا إن هذا خروج عن النسبة المتعارف عليها، وهي وزير مسيحي واحد، ورد سعد أن رصاص الإنكليزي إبان الثورة لم يفرق بين مسلم ومسيحي، ولم يحسب حساب النسبة، لكن الملك استطاع أن يمنع تعيين مسيحي وزيرا للحقانية، حيث هناك محاكم شرعية».

ويضيف د.السعيد: «كذلك أكد سعد ليبراليته بموقف حازم إزاء المرأة، وبالإضافة إلى دعوته لخلع المرأة للحجاب، قال في كلمة لوفد من طلبة مدرسة الحقوق الفرنسية إنني من أنصار تحرير المرأة، ومن المقتنعين به لأنه بغير هذا التحرير لا نستطيع بلوغ غايتنا، ويقيني هذا ليس وليد اليوم بل هو قديم العهد، فقد شاركت منذ أمد بعيد صديقي المرحوم قاسم بك أمين في أفكاره التي ضمنها في كتابه الذي أهداه إليّ (كتاب المرأة الجديدة) فضلا عن أن الدور الذي قامت به المرأة المصرية في حركتنا الوطنية كان عظيما ونافعا». (ص 233).

غير أن سعد زغلول من جانب آخر، كما يقول د.السعيد، «كان معروفا بأنه صلب الرأي ونادرا ما يتراجع عن رأي ارتآه، ولقد يكون هذا مفيدا في مواجهة أعداء الوطن، لكنه ينقص كثيرا من ليبراليته إذا ما تعامل مع مواطنيه».

ويضيف د.السعيد عن تصلب سعد زغلول: «لم يكن سعد يسمح بأي رأي آخر غير رأي الوفد أو لنقل غير رأيه هو، وبرغم ما حازه من زعامة مهيبة فإنه كان يرفض منح أية فرصة أو أي متنفس للآخرين أيا كانوا». (ص236).

ويلاحظ د.السعيد على تطور الفكر في مصر «أن آباء الليبرالية المصرية باستثناء رفاعة الطهطاوي نظروا إلى معركة الليبرالية نظرة جزئية، أحدهم اختار معركة العقل تاركا بقية التطلعات الليبرالية المصرية، بل ربما اتخذ منها موقفا سلبيا والبعض اكتفى بالدعوة للعلم، والبعض سارح في القدمين على شوك معركة الداروينية، أو معركة الشك الديكارتي، أو حتى تكوين الأحزاب، أو معركة الوحدة الوطنية أو تحرير المرأة أو... أو... إلخ. دون أن يدرك أن الليبرالية هي رؤية متكاملة».

(ص270).

ومن الأمثلة التي يوردها د.السعيد موقف سعد ضد طه حسين وضد علي عبدالرازق، ورفض شبلي شميل حق المرأة في المساواة، والمعركة بين محمد عبده وفرح أنطون، ويضيف شارحا: (عندما تظاهر الطلاب الأزهريون مطالبين بإحراق كتاب «في الشعر الجاهلي»، وطرد طه حسين من الجامعة ومحاكمته، خطب فيهم سعد واصفاً طه حسين بأنه مجنون، وقال «هبوا مجنونا يهرف القول»).

وكان موقف سعد زغلول أشد عداء إزاء كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، ويقول د. السعيد: (عندما أصدر الشيخ علي عبدالرازق كتابه «الإسلام وأصول الحكم» وقررت هيئة كبار العلماء إرضاء للملك فؤاد نزع شهادة العالمية منه وطرده من كل وظيفة لعدم أهليته للقيام بأية وظيفة دينية أو مدنية صب سعد زغلول المزيد من الزيت على النار، وأسهم في حملة تكفير الشيخ علي عبدالرازق قائلا: «قرأت كثيرا للمستشرقين ولسواهم فما وجدت من طعن منهم في الإسلام بحدة كهذه الحدة في التعبير على نحو ما كتب الشيخ علي عبدالرازق، لقد عرفت أنه جاهل بقواعد دينه بل البسيط من نظريته»). (ص238).

ونصل مع نهاية كتاب د.عايد الجريِّد إلى مصير النادي الأدبي في الكويت في مقال قادم نختتم به هذه المداخلات.