لا تهدروا المال العام في غرف مغلقة

  • 13-04-2018

لا ندري إلى متى نبقى هكذا لا نتعلم من التاريخ شيئاً، ولا من دروس وتجارب الأزمات والمحن، صغيرة كانت أو كبيرة!

فنحن الآن أمام أزمة جديدة محورها مشروع التقاعد المبكر... إذ لا يريد بعض الساسة- نواباً للأمة أو مسؤولين في الحكومة- فَهْم حقيقة أن أموال "التأمينات" ليست ملكاً تتصرف فيه الحكومة والنواب كما يريدون... إنها في بداية الأمر ونهايته ملك للمشتركين في نظام التأمينات.

فعندما أنشئت مؤسسة التأمينات كان الهدف الأول والأخير منها هو ضمان مستقبل آمن للموظفين، وتأمين حياة كريمة لهم بعد التقاعد، من خلال استقطاعات شهرية من الموظف ورب العمل تستثمرها المؤسسة في مشاريع ربحية مستقرة في داخل البلاد وخارجها لتتمكن بعد ذلك من دفع معاشاتهم التقاعدية.

أما الآن، فنحن على موعد مع كارثة قادمة، فمشروع التقاعد المبكر المقترح من جانب بعض النواب، له كلفة مالية كبيرة ستتحملها الحكومة، التي هي أساساً مدينة للتأمينات بعشرة مليارات دينار، وعليها، إذا ما أقر المشروع، أن تدفع للمؤسسة مبالغ تتراوح بين مليارين وثلاثة مليارات إضافية، وفقاً للدراسات الفنية المقدمة! بعبارة أخرى، عليها أن تراكم مزيداً من الديون في الوقت الذي تعجز عن سداد ما عليها.

فهل يدرك النواب ومؤيدو المشروع أنه سيكون عبئاً على المال العام وخزينة الدولة، التي بدأ العجز ينخر في عظامها لأسباب، أهمها استنزاف إيراداتها بلا حاجة وضرورة، بل لترضيات شعبوية وسياسية... ولتخبط حكومي ونيابي.

المشكلة الحقيقية هي أن النواب وبعض المتكسبين سياسياً لا يريدون الأخذ بالجوانب الفنية والرأي الاقتصادي والمالي وما قُدم من دراسات مالية واقتصادية في احتساب سلبيات المشروع وكلفته الحالية والمستقبلية.

نحن نفهم - وإن كنا لا نقدّر- إصرار بعض النواب على هذا المشروع لأهداف شعبوية وانتخابية، لكن العبء يقع على عاتق الحكومة التي عليها أن تتحمل المسؤولية الأولى والأخيرة في الخضوع لضغوطهم وتلبية أهدافهم، على حساب إيرادات الدولة وماليتها... ولا يجوز تمرير مشاريع شعبوية في إطار صفقات سياسية لمصلحة أجندات النواب، فمسؤولية الحكومة هي صيانة المال العام والمحافظة عليه.

منذ سنوات وسنوات، وعبر المحن والأزمات لم نتعلم... فماذا تعلمت إدارة الدولة، ممثلة بالحكومات السابقة والحالية، من أزمة تراجع أسعار النفط؟ وماذا استفادت من أسباب ارتفاع العجز في ماليتها سنة بعد الأخرى؟ وماذا اكتسب النواب من كل ذلك؟ وعلى حساب مَن؟

الحل دائماً عند الحكومة هو الأخذ بالرأي الوسط، وهو رأي دائماً يخلق أزمات تتولد من أخرى، ولنا في تجربة الوقود والكهرباء أمثلة قريبة، والأبعد كان أدهى.

إن تجاهل الرأي الفني والتقني وتقديم الحلول "الوسط" في غرف مغلقة، لا في نقاش عام يشارك فيه بشفافية أهل الرأي والاختصاص في المجتمع، صار نمطاً في معالجة الحكومة للأزمات، وخاصة الاقتصادية والمالية منها... فهل توجد منطقة "وسطى" بين الصواب والخطأ؟ أوليس الوسط بينهما تفريخاً لأزمة من بطن أزمة؟!

مطلوب من الحكومة، وهو من صميم مسؤولياتها، أن تقف مع الصواب وترفض الخطأ، وتتمسك بموقفها حمايةً لأموال الناس، ممثلةً بالتأمينات، والأموال العامة؛ حفاظاً على اقتصادها ومستقبل أبنائنا.

الجريدة